العنوان أستاذ الأدب الأندلسي د. محمود علي مكي: الأندلس.. أسباب الازدهار والانهيار
الكاتب محسن عبد الفتاح
تاريخ النشر السبت 07-يوليو-2012
مشاهدات 58
نشر في العدد 2010
نشر في الصفحة 52
السبت 07-يوليو-2012
امتدت الحضارة الأندلسية لأكثر من ثمانية قرون وشهدت ازدهاراً أشع بنوره على بلدان أوروبا
هناك تقصير تجاه حضارة الأندلس الإسلامية ومطلوب الكشف عن حقائقها المنسية من قبل علمائنا
لأول مرة يشهد التاريخ الإنساني ما سِّمي ب «محاكم التفتيش » ضد مسلمي الأندلس
ما جرى من إبادة بحق المسلمين في الأندلس يعتبر امتداداً للحملات الصليبية التي داهمت الشرق العربي والقدس
حينما سقطت دولة بني أمية لم يستطع العباسيون وارثو الدولة الإسلامية المحافظة على وحدة الخلافة، فكانت الأندلس أول قطر ينال استقلاله على يد عبدالرحمن الداخل مجدد الدولة الأموية، وتلت الأندلس بلاد المغرب الأقصى التي استقل بها أمير من سلالة الحسن بن علي بن أبي طالب وهو منشئ الدولة الإدريسية، ثم توالت الأحداث وزادت الفرقة وكثرت المكائد بين أمراء الأندلس، بل وصل الأمر لتحالف البعض مع الأعداء ضد الأشقاء.
عن هذه الحقبة من التاريخ الإسلامي، وعن أسباب ازدهار تلك الحضارة، وأسباب الانهيار والضياع، التقينا الأستاذ الدكتور محمود علي مكي، أستاذ الأدب الأندلسي والمغربي، ورئيس قسم اللغة الإسبانية في كلية الآداب بجامعة القاهرة، الذي حدَّثنا برؤية العالم المسلم عن كل هذه الأمور، معرجاً على «محاكم التفتيش » التي تم تنصيبها لمسلمي الأندلس في سابقة تاريخية لم تشهد مثيلها الإنسانية.
* لم تحظ النهضة الإسلامية في الأندلس بالاهتمام الذي تستحق من قبل علمائنا، خاصة تلك الفترة الزمنية التي أعقبت سقوط آخر الممالك الإسلامية، وتلك الأساليب غير الإنسانية التي مورست ضد المسلمين من قبل المسيحيين المتعصبين، وإقامة ما سمّي ب «محاكم التفتيش » لأول مرة في تاريخ الإنسانية.. ماذا تقولون في ذلك؟
- الاهتمام بتاريخ الأندلس، والتاريخ العربي الإسباني المشترك قديماً وحديثاً بات من الأمور المهمة التي حظيت مؤخراً باهتمام الكثير من العلماء المسلمين والغربيين على حد سواء، ورغم ذلك فهناك تقصير يلمسه أهل الاختصاص حيال حضارة الأندلس الإسلامية التي امتدت لأكثر من ثمانية قرون، وقراءة مخطوطاتها والبحث في وثائقها التي تقدر بمئات الآلاف، والتي تنتظر من علماء الإسلام من يوليها اهتماماً خاصاً وعناية ودراسة، ويمسح غبار الزمان وستار النسيان عن حقائقها التي هي في الأغلب الأعم فخر لكل مسلم، والتي مازالت تكتشف وثائقها الجديدة تباعاً يوماً بعد يوم، كما أن المراكز العلمية العربية والإسلامية يجب أن تولي جل اهتمامها حول التاريخ الأندلسي، وكيفية إحيائه والتوقف عند الأسباب الحقيقية لظاهرة هجرة الأندلسيين إلى بلدان المغرب العربي والتي أدت بدورها لاختفاء الحضارة الإسلامية مع الأندلس.
لا يكفي أن نستشهد بما أقره بعض علماء الغرب المنصفين لأغرب أنواع الاضطهاد وأقساها لأهل الأندلس، بل وجب التوقف طويلاً والدراسة بدقة وعمق لتلك الفترة المغيّبة التي شهدت ولأول مرة في تاريخ الإنسانية ما سمّي ب «محاكم التفتيش »، والتي اعتبرتها الإنسانية سُبة في جبين العالم المسيحي، وبخاصة الكنيسة الكاثوليكية قائدة الحروب الصليبية ضد المسلمين في المشرق والمغرب الإسلامي على حد سواء.
أما الثورة السياسية التي أقصدها؛ فتنتج من رفع شعار العدالة.. فالشباب هم من حرك الماء الراكد وقدم بعضهم روحه فداء لنجاح هذه الثورة، وعمل على رفع الظلم عن أبناء هذا الوطن بعد عقود طويلة.. من هنا فالعدالة مطلب أساسي لكي تُرد الحقوق، ويسود القانون؛ فيستقيم العود، فالاستبداد يولد الفساد، من هنا لا بد من أن يعيش الناس الحرية الحقيقية، حرية مسؤولة وليست منفلتة، منضبطة غير جامحة، بناءة غير هدَّامة. لقد تم تغييب العقل إلى درجة خطيرة عن أن يكون أساساً للنهضة والاختيار والمفاضلة، كذلك تم تكبيل الحرية، وفي تقييدها لا يقدر الإنسان السجين على بناء الحضارات الكبرى.
لا يجدينا نفعاً أن نملك الثروات دون أن نستفيد بها حق الإفادة، ولا أن نكدس السلاح دون أن يرهب أعداءنا ويحمي حقوقنا، إنما هذه المصادر الضخمة وغيرها من نعم الله عز وجل، إذا لم ترتبط بعقل المسلم وإرادته ومن ثم فعله الحر فلا فائدة منها وستتحول من نعمة إلى نقمة.
إننا في مرحلة تحول جذري، وفي مفترق طرق جوهره التحدي، وفي ظل هذه اللحظة التاريخية الحائرة علينا أن نستخرج من أعماقنا الطاقة الذاتية الكامنة التي تمكننا من الانطلاق نحو غد أفضل، وأن يتولى الجزء الأكبر من هذه المهمة ويشتغل بها علماء هذه الأمة ومفكروها وصفوة أبنائها المخلصين، فالله سبحانه وتعالى يرفع أقواماً ويخفض آخرين، وهي أمور يبديها ولا يبتديها، لكنها كامنة في غيبه يخرجها للناس كل حسب عمله ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (التوبة: 105)
* على ذكر مصر وثورتها.. يثار هذه الأيام جدل محتدم حول ما يسمى بالدولة الدينية والدولة العلمانية، وفي بعض الأقوال المدنية.. هل لكم أن توضحوا للقارئ الفروق الجوهرية بين المصطلحين، والدور المطلوب لطمأنه الإنسان المسلم في هذه المرحلة المهمة؟
- ما يسمى بالدولة العلمانية هو مصطلح أوروبي أتانا من الغرب، من هنا يجب أن ننظر إلى السياق التي ظهرت فيه، والمعنى الذي ترمي إليه.. ففي الغرب كان يسود صراع بين مؤسسة الدولة ومؤسسة الكنيسة زمناً ما، ورأى البعض فضّ الاشتباك بين الاثنين بفصل الدين عن الدولة، فالحكومة المدنية هي الحكومة التي لا يعهد فيها بالسلطة السياسية إلى رجال الدين، إذن فالحكومة المدنية ليست كافرة، أو القائمون عليها غير متدينين، كما يتراءى إلى البعض من البسطاء.
القضية في جوهرها أن هناك من يكره الدين ويتوارى خلف الأقنعة، ويحاول أن يصور الدين أنه شيء سيئ، أقول: إن الإسلام لم يقم حكومة دينية، وإنما أقام حكومة مدنية، أي أن الذي يتولى السلطة ليسوا رجال الدين وإنما أصلح ناس للحكم، هذا ما كان زمن الرسول ﷺ وصحابته من بعده في حكم الخلفاء الراشدين.
من يتولى السلطة في المجتمع هو من يختاره الناس، وعلينا ألا ننزعج من المسمى الديني لبعض الأحزاب، فثقافة الأمة تنبع من الإسلام.. ولابد هنا من إعادة ترشيد عمل المؤسسات الدينية وتفعيل دور علماء الدين في كافة المجالات، كذلك علينا إعطاء الفرصة للشباب حتى تنضج تجربتهم، فهم طليعة المجتمع، وأدرى بمشكلاتهم، والإسراع أو البطء في غير موضعه غير مطلوب، ولابد من إعادة الثقة بين الناس ومن سيولى مسؤولية الحكم في المرحلة القادمة، ونشرع في التنمية والبناء من أجل استرداد مكانة مصر على المستوى العربي والأفريقي والإسلامي والعالمي.
* أوليتم المؤسسات الدينية والقائمين عليها من رجال دين وعلماء مسؤولية كبرى ومهام جسام - الآن ومستقبلاً - فهل ترون أنهم أهلٌ لهذه المهمة والكثير منهم - مؤسسات وعلماء - أسرى للماضي القريب الذي سقط بانتصار ثورة 25 يناير؟
- نحن في حاجة إلى ثورة دينية على الجمود الموجود، الإسلام شيء والمسلمون شيء آخر.. الإسلام نداء ودعوة وتكليف، والصورة النهائية متوقفة على تعامل البشر مع هذا النداء، ولذلك قال الله في كتابه الكريم: ﴿فّمّن شّاءّ فّلًيٍؤًمٌن مّن شّاءّ فّلًيّكًفٍرً﴾ (الكهف: 29) ، من يؤمن نجا، ومن لم يؤمن سوف يلقى الجزاء.
منهج الإسلام في إصلاح الجماعة وبناء الدولة عدم فرض شيء على أحد ضد رغبته أو عكس قناعته، علينا أن نلتقي فيما اتفقنا عليه، وأن يعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه، لقد كرم الله سبحانه وتعالى الإنسان بمنحه نعمة العقل وحرية الإرادة، من هنا فإسلام المسلم يقوم على ركيزتين؛ إعمال العقل، وحرية الاختيار، نحن نعيش اليوم في عالم معقد، والفتوى تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأقوام.
وهذه القضايا والتحديات التي تواجهنا اليوم على علماء المسلمين الاشتغال والانشغال بها، فذلك فرض عين على كل مسلم، وليس الرخصة في التشدد؛ لأن ذلك في متناول الجميع، ولكن التسهيل هو الصعب، والدين يُسر لا عُسر، وهذا يدعونا إلى ثقافة فقه التيسير في كل الأمور حتى لا تشيع فتوى التشدد غير البناءة.
* العالم اليوم يحتاج إلى الأديان، ونحن المسلمين مطالبون أن نفهم ديننا على واقع جديد، ووقت الأزمات الكبرى لا بد من وقفة وإعادة الحسابات وإمعان النظر؟
- في حقيقة الأمر أن الأمم في لحظات التاريخ الحاسمة تحتاج إلى مرآة ليرى الناس أنفسهم فيها رؤية موضوعية لا رؤية المتحف، وهم أيضاً في حاجة إلى نافذة يطلُّون من خلالها إلى العالم ليردوا ما عند الآخرين من خير بمقياس عادل لا يقلل من شأن الآخرين، ويعظم من شأن نفسه، فالحكمة ضالة المؤمن، إذن فنحن في حاجة لرؤية حقيقة أنفسنا من غير كذب ولا ادعاء ورؤية الآخرين من غير تهويل ولا تهوين.
* إذن كيفية الخروج من هذه الدائرة المغلقة - إن صح التعبير - وأنتم عقلاء الأمة وحكماؤها، صفوتها ونخبتها؟
- ضرورة أن نقدم تصورنا للطرح الإسلامي المتوازن المعتمد على كتاب الله تعالى وسُنة رسوله ﷺ، المتفهم لأوضاع الأمة الجديدة، لأن الكثير عزفوا عن مثل هذه التيارات الإسلامية غير المعتدلة والتي قدمت الإسلام إليهم في صورة إما أنها غير مقنعة، وإما أنها غير ميسرة، مع أن النبي ﷺ بُعث رحمة مهداة للناس.