; في العصر الحديث نساء مجاهدات: خالدة الهضيبي.. على درب الصالحين | مجلة المجتمع

العنوان في العصر الحديث نساء مجاهدات: خالدة الهضيبي.. على درب الصالحين

الكاتب مريم السيد هنداوي

تاريخ النشر السبت 14-يوليو-2007

مشاهدات 100

نشر في العدد 1760

نشر في الصفحة 41

السبت 14-يوليو-2007

خالدة حسن إسماعيل الهضيبي - ابنة المستشار حسن الهضيبي المرشد العام الثاني لجماعة الإخوان المسلمين - لا يجهلها أحد، فقد تربت في بيت عمل للإسلام وضحى في سبيله بالنفس والمال، فأبواها كانا صالحين، وترعرعت وسط إخوة صالحين عرفوا الإسلام الصحيح منذ نعومة أظافرهم وشبوا على العمل من أجله، والدفاع عنه بالنفيس والغالي.

انصهرت وسط مجتمعها فتميزت عن كثير من نساء الأمة في فهم الإسلام الشامل والعمل له والتضحية من أجله.

ولدت خالدة في عام ١٩١٩م، في أسرة مكونة من أب يعمل مستشارًا وأم ربة منزل، وهي السيدة نعيمة خطاب، وسط إخوتها سعاد، ود. أسامة، والمستشار محمد المأمون، والمحامي إسماعيل، والأخت علية التي ولدت عام ۱۹۳۹م وتخرجت في المعهد العالي للثقافة.. 

وتنقلت الأسرة مع الوالد أينما انتقل بسبب وظيفته، وأحسنت الأم تربية الأبناء فكان بيتا إسلاميًا يقوم على دعائم الإيمان بالله وحب الدعوة (1).

وعملت خالدة الهضيبي أستاذة جامعية بعد تخرجها، ودفعها والدها للاضطلاع بدورها كمربية داخل الجامعة في خمسينيات القرن الماضي. ثم تزوجت وعاشت مع زوجها أحمد ثابت في عرب الصوالحة بشبين القناطر «محافظة القليوبية – شمال القاهرة».

مسارها الدعوي:

تقول الحاجة خالدة: «كنت في البداية لا أعرف جماعة الإخوان ولا غيرها، ولكن آمال عشماوي زارتني وأخبرتني أن الشيخ حسن البنا قال لها إنه ينتظر زيارتي.. ولم تكن «آمال عشماوي» تعرفني من قبل، لكنها زارتني بناء على طلب الشيخ البنا، ومن يومها بدأت الصلة بيني وبينها»..

وكانت قد أرسلت من قبل رسالة للشيخ البنا.. وتقول خالدة عن قصة تلك الرسالة: «في البداية كنت أتمنى أن أنتمي لجماعة دينية، ولم أكن وقتها قد سمعت عن الإخوان، وكنت متزوجة في سن الثلاثين.

فأخي مأمون قال لي: هذه جماعة الإخوان المسلمين جماعة طيبة، وهيا أنتمي لها، وقد علمت أنه قد تم الإعلان عن سهم طوارئ خاص لدعم جريدتهم نظرًا لوجود خسارة مالية.. 

فقلت: هذه فرصة لن تتكرر، وكان الشيخ حسن البنا يقوم بزيارة أبي بالبيت أحيانا، ويأخذ رأيه في بعض الأمور وخلال إحدى الزيارات قمت بتقديم واجب الضيافة، وأعطيت أبي اشتراكا بسهم الطوارئ لتسليمه للشيخ البنا. 

فقال لي أبي: لا بل اكتبي له ورقة وأخبريه أنك سمعت عن سهم الطوارئ وتريدين الاشتراك، فهذا أفضل، فقمت بكتابة الرسالة وأعطيتها لوالدي ليسلمها له.. فرد على الشيخ حسن البنا بجواب أرسله بالبريد» (2).

رعاية أسر المعتقلين:

وقد شاركت الحاجة خالدة الهضيبي مع آخرين من الأخوات في رعاية أسر المعتقلين..

تقول الحاجة زينب الغزالي يرحمها الله: «ثم علمت أن الوالدة الفاضلة المجاهدة الكبيرة حرم الأستاذ الهضيبي تبذل هي أيضًا مجهودًا كبيرًا مع بعض الفضليات الكريمات من الأخوات المسلمات مثل: المجاهدة آمال العشماوي حرم الأستاذ منير الدلة، وكانت هي بنفسها على رأس الأخوات المسلمات مثل: خالدة حسن الهضيبي وأمينة قطب وحميدة قطب وفتحية بكر والمجاهدة أمينة الجوهري وعلية الهضيبي وتحية سليمان الجبيلي.. واتسعت اتصالاتي رويدًا رويدًا، فاتصلت بخالدة الهضيبي في سرية شديدة ثم بحميدة قطب وأمينة قطب - وكل ذلك من أجل المعذبين والأطفال واليتامى» (3).

وتقول خالدة: «كان معي توكيل من والدي أذهب وأتسلم الراتب من البنك أثناء فترة الاعتقال، وأتذكر سنة ١٩٦٥م أنهم قطعوا المعاش أيضًا فترة ثم رجع ثانية، أما أصحاب الأعمال الحرة فقد قطعت رواتبهم كثيرًا في سنة ١٩٥٤م، وكن يأتين لأمي فطلبت أمي منهن أن يقمن ببعض الأشغال «خياطة تريكو..» فكن يشترين القماش اللينو الذي تصنع منه فساتين الأطفال، ويصنعن ملابس للأطفال، ثم يعرضونها عندنا في البيت.. 

وكان من يأتي إلى أمي يزورها من الأهل والأصحاب يعجب بها ويشتريها، وكان عائد تلك الملابس يذهب إلى أسر المعتقلين واليتامى..

وكانت أمي تعطيني المال الخاص ببلدتنا «عرب الصوالحة» - حيث كنت أسكن أنا وزوجي - لأوصله للمحتاجين هناك (4).

وبالرغم من معاصرتها للإمام البنا، إلا أنها لم تلتق به، وكانت حلقة الوصل بين الأخوات وبينه الأخت آمال العشماوي والتي ظلت مسؤولة للأخوات بعد تنازل السيدة نعيمة خطاب لها عن هذا الأمر، لإدراكها طبيعة العمل ولكونها مع الأخوات منذ فترة كبيرة، فكان هذا دافعًا أن تترك السيدة نعيمة خطاب المسؤولية لها من باب مصلحة الدعوة لا المصلحة الفردية.

جرأة في الحق:

كانت خالدة الهضيبي لا تكف عن الدفاع عن مواقف الإخوان في أي لقاء تحضره.. وتقول عن ذلك: «كنت أعمل مدرسة في مدرسة السنية، وعندما كنت أجلس مع زملائي كنت أبين حقيقة المواقف ومنهاج الجماعة، وأفند أقوالهم وأرد الشبهات وكنت جريئة في الحق» (5).

ودخلت أسرة الهضيبي مرحلة جديدة، عقب تولي المستشار الوالد مسؤولية مكتب الإرشاد في ١٧ أكتوبر ١٩٥١م، فتقول السيدة خالدة: «بعدما تم القبول وأذيع الخبر في الصحف أن الجماعة أعيد تشكيلها، وأن والدي أصبح المرشد العام ذهبت للعمل في معهد التربية فإذا برجل معي بالعمل يقول: مبروك يا خالدة. فقلت له على ماذا؟ إنها مسؤولية.

فقال لي: إنها أكبر من مشيخة الأزهر، فتعجبت لأني أعتبرها مسؤولية، ووجدت الناس ينظرون إليها على أنها منصب وأنها أفضل من شيخ الأزهر (6).

المحنة والابتلاء: كانت محنة ١٩٦٥م شديدة، حيث أعلن عبد الناصر اعتقال كل من سبق اعتقاله منذ عام ١٩٤٨م، وكانت الظاهرة الأغرب في هذه المحنة هي اعتقال النساء، إما لصلتهم بالإخوان أو للضغط على الإخوان لتسليم أنفسهم، ولقد لاقي كثير من النساء ألوانًا من العذاب الشديد.

ولقد تعرضت خالدة للاعتقال هي وأسرتها كلها. وتصف خالدة ليلة اعتقال آل الهضيبي بقولها: «يومها كان أخواي مأمون وأسامة عندنا بالبيت، وجاءت قوات الأمن لاعتقالنا من سكننا في منطقة الزمالك فلم يجدونا، فقطعوا خطوط الهاتف، ثم اعتقلوني بعد أن اعترضت عليهم والدتي قائلة: مستحيل أعطيها لكم.. اذهبوا إلى الساقطات في المجتمع. وكانت منفعلة انفعالًا شديدًا، واتصلت والدتي بأخي أسامة فقال لها: خلاص أنزليها لأنهم سيقطعون الماء والكهرباء وسيأخذونها، وكان عندنا خادمة خرجت في البلكونة تصرخ وتستجير بالناس..

وتقول: «الحكومة ستعتقل النساء»، وأخذت تصرخ في كل بلكونة، وكان ذلك صباحًا، بعدها أصبحوا يأتون بالليل دائمًا..

وحينما جاءوا لاعتقالي من الزمالك، قال لهم زوجي: إنها ليست هنا، هي في منطقة الروضة عند أمها، وفتشوا البيت، واتصل زوجي بأخي مأمون في مصر الجديدة وأخبره أنهم ذاهبون إلى الروضة للقبض علي، فجاءنا مأمون، إلا أنه وجد قوات الأمن قد أنزلوني أنا وأمي، والقوا القبض علينا، فطلب مأمون من الضابط أن تركب أمي معه وهو سيذهب معهم لأنها لا تستطيع ركوب السيارة العالية الخاصة بهم «سيارة الترحيلات»، فوافقوا ومررنا على نقطة شرطة الروضة وأخذوا يعتقلون الأخوات ويخرجونهن من النقطة وأركبوهن معنا في سيارة الترحيلات، ثم أرسلوني لقسم قصر النيل.

كنا نشعر بالمحنة والظلم ولكن لم نبك وتم ترحيلنا إلى سجن القناطر، وعند إنزالنا أخذوا يرفعون أصواتهم علينا ويخوفوننا.. وأنا أرد عليهم بصوت أعلى، فقالت أمي يا خالدة: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ۚ وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فإن ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (آل عمران:186).

 في سجن القناطر لم تكن معنا أختي علية وكانت حاملًا في ابنتها ولم يشفع لها ذلك، فقد سجنت مع زينب الغزالي وحميدة قطب في السجن الحربي.

كانت فترة المعتقل فترة طيبة بسبب الذكر وصلاة واللجوء إلى الله.. فاللجوء إلى الله في الشدة كان إحساسًا طيبًا وجميلًا (7).

وتقول السيدة زينب الغزالي: «أخذ جلال الديب يسألني.. قال: اشرحي يا زينب يا غزالي اتصالاتك بخالدة الهضيبي وأحمد ثابت زوجها وما دورهما في التنظيم؟ قلت: نشاط خالدة الهضيبي معي كان محصورًا في مساعدة أسر المسجونين. قال: أي نوع من المساعدات؟ قلت: مساعدات مالية أو عينية وشرحت له نوعية العينية - بعد سؤاله - أنها كالأقمشة والدقيق والقمح والأرز والسمن والفاصوليا.

وعاد يسألني عن زوجها أحمد ثابت. ولما أوضحت له أنه لم يكن له من عمل إلا الحضور إلى المركز العام للسيدات المسلمات ليوصل الأشياء التي أرسلها الخالدة لتسلمها للأسر - دون أن ينزل من السيارة - رفض تصديقي وأسلمني إلى صفوت فأوقفني ليتصرف معي» (8)

وقد أفرج عن والدتها وأختها علية قبلها.

تقول خالدة: أخذوني على السجن الحربي، واقتادني شاويش الزنزانة فسألته عن علية وعن أمي، فقال: إن علية خرجت والوالدة خرجت فلم أصدقه.. 

فأخذت أسأله عن علية فقال: الحامل؟ قلت: نعم. قال: خرجت.

 أما أمي فقلت له: إن فوطة «الوجه» الخاصة بها جاءت مع ملابسي فكيف تفعل هي بعد الوضوء؟ أنا أريدك أن ترسلها لها، فقال: إنها خرجت فعرفت فعلًا أنهما خرجا» (9).

ولقد قضت في السجن ما يقرب من ثلاثة شهور ونصف الشهر حتى خرجت، كما قضت علية أختها ما يقرب من شهرین (10).

رؤيا النبي ﷺ:

وبعد ذلك خرجت خالدة الهضيبي لتكمل الرسالة مع أخواتها وبين صفوف الأخوات حتى توفاها الله، بعد أن بشرتها السيدة زينب الغزالي بالرؤيا التي رأتها فتقول: «التفت إلى حضرة النبي ﷺ وأشار إلى جهة اليمين نظرت فإذا بجبل تقارب قمته عنان السماء، غير أنه كالبساط الأخضر تكسوه أرض خضراء. فقال لي حضرة النبي ﷺ: يا زينب! اصعدي هذا الجبل فستجدين عند القمة حسن الهضيبي، بلغيه هذه الكلمات، ونظر ﷺ إلى نظرة عميقة أخذت بكل كياني غير أنه لم يتحدث بكلمات منطوقة، ولكني أحسست أني حملت الكلمات فعلًا، وفهمت ما يريده مني، ورفع الرسول الكريم ﷺ يده إلى الجبل فوجدت نفسي وأنا صاعدة التقيت في طريقي بخالدة الهضيبي وعلية الهضيبي فسألتهما: هل أنتم معنا في الطريق؟ أجابتا: نعم» (10).

الهوامش:

  1.  محمد عبد الحكيم خیال محمود محمد الجوهري الأخوات المسلمات وبناء الأسرة القرآنية، الطبعة الثانية، دار الدعوة شعبان ١٤١٣هـ. يناير ١٩٩٣م.

  2. حوار تسجيلي مع خالدة وعلية الهضيبي.

  3. زينب الغزالي: أيام من حياتي دار التوزيع والنشر الإسلامية.

(4-7)  حوار تسجيلي مع خالدة الهضيبي.

(8) زينب الغزالي: مرجع سابق.

 (9-10) حوار تسجيلي مع خالدة الهضيبي.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل