العنوان النصر الحقيقي.. أم وهم الانتصار؟!
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 06-مارس-2004
مشاهدات 65
نشر في العدد 1591
نشر في الصفحة 47
السبت 06-مارس-2004
يقع كثير من الأفراد والأمم في وهم الانتصار، ويضلون الطريق إلى الجادة ويسيرون بخطى سريعة إلى الخديعة والفشل الذريع في كل شيء، وهؤلاء للأسف في أمتنا جم غفير وخلق كثير تتبدل بسوء نية أو ببلاهة في عقولهم وأفئدتهم الأمور والوقائع، وتغيم أمام أنظارهم الحقائق، فيسيرون في ضبابية خداعة يفرضونها على الناس فرضًا بصلف وتسطيح عجيب يدعو إلى الرثاء.
وكنا نسمع بعد كل هزيمة أو كارثة ثورية سيلًا من الخداع الذي يبشر بهذا النصر الوهمي «انتصرنا انتصرنا يوم ما هب الجيش وثاره انتصرنا مادام القائد «الدكتاتور» في أمن وسلام بيننا.... إلى آخر هذه الترهات والأكاذيب التي تريد أن تعمي على طوفان الخراب وأمواج الفشل والكوارث التي حلت بالأمة، وقد تسبب ذلك في عدة أمور منها:
1- عدم معرفة الحقائق أو بحثها ومحاسبة المخطئ أو المتسبب في الكوارث.
۲- بروز أفواج من المهمشين الذين صنعهم الزخم الإعلامي المضلل والمروج لهذا الوهم الخادع.
3- ظهور طبقة من المنافقين الذين لا رغبة لهم في إظهار الحقيقة وتحمل تبعاتها، بل أثروا السلامة ليعبوا من ذهب المعز وماله، وينتفعوا من حرامه وسحته، وسلطانه وسطوته.
4- ابتعاد كثير من الطاقات الفاعلة، والعقول النابهة عن الساحة احتراماً لأنفسهم وللحقائق الموجودة، وخوفاً من بطش السلطان وجنده.
5- هدم الأمة، باعتلاء سدتها دجاجلة لا يفقهون ولا يعملون، وحسبك من أمة تُصير هزائمها انتصارًا، وإخفاقاتها تقدمًا، وعجزها وإهمالها عطاء، وعمالتها حنكة، واستعمار الغير لها انفتاحًا وتقدمًا، وعملًا صالحًا تفتخر به وتدعو الناس إلى الاقتداء به.
٦- جرأة الأعداء عليها، وطمعهم فيها وتكريسهم للمظالم، وتحريمهم وتحليلهم للأمة في ثقافتها وعقيدتها.
7- ضياع وحدة الأمة، لأن اتباع الهوى صار هو الغالب، والأهواء تختلف، فتختلف القلوب، وهذا ما يريده الأعداء توهين الأمة بتفريق أبنائها وتباغضهم، وتحاقدهم، ونسيانهم الأخوة ورابطة الدين والعقيدة، وإصابتهم بداء فساد ذات البين حتى دب فيهم دبيب العنصريات البغيض والعنجهيات المقيت.
۸- الغرور وعدم الاستفادة من التجارب، فمن يحرص على الاستفادة من تجاربه ونتائج أعماله يزيد صوابه دائمًا، فتزيد سعادته، وتقل أخطاؤه ويزول شقاؤه أما الأمة والفرد الذي لا يعتبر ولا يستفيد من تجاربه ونتائج أعماله، فإنه يظل على خطنه ولا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين «رواه البخاري ومسلم»، ولا يعرض عن الانتفاع بالنذر والحوادث إلا الخاسرون والضالون ﴿قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ (يونس:101).
أما النصر الحقيقي، فإنه يبدأ:
أولًا: بالنصر على النفس، لأنها مجمع العزائم وملتقى الإرادات ومكمن القوى، ونبع الإصلاح، وصدق الله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ.﴾ (الرعد:11)، والتغيير ليس مجرد دعوى يدعيها الناس ترفعهم إلى صفوف المنتصرين العاملين وهل كل من زعم أنه بطل شجاع وعامل مجد يكون كذلك إذا جد الجد؟ ذلك ما تثبت التجربة خلافه وذلك ما ينقضه تاريخ الانتصارات ونهضات الأمم.
ثانيًا: بالأهداف والآمال، وذلك هو الفارق بين المؤمنين وأصحاب العقائد والمتنطعين المأجورين فترى الذين يثقون في نصر الله يقولون: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة:249) إذن فلا قنوط ولا يأس، وعلى بركة الله تسير القافلة إلى الهدف.
ثالثًا: بالإعداد المعنوي والمادي، لأن الإسلام لا بد له من قوة ينطلق بها في وسط أعدائه الذين يفكرون في الاعتداء عليه، والذين لا ترهبهم إلا القوة، والإسلام ليس نظامًا لاهوتيًا، وإنما هو منهج عملي واقعي للحياة يحمي نفسه من الظلم ويتبع الأسباب والسنن في النهضات، وصدق الله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (الأنفال: ٦٠).
أما إذا تخاذل الإنسان المسلم وضيع، فإنه سيعيش ذليلًا مهينًا، وعقيدته تأبى ذلك عليه ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَٰكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ (التوبة:46).
رابعًا: بفكرة يدافع عنها وحق يجاهد في سبيله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج 77:78) المدافعون عن الحق دائماً لهم قوة الاقتناع وقوة الفضيلة، وقوة العقيدة، وذلك شيء مركوز في الفطرة السليمة، تحافظ عليه وتضحي في سبيله.
خامسًا: عون الله سبحانه وتعالى والالتجاء إليه، ورد الأمر إليه بعد فعل الإنسان كل ما يملك من أسباب وطاعة له سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد:7). فنصر الله وتأييده ثابت ومؤكد لمن نصر دين الله وجعل كلمة الله هي العليا، وكان الله ورسوله أحب إليه من كل شيء، وهذا النصر ثابت وإن تقدمه عسر وجهاد وتمحيص واختبار ويأس من النصر، ﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (يوسف:110).
نعم إنه آت لا محالة ولن تستطيع قوى المهازيل منعه ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (الصف:8).
وبعد، فلا شك أن النصر الحقيقي تكون له حلاوة وطلاوة، ويعلو ولا يعلى عليه، ويثلج الصدور، ويريح النفوس من عناء الطريق بتحقيق وعد الله سبحانه وإسعاده للقلوب المؤمنة ﴿وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا ۖ نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الصف:13).
فهل نتعلم أسباب النصر الحقيقي ونعمل له، ونودع النصر الزائف الموهوم، الذي عانت الأمة منه كثيرًا؟ نسأل الله ذلك آمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل