العنوان الأزهر ينتفض من أجل القدس
الكاتب بدر محمد بدر
تاريخ النشر الثلاثاء 30-مايو-1995
مشاهدات 58
نشر في العدد 1151
نشر في الصفحة 33
الثلاثاء 30-مايو-1995
في صحن الأزهر الشريف ومن فوق منبره الشامخ، ارتفع صوت الأمة عاليًا ليرفض حقبة الذل والهوان ويندد بإقدام دولة العدو الصهيوني الغاصب على مصادرة الأراضي الفلسطينية في القدس الشريف وإعلانها عاصمة أبدية للمحتلين، وسط تخاذل وتواطؤ دولي تقوده أمريكا - زعيمة النظام العالمي الجديد - لجات الأمة إلى أزهرها الشريف - كعادتها دائمًا - عندما تحيط بها المؤامرات، وتحاك ضدها الدسائس، ومن فوق ذلك المنبر ارتفع صوت ممثلي القوى السياسية والوطنية والحزبية في المؤتمر الجماهيري الحاشد عقب صلاة الجمعة (٥/١٩) الذي شارك فيه عدة آلاف، بالرغم من الاحتياطات الأمنية الشديدة، ووجود أعداد كبيرة من جنود الشرطة وضباطها ومصفحاتها، خوفًا من انفلات الأوضاع من الجماهير الغاضبة خصوصًا والمنطقة مزدحمة بطبيعتها.
وفي كلمات حماسية مرتجلة تحدث مصطفى كامل مراد - رئيس حزب الأحرار - فقال: لابد أن تتفق الأحزاب السياسية وجميع القوى الوطنية والأمة كلها، على عمل موحد للرد على الاعتداءات الإسرائيلية على القدس الشريف، وبحث ما يمكن أن نفعله إذا أقدمت «إسرائيل» بالفعل على نقل عاصمتها إلى أولى القبلتين وثالث الحرمين.. إننا يجب ألا نقف مكتوفي الأيدي ونظل نشجب ونستنكر!
إن الديمقراطيين والجمهوريين في أمريكا سواء من يكون منهم في السلطة أو خارجها، يؤيدون إسرائيل، ويدافعون عنها، والمعارضة الأمريكية الآن تدعو كلينتون وبشدة للاعتراف بأن القدس عاصمة «إسرائيل».
وأضاف مصطفى مراد قائلاً: إن كل الشواهد تؤكد أن هناك مؤامرة أمريكية – إسرائيلية، والصهيونية مازالت متمسكة بعقيدة «إسرائيل الكبرى» التي تبدأ من فاقوس بمحافظة الشرقية المصرية إلى نهر الفرات في العراق، وهي تسعى جاهدة لتحقيق هذا المشروع بامتلاك قلعة من الأسلحة الذرية وأصبحت هي الدولة الوحيدة - بفضل الولايات المتحدة - التي ترفض الخضوع لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، إنني أدعو الشعب المصري إلى مقاطعة البضائع والسلع الأمريكية، والامتناع عن استخدام وسائل المواصلات الأمريكية سواء أكانت طائرات أو بواخر وغيرها لأن المقاطعة هي أقوى الأسلحة وأكثرها فاعلية.
وتحدث المهندس إبراهيم شكري - رئيس حزب العمل - فدعا الحكومات العربية إلى نبذ الخلافات فيما بينها، وقال إن القضية الآن ليست التوقيع على المعاهدة النووية، فإسرائيل تمتلك أكثر من ۲۰۰ رأس نووي داخل مخازنها العسكرية، وأشار شكري إلى أن أمريكا تسعى لإخضاع الحكام العرب وإحكام قبضتها عليهم، من خلال المعونات التي تقدمها لهم، ودعا إلى ضرورة المقاطعة العربية لإسرائيل، وعدم التعامل معها اقتصاديًا وتجاريًا، وقال: إن مصر كانت - وستظل - رأس الحربة التي تفتدي الأقصى بجندها، وإذا تحرك شعب مصر فستسقط كل المعادلات الصهيونية وسيتحرر الأقصى من الأسر.
وأضاف رئيس حزب العمل قائلاً إن أمريكا لو شعرت بأن هناك حركة شعبية مؤثرة داخل مصر لأعادت حساباتها ألف مرة ولمارست ضغوطًا ملحوظة على «إسرائيل»، ولكن أمريكا ترصد حالة الموات من المحيط إلى الخليج، فتضيء مزيدًا من الأضواء الخضراء لإسرائيل.
لا أمل إلا بالوحدة
وتحدث أحمد سيف الإسلام حسن البنا – الأمين العام لنقابة المحامين – ممثلاً عن الإخوان المسلمين، فقال: «إنه لا أمل في مواجهة الأعداء إلا بوحدة الأمة وتلاحم صفوفها، وأشار إلى جهود فدائيي الإخوان المسلمين في طليعة أبناء الأمة، الذين سالت دماؤهم الطاهرة على تراب فلسطين في عام ١٩٤٨م، وقال إن الحل هو أن تعبأ تعبئة إيمانية جهادية، من خلال منهج قرآني رباني لإنقاذ فلسطين كل فلسطين، لأنها قضية الشرف والكرامة بالنسبة للأمة جمعًا»، ودعا سيف الإسلام البنا إلى وحدة الصفوف وتكاتف الجهود من أجل موقف قوي يعيد للأمة هيبتها وكرامتها من جديد.
ثم صعد القس أنسطاسي شفيق إلى منبر الأزهر وقال: حقًا إنني قد شرفت بدخولي هذا المكان المقدس ولأعلن من على منبره الشريف باسمي وباسم كل أقباط مصر (ثلاثة ملايين نسمة) أننا نرفض كل ما تفعله «إسرائيل»، في قدسنا الشريف، وأشار القس شفيق إلى دور الأزهر الشريف الذي وقف طوال تاريخه الطويل في وجه كل الطغاة والحاقدين على الإسلام، ولولاه ما كان لمصر دورها، ومن على هذا المنبر سبقني القمص «سرجيوس» في ثورة ۱۹۱۹ ليقاوم الاحتلال الإنجليزي، ويثير حمية المصريين، وها أنذا أقف في نفس المكان لأقاوم اليهود وأشياعهم من الأمريكيين والأوروبيين، وقال القس أنسطاسي: إن أقباط مصر والعالم يحملون فلسطين في صدورهم، والقدس في قلوبهم، لأنها ليست لليهود ويجب ألا تكون معهم، وقال إن البعض ربما يتعجب من دخولي الأزهر، ولكني إن كنت ابن مصر والمسيحية ديني، فأنا ابن الأزهر، والأزهر وطني، وأنا أعلن من فوق منبر أشرف مكان في مصر، أن فلسطين إسلامية وعربية ومسيحية، ولابد أن تقاوم التعنت الإسرائيلي وتناضل من أجل عودة فلسطين وقدسنا الشريف.
أعلنوها حربًا ضد أمريكا
وتحدث الكاتب الإسلامي حسن دوح فقال: أطالب كل الحكام المسلمين بأن يقولوا لا لوجود «إسرائيل»، لأنها استولت على القدس، ونقلت عاصمتها إليها، فلن يرتفع أذان الصلاة في أي من العواصم العربية، وقال دوح: لا بد من أن نعلنها حربا ضارية ضد أمريكا في كل مكان، وإذا كان لدى أمريكا أسلحة متطورة وقنابل ذرية ونووية فنحن معنا من هو أقوى من أمريكا. معنا الله ودعا حسن دوح إلى قطع العلاقات الاقتصادية مع أمريكا وإسرائيل.
كما تحدث محمد خليل- عضو اللجنة المركزية لحزب التجمع- فقال: على تستولي على الأرض، وتبني المستوطنات وتقتل المسلمين داخل أرضهم، وأمريكا تستخدم حق الفيتو لعدم إدانتها، والمسلمين والعرب يجتمعون فقط كرد فعل للأحداث وهذه الاجتماعات لا تسفر دائما إلا عن استنكارات وشجب وإدانة دون اتخاذ رد فعل حقيقي لمقاومة «إسرائيل»، ومن يقف خلفها ودعا محمد خليل إلى الخروج من هذا المؤتمر الجماهيري بموقف موحد، يؤدي إلى اتخاذ إجراءات تجعل أمريكا تعي جيدا أننا يمكن أن نقف أمامها، وأننا يمكن أن نقول لها: لا.
وقال جمال ربيع- رئيس حزب مصر- إنني أناشد الرئيس مبارك أن يوجه الدعوة إلى الأحزاب والقوى الوطنية لتشترك في مناقشة هذه القضية، لنتمكن من اتخاذ موقف آخر غير الشجب والإدانة، فلن يبقى لنا شيء بعد القدس إذا سلبته إسرائيل، وقال ربيع إن مصادرة «إسرائيل»، لأراضي الفلسطينيين على العزم على نقل عاصمتها إلى القدس الشريف تعتبر هجمة عدوانية شرسة لا بد من أن نتصدى لها بكل قوة.
الشيخ الغزالي: لابد من العمل والتضحية والجهاد لتحقيق النصر على الأعداء
وقال الشيخ جمال قطب - نائب رئيس حزب مصر وأحد علماء الأزهر - إنه لكي يكون المسلم عزيزًا في أي مكان، لابد وأن يكون معدًا ومستعدًا بالقوة لكل من يحاول التعدي على حدوده، وطالب بإعلان الجهاد ضد اليهود والأمريكان، ولن تتمكن من ذلك إلا إذا أعددنا العدة وامتلكنا الأسلحة التي نقف بها في وجه العدو الصهيوني.
ندوة نقابة المحامين
واختتم المؤتمر الجماهيري الساخن أعماله قبيل أذان العصر، حيث اتخذت قوات الشرطة أقصى استعداداتها خوفًا من أية أحداث غاضية.
وفي مساء السبت (٢٠/٥) أقامت لجنة الشئون السياسية بنقابة المحامين ندوة جماهيرية شارك فيها فضيلة الشيخ محمد الغزالي والأستاذ مصطفى مشهور، والمهندس إبراهيم شكري، والدكتور نعمان جمعة - نائب رئيس حزب الوفد -، والأستاذ مصطفى كامل مراد، والشيخ جمال قطب، وقدم للندوة التي استمرت قرابة الثلاث ساعات وشارك فيها ما يزيد على الألف شخص، الأستاذ سيف الإسلام حسن البنا، حيث تناولت أوضاع القدس والإجراءات الصهيونية حيالها، وموقف الأمة العربية والإسلامية، والمطلوب عمله الآن تحدث فضيلة الشيخ محمد الغزالي فقال: إن القرآن الكريم أفاض في الحديث عن صفات اليهود ودورهم عبر التاريخ في هدم الحضارة الإنسانية والدسائس والمؤامرات وما زالت هذه الآيات بين أعيننا تتلى صباح مساء، لكن الأمة الضائعة التائهة لا تعي هذه الآيات ولا تدرك هذه المعاني التي أفاض القرآن في كشف تفاصيلها، حتى غدا شراذم الأرض، يتحكمون في القوة والنفوذ ويخرجون ألسنتهم لنا، وأضاف الشيخ الغزالي قائلاً: إن الله عز وجل ينعى على الأمة أن تقول ما لا تفعل في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ ( الصف: ٢ : ٣ )، إن العمل والاستعداد والبذل والتضحية والجهاد هي أساس النصر على الأعداء ولابد من نصر الله أولًا، ومن الأخذ على أيدي السفهاء من حكامنا، ولابد من استثمار طاقات الشباب المهدرة في التوافه والصغائر، لتعود الأمة إلى سابق عزها ومجدها .
وتحدث الأستاذ مصطفى مشهور - نائب المرشد العام للإخوان المسلمين – فأكد أن قضية فلسطين هي القضية المركزية للأمة الإسلامية، وأن الإخوان المسلمين كانوا أول من تنبه لخطورتها منذ عهد الإمام الشهيد حسن البنا، وسالت دماء أبناء الحركة على أرض فلسطين، فقد أدركت الجماعة منذ فجر نشأتها أن الجهاد هو السبيل الوحيد لتحرير الأرض من المغتصبين الصهاينة، وأنه لابد من إعداد الأمة وشبابها إعدادًا تربويًا وإيمانيًا وجهاديًا لاستخلاص الحق وعودة الحقوق إلى أصحابها، وأشار مشهور إلى ضرورة الوحدة والتكاتف وتقوية الأواصر بين أبناء الأمة، وإنهاء الخلافات لإجبار المعتدين على إعادة الحق وتحرير الأرض، وأكد مصطفى مشهور أن الضغوط التي تواجه جماعة الإخوان المسلمين هي نتيجة لتمسكها ووقفتها الصلبة لصالح قضية فلسطين، وأنها بالنسبة للجماعة قضية مبدأ لا تحيد عنها، ولا تتنازل عن أي شبر من أرضها.
قطع العلاقات وسحب السفير
وفي ختام الندوة صدرت التوصيات التي تطالب بقطع العلاقات مع «إسرائيل» وسحب السفير وإلغاء عملية السلام برمتها لعدم التزام إسرائيل، بتعهداتها، ووقف جميع إجراءات التطبيع الرسمي، كما أيدت الندوة جميع الخطوات الداعية لوحدة الصف العربي والإسلامي والعاملة من أجل انتزاع حقوق الأمة في فلسطين المحتلة.
وفي استطلاع سريع قامت به «المجتمع» لآراء بعض الشخصيات والرموز السياسية يقول الدكتور أحمد صدقي الدجاني: إن التحالف الاستعماري الصهيوني يجاهر أمتنا
- إبراهيم شكري : إذا تحرك شعب مصر فستسقط كافة المعادلات الصهيونية
العربية والإسلامية بالعداء ويصعده باستهداف الأرض والإنسان والمقدسات، والمخططات الصهيونية ماضية نحو هدفها لهدم الأقصى وبناء الهيكل، والمسألة مسألة وقت، في ظل التخاذل العربي على الساحة السياسية المحلية والعالمية، ويقول الدكتور الدجاني إن اليهود يتعمدون تمييع قضية القدس، حيث يجعلونها في ذيل قائمة التفاوض، ويصادرون الأراضي العربية، ويتوسعون في القدس الجديدة، حتى تبتلع القدس القديمة، ويصبح اليهود فيها أغلبية مما يضعف موقف المفاوض الفلسطيني، حيث لا توجد الأرض التي يتفاوض عليها الطرفان.
ويرى ياسين سراج الدين - عضو الهيئة العليا للوفد - أن الواجب على رؤساء الدول العربية أن يجتمعوا في قمة مشتركة يؤخذ فيها قرار موحد ضد هذه الإجراءات التعسفية القذرة من جانب إسرائيل، والتي لم تتحد فيها العرب فقط بل تحدث الأمم المتحدة
- القس أنسطاسي شفيق : من فوق أشرف مكان أعلن أن فلسطين إسلامية وعربية
ومجلس الأمن، وفي رأيي أن مصر لها دور رئيسي في هذا الموضوع، لأنها كانت أولى الدول التي تحمل راية التطبيع، فعليها أن توقف هذه المسيرة وأن تتناسى فكرة البنك أو السوق الشرق أوسطية، حتى تكون ورقة ضغط ضد «إسرائيل».
ويقول الدكتور عاطف البنا - أستاذ القانون الدستوري بجامعة القاهرة - لم يعد الكلام مجديًا، ولابد أن نكون على مستوى الأحداث أي لابد من الجهاد في جميع ميادينه وألا نصمت صمت القبور؛ لأنه من العبث أن يتم الاعتداء على المقدسات، ويكون رد فعلنا هو الشجب والاستنكار، أو حتى تلجأ إلى هيئات دولية هي في الأصل أمريكية - إسرائيلية متواطئة، إذا خرج منها حتى قرار فلن يساوي قصاصة الورق التي كتب عليها، فكم من قرار ضربت به إسرائيل، عرض الحائط، إننا إن لم نكن على مستوى الأحداث والجهاد فلتذهب كل المحاولات والقرارات إلى الجحيم، لابد من سحب أموالنا التي تغذي بها بنوك أمريكا الترسانة الإسرائيلية، لدينا وسائل كثيرة والموقف هو أن نكون أو لا نكون.
ویرى الدكتور طه ريان - الأستاذ بالأزهر وعضو جبهة علماء الأزهر - أنه يتعين على الأنظمة العربية والإسلامية أن تعتمد على شعوبها في تهديد مصالح الدول الغربية، وكذلك المصالح الأمريكية تهديدًا حقيقيًا لإجبار هذه الدول على احترام مشاعر العرب والمسلمين واتخاذ مواقف عادلة تجاه قضاياهم، ويصف الدكتور ريان ما يحدث على أرض القدس الشريف بأنه إذلال وامتهان لكرامة العرب أجمعين أمام أعينهم ولابد من تنظيم الصفوف للتخلص من هذا العار الذي يلطخ جبين الأمة.
وقد أصدر الإخوان المسلمون بيانًا طالبوا فيه الحكومات العربية بقطع كافة أشكال التعاون مع العدو الصهيوني، والتوجه بالشعوب عن طريق الجهاد من خلال حشد كافة الإمكانات والطاقات وتوحيد الكلمة والصف لرد العدوان عن القدس الشريف والمسجد الأقصى، وطالب الإخوان في بيانهم بـ «قمة عربية شاملة، وقمة إسلامية جامعة، لتصحيح المسار والسياسات من أجل المواجهة الصحيحة والتي صار يحتمها الواقع والواجب»، كما أهاب الإخوان بكافة القوى والمنظمات والجماعات على الساحة العربية والإسلامية والدولية ممارسة دورها وواجبها في دعم القضية الفلسطينية والتأكيد على سياسة العمل والجهاد بالمال والأرواح على المستوى الرسمي والشعبي، مع مواصلة الضغوط على المنظمات والقوى الدولية من أجل الوقوف إلى جوار الحق والانتصار للعدل والإنصاف.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل