; معالم على الطريق.. رجال بأمم وأقزام تركلهم الأمم | مجلة المجتمع

العنوان معالم على الطريق.. رجال بأمم وأقزام تركلهم الأمم

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 01-يناير-2005

مشاهدات 67

نشر في العدد 1633

نشر في الصفحة 45

السبت 01-يناير-2005

هناك رجل بأمة لأنه نسمة طيبة وقلب كبير، وعزم حديد، وبصر مجيد وساعد قوي وهمة عالية ونفس مشرقة وهداية غامرة، وقدوة آسرة، وهناك رجل لا يساوي شرو نقير، أو قيد بعير، لأنه نبتة خبيثة، وقلب أسود، وبصر كليل، وعزم عليل ونفس مظلمة، وقدوة إلى الجحيم.

والرجال العظام لهم فتوة قاهرة وشجاعة نادرة، وإقدام بغير تهور، وإحجام بغير تقهقر لهم إصباح يضيء الأمم، وهداية ترشدهم، وهمة تدفعهم وحجة تقنعهم، وبيان يحفزهم، وسيرة تأسرهم، وصفات تجمعهم، وأعمال تنفعهم ينيرون الطريق بالحق، ويرشدون الأمم بالعدل ويسوسونهم بالهداية، يعطون ولا يأخذون ويرحمون ولا يتجبرون، أحاسن الناس أخلاقاً، وأشدهم حياء، وأفضلهم طوية، وأصدقهم لهجة وأسخاهم يداً.

هؤلاء لهم نور كنور الشمس ولهم عند الجهالة حلم، مثلهم في الناس كمثل الفردوس في الجنة هم الظلال في الهجير والماء البارد على الظمأ تنجلي بهم كل فتنة عمياء، وكل مدلهمة ظلماء، وصدق شوقي حين قال في رسول الله صلى الله عليه وسلم:

وإذا رحمت فأنت أم أو أب     هذان في الدنيا هما الرحماء

وإذا أخذت العهد أو أعطيته   فجميع عهدك ذمة ووفاء

وصدق الله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: 120، 121]، فكان إبراهيم عليه السلام أمة كاملة بما فيها من خير وطاعة وبركة ومقارعة للظلم والبغي، حيث كان نموذجاً للهداية والطاعة والشكر والإمامة، يقتدى به في الخير والمعروف باعثاً للفضائل في وسط الظلام ومظهراً للإيمان في وسط الأصنام، ومبطلاً للاستعباد في وسط الآلهة الكذبة.

وكذلك الأنبياء كانوا أمماً ورواد شعوب وحضارات وأوتاد تثبيت ومنارات إشعاع وكذلك أتباعهم، والهداة في الأمم والشعوب الذين يصلحون ما أفسد الأبالسة والشياطين من الإنس والجن.

 على هؤلاء الأمجاد تقوم الأمم وتحيا الشعوب، وتنمو الحضارات، وبمواهبهم وصفاتهم العظيمة تتربى الأجيال وتنهض، وما كان الصحب المؤمن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من هؤلاء الطراز السامي، وهذا الصنف الفريد، ما كان أبوبكر الصديق إلا أمة في الإيمان، وأمة في الثبات، وهو القائل في حرب الردة والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه رسول الله صلى الله عليه وسلم حاربتهم عليه وهو تلميذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي روى عنه قوله في الأثر: «والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه».

وما كان عمر بن الخطاب إلا منهم وزعيماً من زعمائهم، ومن يفري فريه، أو يمشي خطوه، ومن مثل الصحابة الكرام أو التابعين العظام، أو رواة الحديث أصحاب الهمم والحفاظ، وغيرهم وغيرهم؟

وأجدني محتاجاً إلى ضرب المثل برجل أجمع الباحثون في الشرق هذه الأيام على أنه كان مصلح العصر، وباعث النهضة في هذا الزمان ألا وهو الإمام حسن البنا- رضوان الله عليه- ذلك الرجل الذي استيقظت الأمة على يديه، ونهضت على صيحته وطلاوة حديثه، صاحب الصفات التي أشاد بها أهل جيله ومخالطوه.

