العنوان الدرس التاريخي .. من ثورة البراق إلى انتفاضة الأقصى
الكاتب إبراهيم أبو الهيجا
تاريخ النشر السبت 21-أبريل-2001
مشاهدات 87
نشر في العدد 1447
نشر في الصفحة 27
السبت 21-أبريل-2001
خلاصة تاريخ الشعب الفلسطيني المسلم أن دمه يتحدث عنه، وهل هناك ما هو أرقى أو أزكى من قطرات الدم، التي تسطر حكاية الشعب المنتفض لكرامته وارضه وحبه للأقصى، وتشكل التاريخ الفلسطيني وترسم صورة حية ناطقة بالألم والثورة والأمل ويمتد نهر الدماء من ثورة البراق إلى انتفاضة الأقصى، مع ما في هذين الحدثين من تشابه في الزمان والمكان، وحتى التراكمات والأسباب، ولنقف قليلًا لنصل إلى الدروس والعبر الواجب أخذها، ومن ثم فهم الأبعاد المتشكلة لانتفاضة الأقصى الحالية.
الزمان والمكان والحدث
في الرابع والعشرين من شهر سبتمبر سنة ۱۹۲۸م، وقع الصدام الأول بين المسلمين والصهاينة عندما حاول الصهاينة الاستيلاء على حائط البراق تحت دعاوى أنه جزء من الهيكل وجاء هذا التحرك متزامنًا مع تاريخ عبري يتحدث عن ذكرى خراب الهيكل الثاني هذا التحرك الصهيوني تصدى له مسلمو القدس بكل عنفوان لكن الأمور لم تتوقف، ففي السنة التالية وفي التاريخ العبري ذاته، قام اليهود بالاستيلاء على حائط البراق، فتصدى لهم المسلمون بشكل محدود وكانت آثار محاولة اليهود للاستيلاء على البراق قوية في نفوس المسلمين، مما جعل المظاهرات تمتد في كل بقاع فلسطين، واستمرت الأحداث أكثر من أسبوعين وقافلة الشهداء تترى. تنافح وتدافع وتؤكد عمق صلة الشعب مع القدس والأقصى... اليوم تتجدد الأحداث للسبب ذاته والزمان يكاد يكون متشابهًا مع فروق أيام، فزيارة شارون حدثت في الثامن والعشرين من سبتمبر، وفي يوم الجمعة التالي حدثت مجزرة الأقصى، والأيام التالية شهدت انتشارًا مكانيًا امتد في كل الأرض الفلسطينية، وحتى الاستفزاز اشخاصه مميزون بالإرهاب، هنا الإرهابي شارون، وهناك في البراق بدأه الإرهابي جابوتنسكي، وفي الحالتين كانت حالتا الاستفزاز مدعومتين من كامل المؤسسة الصهيونية.
تراكمات...
نستطيع رصد ثلاثة أحداث شكلت تراكمًا محركًا وحافزًا دافعًا نحو الثورة:
1- ضعف الموقف الرسمي الفلسطيني إلى حد وصوله درجة الانهيار السياسي، وقد شكل انعقاد المؤتمر الفلسطيني السابع عام ۱۹۲۸م، محطة الانكشاف لذلك، فقد كان الرد الفلسطيني الرسمي هزيلًا وضعيفًا على التحدي البريطاني والصهيوني المشترك في تهديد الوجود والموارد والأرض الفلسطينية، بل إن الصدمة الشعبية كانت في حالة التهدئة التي اتخذتها مواقف القيادة الرسمية في حينه، بل إن تلك القيادة سعت إلى علاقة إيجابية مع المستعمر البريطاني.
2- هذه المواقف المتردية أدت إلى صدمة شعبية يمارس عليها ظلم يومي بريطاني متحد مع استفزاز صهيوني، مترافق مع نشاط استيطاني محموم مع هجرة يهودية متزايدة، وساعد في صلافة الموقف الصهيوني - وبالتالي زيادة الاحتقان الفلسطيني - الدعم البريطاني المتواطئ مع متطلبات المشروع الصهيوني القائم على حساب الأرض والإنسان الفلسطيني المقهور اقتصاديًا.
3- سقطت رهانات الزعامة الرسمية العربية والفلسطينية، على تغيير السياسة البريطانية بعد فوز حزب العمل البريطاني الذي سارع فور توليه السلطة إلى تأكيد التزامه بوعد بلفور ودعمه للمشروع الصهيوني. إذن الصورة المتراكمة نستطيع اختزالها كالتالي:
مهادنة للمشروع الصهيوني والمستعمر البريطاني، إحباط شعبي أوضاع اقتصادية متردية استفزاز واعتداء صهيوني مستمر، تشجيع بريطاني سافر لذلك كله.
ثمار الثورة
استطاعت ثورة البراق، أن تحرك سكون المياه الراكدة في فلسطين، وتنقل المواقف الفلسطينية إلى جهة متناقضة مع المشروع الصهيوني والمصالح البريطانية، ونستطيع أن نستدل على ذلك بخمسة أبعاد حدثت بعد الثورة:
1 - امتداد ثورة البراق في كل ربوع فلسطين خلق حالة من الوعي والصدمة التي كانت مهمة في وجه الخطر الصهيوني ومشاريعه السائرة بصمت وتواطق.
2 - بعد الثورة سقطت القيادة القديمة المهادنة وصعدت قيادة بديلة معروفة بصدق مواقفها وابتعادها عن مصالحها الذاتية، وأطماعها الشخصية، والأهم صلابتها وصدامها مع المشروع الصهيوني، والمستعمر البريطاني.
3 - سقوط رهانات القيادة القديمة على المستعمر البريطاني الذي كشف ظهرها، وأظهر زيف ادعاءاتها، سواء في الحرص على الوطن، أو الترجي من مستعمر غاشم. دعم وأقام المشروع الصهيوني بأمواله وسلاحه.
4 - ضغط المقاومة واستمرارها أدى إلى تعديل نسبي على المستعمر البريطاني ولو كان مؤقتًا) فقد تشكلت لجنة تحقيق خاصة بأحداث البراق أقرت بوقفية حائط البراق للمسلمين، وأقرت ببقاء الوضع في بيت المقدس كما كان.
5 - جملة هذه التداعيات لم تتوقف عند ثورة محدودة، بل كانت بمثابة قاعدة مؤسسة للثورة الكبرى، وانطلاق العمل المسلح، ثورة القسام، ومن ثم الإضراب العام كلها تحولات حقيقية في التاريخ الفلسطيني، زاد في وتيرتها محاولة لجنة «بيل» فرض تقسيم الأرض على الفلسطينيين، مما أدى إلى استئناف الثورة. إذن فقد جرت ثورة البراق سلسلة من الثورات والمحطات النوعية التي غدتتمثل شكل الصراع مع الصهاينة.
العبرة والعظة
استعارة تراكمات ونتائج ثورة البراق كانت مهمة، لكي يقف القارئ موقف المستفيد من التاريخ والموظف له، ولعل المقارنة ما بين ثورة البراق وانتفاضة الأقصى، تظهر لنا الميزات المشتركة، ومن ثم النتائج الممكنة، ولكن هذا مشروط لا باستعارة الزمان وتتبعه، بل الأجدى بتوظيف أدوات اليوم لصالحه، ونستطيع أن نتوقف هنا عند الخلاصات التالية:
1 - تطوير الصراع في بعده الديني عامل دفع قوي لاسترداد الحق وكسب المعركة، فالقدس بمكانتها الدينية يتوحد عليها مسلمو الأرض في مشارق الأرض ومغاربها.
٢- علينا ألا ننخدع في سكون الشعب الفلسطيني، فإن بدا صابرًا، فإنه يختزن في داخله حالة سياسية عالية تنفجر في وقت غير متوقع وأحيانًا من الصعب السيطرة عليها، وعمليًا ما يجري هو جواب شعبي على محاولات فرض تسوية مذلة عليه.
3 - انكشاف الدور الأمريكي، ووصول الموقف الصهيوني إلى لحظة الاستحقاق الأهم، كشف خطورة الطرح والدور، ومن ثم ساهم في قوة الرد الشعبي، وسقوط الرهانات على التسوية.
4 - من المهم أن تبقى انتفاضة الأقصى حالة مستمرة، وبأشكال متطورة أكثر، ولكن حتى إن هدأت فهي دون شك ستكون مؤقتة، وبانتظار المواجهة الأشمل والموقف الأكثر طلاقًا وحسمًا مع اتفاقات أوسلو.