يقول الأستاذ أحمد حسن الزيات صاحب مجلة "الرسالة" العظيمة:

"وجدت فيه ما لم أجد في قبيله أو أهل جيله من إيمان بالله راسخ رسوخ الحق، لا يزعزعه غرور العلم، ولا شرود الفكر، وفقه في الدين صاف صفاء المزن لا يكدره ضلال العقل، ولا فساد النقل، وقوة في البيان مشرقة إشراق الوحي لا تحبسها عقدة اللسان ولا ظلمة الحس.. إلى حديث يتصل بالقلوب، ومحاضرة تمتزج بالأرواح وجاذبية تدعوك إلى أن تحب، وشخصية تحملك على أن تذعن".

فقلت في نفسي بعد أن ودعني ومضى عجيب هذا الشاب نشأ كما ينشأ كل طفل في ريف مصر وتعلم كما تعلم كل طالب في دار العلوم، وعمل كما يعمل كل مدرس في وزارة المعارف، فعمن ورث هذا الإيمان، وممن اقتبس هذا البيان، ومن أين اكتسب هذا الخلق؟

إن الشذوذ عن قواعد البيئة الجاهلية والنشوز على أنظمة المجتمع الفاسد، والسمو على أخلاق العصر الوضيع من خصائص الرسول أو المصلح، فإن الله الذي يعلم حيث يجعل رسالته يريد أن يصنع النبي أو المصلح على عينه ليظهره في وقته المعلوم فيجدد ما رث من حبله، ويوضح ما أشبه من سبيله، والفطرة التي فطر عليها حسن البنا والحقبة التي ظهر فيها تشهدان بأنه المصلح الذي اصطنعه الله لهذا الفساد الذي صنعه الناس.

ولم يكن إصلاحه-رضوان الله عليه- من نوع ما جاء به ابن تيمية وابن عبد الوهاب ومحمد عبده، فإن هؤلاء قصروا إصلاحهم على ما أفسدته البدع والأباطيل من جوهر العقيدة، أما هو فقد نهج في إصلاحه منهج الرسول نفسه: دعا إلى إصلاح الدين والدنيا وتهذيب الفرد والمجتمع، وتنظيم السياسة والحكم. فكان أول مصلح ديني فهم الإسلام على حقيقته وأمضى الإصلاح على وجهه. لم يفهم الإسلام الذي طهر الأرض وحرر الخلق وقرر الحق على أنه عبادات تؤدى وأذكار تقام وأوراد تتلى، وإنما فهمه كما فهمه محمد صلى الله عليه وسلم وعمر، وخالد نوراً للبصر والبصيرة، ودستوراً للقضاء والإدارة، وجهاداً للنفس والعدو.

ولقد كان النهج الذي قبسه "البنا" من القرآن وعززه بالعلم، ونشره بالبيان، وأيده بالمعاملة، كان من الجد والصدق والعزيمة بحيث زلزل أقدام المستعمر، وأقض مضاجع الطاغية، وخيب آمال المستغل، فتناصرت قوى الشر على الدعوة العظمى، وهي تتجدد في مصر، كما تناصرت قوى الشرك عليها وهي تولد في الحجاز، ولما كان حسن البنا فكرة لا صورة، ومبدأ لا شخصاً، فإن الفكرة الصالحة تنمو نماء النبت، والمبدأ الحق ويبقى بقاء الحق.

هؤلاء هم الرجال المصلحون في الأمم بناة الأمجاد والصروح وباعثو النهضات، فأين هم الآن، وما كان نصيبهم من أمتهم؟ ماتوا في سبيل مبادئهم واستشهدوا دفاعاً عن الحق الذي رفعوا لواءه، وأين هم المهازيل والأقزام الذين أضاعوا أممهم وسرقوها وشتتوا شملها، وقد كانوا هم أصحاب السلطات وأصحاب الأمر والنهي؟ وأظن أن الحقيقة ظاهرة للعيان الآن، فهل نسير على نهج الرجال ودرب الأبطال؟ وهل يتوارى أهل الضياع وأتباعهم، وكفى هذا التيه؟ وأظن أن ذلك لن يستمر طويلا ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾، [الشعراء: 227]

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل