العنوان ماذا قال مصطفى السباعي عن التقارب الإسلامي المسيحي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 02-مارس-1976
مشاهدات 125
نشر في العدد 289
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 02-مارس-1976
في العالم الإسلامي اليوم دعوات إلى التقارب الإسلامي المسيحي، ولهذه الدعوات أصول قديمة، وننقل رأيين لقائدين من قادة الحركة الإسلامية، الرأي الأول للأستاذ الدكتور مصطفى السباعي- رحمه الله رحمة واسعة-، والثاني للأستاذ أبي الأعلى المودودي في جوابه على رسالة البابا.
ونقدم في هذا العدد رأي الأستاذ السباعي في مؤتمر بحمدون حيث أرادت جمعية أصدقاء الشرق الأوسط الأمريكية أن تستغل المسلمين لحرب الشيوعية، فكانت كلمة الأستاذ المجاهد السباعي قنبلة فكرية فجرت المؤتمر على رؤوس المستغلين الغربيين، والحقيقة أن الكلمة وثيقة تاريخية تبين بعد نظر الحركة الإسلامية.
1- جواب الإسلام على الشيوعية
«لهذا الخطاب قصة…
فقد انعقد المؤتمر الإسلامي المسيحي العالمي في بحمدون بين ٢٢- ۲۷- نیسان «أبريل» ١٩٥٤ بتنظيم جمعية أصدقاء الشرق الأوسط الأمريكية، ودعيت إليه وفود من جميع أنحاء البلاد العربية وباكستان وإيران وتركيا وغيرها من بلاد العالم الإسلامي، وتردد الوفد السوري أول الأمر في قبول الدعوة ولكنا رأينا أخيرًا أن نقبلها لنحبط ما قد يكون وراء المؤتمر من مناورات سياسية.
وهذا هو الذي وقع... فقد كان جو المؤتمر وانتقاء كثير من أعضاء الوفود دليلًا على أن القصد من الدعوة إليه إنشاء كتلة عالمية باسم الإسلام والمسيحية ضد الاتحاد السوفييتي، وقد كان يومئذ ينتصر لقضايانا في المحافل الدولية، ولم يكن من مصلحة العرب الانقياد وراء المناورات الغربية لإنشاء هذه الكتلة السياسية.
وكان من أبحاث المؤتمر المقررة مقدمًا «جواب الإسلام على الشيوعية» و«جواب المسيحية على الشيوعية» أما جواب المسيحية فقد أعطي لأستاذ من أساتذة الجامعات الأمريكية، أما جواب الإسلام فقد أعطي لمن لم يحسن مناقشة الموضوع إلا بالسباب والشتائم.
واستاءت الوفود العربية من هذا التصرف، فالموضوع جدير بالمناقشة العلمية من جهة، وبالحذر الشديد من أن تستغله الدعاية الغربية لمصلحتها السياسية من جهة أخرى، وقد أجمع رأى الوفود على أن تلزم القائمين على المؤتمر بفسح المجال لإلقاء كلمة عن الشيوعية في نظر الإسلام غير الكلمة التي ألقيت، وشرفتني الوفود بكتابة هذه الكلمة وإلقائها، فكتبت وترجمت إلى الإنجليزية في بضع ساعات، ثم ألقيت وكان لها وقع القنبلة، واستطعنا أن نحول المؤتمر إلى مظاهرة للانتصار لفلسطين واللاجئين والقضايا العربية والإسلامية.
وقد نشر هذا الخطاب في الصحف والمجلات السورية يومئذ كما نشر كاملًا في نشرة المؤتمر ضمن الأبحاث والكلمات التي ألقيت فيه».
من الواجب أن نبحث هذا الموضوع بكثير من الصراحة والحكمة والصدق فنحن هنا رواد حق في مؤتمر علمي محصور بين لفيف من أقطاب الفكر في العالمين الإسلامي والمسيحي، لا في اجتماع عام يقصد به الاستيلاء على عاطفة الجماهير بالخطابة المؤثرة والبيان البليغ.
إننا نحن المسلمين ننظر إلى الشيوعية من جهات ثلاث:
1- ننظر إليها كعقيدة ذات فلسفة مادية تنكر الروح وما وراء المادة، وهي في ذلك تختلف عن الإسلام في أسسها وجوهرها. ولا يمكن أن تلتقي معه في عقيدته وفلسفته وجواب الإسلام على الشيوعية في هذه الناحية، هو جوابه على كل فكرة خاطئة. أن يفندها بالحجة والمنطق وأن يبين ما فيها من انحراف عن الحق وخطأ في الواقع.
2- وننظر إلى الشيوعية كنظام اقتصادي اشتراكي، يسعى إلى تحقيق العدالة بين طبقات الشعب. ويمنع تحكم المال ووسائل الإنتاج في العمل والعمال على أسلوب خاص وجواب الإسلام على الشيوعية من هذه الناحية: أنه وضع نظامًا اقتصاديًا واضح المعالم مستقلًا عن الشيوعية وعن الاشتراكية وعن الرأسمالية، وهو في ذلك لا يحارب الشيوعية في كل اتجاهاتها الاشتراكية ولا يقرها في كل اتجاهاتها أيضًا كما أنه لا يحارب النظم الاقتصادية الأخرى ولا يقرها في كل تفاصيلها واتجاهاتها.
وأعتقد أن الأديان كلها سبقت الشيوعية إلى الرحمة بالبائسين، والإنصاف للناس، والرغبة في تحقيق العدالة بين الجماهير ولكل ديانة وسائلها الخاصة بها في تحقيق هذه الأهداف، فلا ضير على كل من الإسلام والمسيحية أن تتفق معه الشيوعية في أهدافه الإنسانية النبيلة وإن كانت تسلك لذلك طرقًا لا تقرها المسيحية، أو لا يقرها نظام الإسلام.
3- وإذا كان جواب الإسلام على الشيوعية المعتدية هو الحرب، كان ذلك جوابه أيضًا على الديمقراطية المعتدية وعلى الصهيونية المعتدية، وعلى كل قوة تعتدي على أرضه وحقه. بل تعتدي على الأمن والنظام العام ولو كانت من أبنائه: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّه﴾ (الحجرات:9) (3)
وقد يقال: إن الشيوعية تتبنى الثورة والحرب كوسيلة من وسائل انتشارها. وقد يكون هذا صحيحًا وواقعًا، ولكني أتساءل: أليس هنالك بجانب الشيوعية أنظمة ودول تعتمد على القوة وتثير الحروب؟ ألم تعتمد الديمقراطية في بلاد الشرق العربي والإسلامي على القوة والبطش حكمها وسيطرتها؟ ألم تسلك الصهيونية كل وسائل الحرب والتدمير والتقتيل للوصول إلى أهدافها؟ وإذا كان من حق الديمقراطي الغربي أن يزعم بأنه يسعى للسلم، وأن ينكر على الشيوعي إعداده للحرب، فإن من حق رجال الدين وقادة الفكر أمثالكم في هذا المؤتمر أن ينكروا كل وسائل البغي والعدوان، وأن لا يخصوا بنقمتهم فريقًا دون فريق، فذلك شأن السياسيين الذين لا يرون أنفسهم ملزمين بالتقيد بمبادئ العدالة والحق والأخلاق دائمًا أبدًا.
وقد يقال: إن الشيوعية بفلسفتها المادية تحمل مبادئ التدمير لكل القوى الأخلاقية والروحية في العالم، وقد يكون هذا صحيحًا أيضًا وواقعًا ولكن من حقنا أن نتساءل هنا: ألم تنحرف الديمقراطية في عصرنا الحاضر عن القيم الروحية والأخلاقية للشرائع والديانات؟ ألم تشبع الديمقراطية السياسية لتحقيق مطامعها وأهدافها بشره مادي بجانب روح الأنبياء ومبادئ الكتب المقدسة وشرائع الله أليست الصهيونية في مطامعها السياسية حركة مادية تجانب كل القيم الروحية والأخلاقية حتى في الشريعة اليهودية ذاتها؟ فلماذا يقتصر مؤتمركم على بحث الشيوعية المادية ولا يتناول الديمقراطية المادية والصهيونية المادية؟. ولماذا يطلب منا نحن سكان هذا الشرق من عرب ومسلمين وشرقيين أن نحارب الشيوعية وحدها، بحجة أنها مادية تحارب القيم الدينية والأخلاقية بينما نجد العالم الغربي المسيحي تسيطر على سياسته روح مادية لا تأبه إلا بمصالحها وسيادتها، حتى إنها تبنت الصهيونية المادية وخلقتها وزرعتها في بلادنا زرعًا بقوة الحديد والنار، وبإغراء الذهب والدولار؟
أمن الممكن أن نطلب من جماهيرنا التي تكتوي بنار الصهيونية، وتعاني فظائع الظلم والإرهاب الاستعماري في بلادها، أن تصدق بأن الغرب المسيحي مخلص في محاربته الشيوعية لماديتها وخطرها على الأديان والأخلاق، بينما هي تشاهد كيف تزدري الدولة الغربية كل مبادئ الحق والعدالة في علاقاتها معها، وتحتضن الحركة الصهيونية الباغية المادية كولد مدلل ينزل أبواه عند كل رغباته ومطالبه؟
أيها السادة.
لست أبعد عن الحديث حين أنتقل من الكلام عن الشيوعية إلى الصهيونية، ذلك لأن الصهيونية تعتمد على الشيوعية وتنشرها كما تعتمد على الديمقراطية وتدافع عنها لأن الصهيونية لا دين لها إلا تحقيق مطامعها، وإنكم لتعلمون أن الصهيونية كانت دعامة الحركات الشيوعية في أوروبا وأمريكا. وإن الجاسوسية التي أقضت مضاجع أمريكا وإنكلترا وغيرهما من دول الغرب، إنما يديرها وسهر عليها صهيونيون كبار، استطاع التحقيق أن يكشف القناع عن وجوه كثير منهم فأسلمهم إلى يد العدالة. ولا يزال القناع قائمًا على وجوه كثيرين من كبار الصهيونيين المواطنين في أمريكا وأوربا. وسيعلم الشعب الأمريكي والشعوب الأوروبية ولو بعد حين، أن هؤلاء الصهيونيين الكبار لم يكونوا إلا خونة ومجرمين كبارًا في حق أمريكا وأوربا على السواء، وهذه العناصر الصهيونية القوية هي التي توجه سياسة الدول الغربية وتبسط سلطانها ونفوذها على كثير من الرؤساء والزعماء والنواب ودور الصحافة وبيوت التجارة في بلاد أوربا وأمريكا. وهي التي تتصل بأمثالها في الشرق العربي والإسلامي عندنا وتتبنى الشيوعية لا إيمانًا منها بالشيوعية، ولكن استدرارًا لعطف الشيوعية الدولية وتأييدها كما فعلت في إقامة دولة إسرائيل.
من أجل ذلك كان الحديث عندنا في الشرق العربي والإسلامي عن الخطر الشيوعي مقترنًا بالحديث عن الخطر الصهيوني.
إنكم أيها الأمريكيون والإنجليز والفرنسيون والكنديون والإيطاليون وغيرهم من زملائنا أعضاء هذا المؤتمر، قد لا تشعرون بخطر الصهيونية ومحاربتها للأديان والشرائع، وخاصة رجال الدين وأساتذة الجامعات منكم، ممن لا يمارس السياسة ولا يعاني مشاكلها، فاسمحوا لنا إذن نحن أبناء هذه البلاد، أن نكاشفكم بحقيقة هذا الخطر، وعليكم أنتم يا رجال الدين وأساتذة الجامعات وأصدقاء الشرق الأوسط أن تفسحوا صدوركم لآلامنا ما دمتم تريدون منا أن نتعاون معًا على الخير، وأن نسير في طريق واحد تؤدي بالإنسانية إلى السعادة والسلام:
إن الصهيونية حركة مادية لا تؤمن بالله ولا باليوم الآخر ولا بالقيم الروحية والأخلاقية، وهي حركة سياسية تستغل كل الشرائع والقوانين والمثل العليا لتحقيق مطامعها في السيادة والملك.
وهي سياسة- ميكافيلية- تستبيح كل الجرائم الخلقية والاجتماعية من قتل وتخريب وتشريد للوصول إلى غايتها.
وهي حركة عدوان تدبر الحروب، وتثير العداوة والبغضاء بين الشعوب هذه هي الصهيونية في فكرتها وفي واقعها، فإذا شككتم في ذلك فتعالوا لتروا الصهيونية بأعينكم خرابًا ويتمًا وتشريدًا وإجلاء وإفناء، تعالوا بنا نزر معكم أماكن اللاجئين لتروا آثار الصهيونية في جولتها الأولى، وهي الآن تستعد للجولة الثانية والثالثة وغيرها حتى تصل إلى ما تريد من إفنائنا كشعب، والقضاء علينا كأمة ذات دين وحضارة روحية ومثل عليا.
ومن أجل ذلك نعتبر الصهيونية خطرًا قائمًا في قلب وطننا العربي الإسلامي، ونعتبر كل من يساندها عدوًا للحق والأخلاق والأديان ونحن حين نخوض ضدها معركة الدفاع، إنما نخوضها لا من أجل أنفسنا وتراثنا وقيمنا الأخلاقية فحسب، بل نخوضها من أجل الإنسانية كلها.
من أجل القيم الروحية والخلقية التي جاءت لها شرائع الله، ولئن كان الغرب المسيحي وقف حتى الآن موقف المؤيد الممد للحركة بكل ما يستطيع من نفوذ ومال، فإن العالم الإسلامي ليطلب منكم يا قادة الروح في الغرب أن تحيوا شعور أممكم وشعوبكم وتوقظوا الضمير العالمي لإيقاف هذه الكارثة التي نشأت عن أكبر غزو إفنائي في تاريخنا القديم والحديث.
أيها السادة:
لقد كان من الحق حين وضع في برنامج أبحاث المؤتمر موقف الإسلام والمسيحية من الشيوعية أن توضع في البرنامج أيضًا أبحاث حول أسباب انتشارها ووسائل مكافحتها، وهو أمر لا بد منه ليكون لبحث هذا الموضوع نتائج عملية مثمرة، إن المريض لا يكتفي من طبيبه أن يقول له بعد معاينته:- إنك مريض- ولكنه يطلب منه أن يكشف له عن أسباب مرضه وأن يصف له علاجه الناجح وإذا كانت فلسفة الإسلام والمسيحية تجانبان الفلسفة الشيوعية المادية كان لا بد لانتشار الشيوعية في بلاد المسيحية من أسباب أدت إلى هذه النتائج.
1- وأول هذه الأسباب في رأينا فساد الأنظمة الاجتماعية وخاصة في الشرق الإسلامي، فإن انحطاط مستوى المعيشة والعلم والصحة والتفاوت الفاحش بين الطبقات وفساد أنظمة الحكم وانحراف الحكام عن سنن العدالة، ذلك كله من أكبر أسباب التذمر الذي يؤدي بالجماهير إلى اعتناق أية فكرة تظن فيها الخلاص من حالتها السيئة إن الجماهير إنما تعني بمصالحها المادية قبل كل شيء، وهي تفتش عن تحقيق تلك المصالح في دائرة أديانها فإذا رأت فيها العجز والإعراض عن تحقيق ذلك تولت عنها وهي تفتش عن مذهب يعدها بالإنقاذ، وستتبعه حتمًا ولو كان آتيًا من الشيطان.
2- وثاني هذه الأسباب محاربة الديمقراطية الغربية لشعوب الشرق في أمانيها التحريرية والاستقلالية، ومحاولة إيقافها تحت نير الجهل والظلام والعبودية، وإشاعة حكم الإرهاب والبطش في كثير من الأقطار المتحفزة للتحرر كل ذلك كان له أثره في اتجاه الجماهير إلى نظام يعدها بالتحرر من سلطان الديمقراطيات وبطشها وإرهابها.
3- وثالث هذه الأسباب- وهو سبب خاص ببلادنا- ذلك التأييد الذي لقيته الصهيونية من الديمقراطية الغربية. حتى أصبح لها كيان مفروض في قلب الوطن العربي رغم إرادة سكانه وشعوبه مما شرد مليونًا من سكان فلسطين، وأشاع المرارة والخيبة في نفوس العرب والمسلمين وجعل أوساط اللاجئين أمكنة صالحة للشيوعية تزداد يومًا بعد يوم، واعذروا هؤلاء اللاجئين أيها السادة اعذروهم إذا تلفت أحدهم إلى زوجته فرآها أسيرة أو مفقودة وتلفت إلى أولاده فرأى البرد والمرض والسل يفترس واحدًا بعد آخر.
وتلفت إلى نفسه فرأى خیمته تقتلعها الرياح وتغطيها الثلوج. ورأى جسمه تهزه الأمراض ورأى نفسه عاجزًا عن توفير الكرامة لنفسه وأطفاله إنه ليعاني هذا كله وهو يرى بعينه أرضه تزرع. وداره تسكن. وأثاثه ينهب. ويرى أن ذلك كله نتيجة سياسة الديمقراطيات الغربية وحكمها وتأييدها للصهيونية المحتلة أرضه وداره. فكيف تستطيعون أن تقنعوه مع ذلك بأن يؤمن بأن هذه الديمقراطيات تحمل لواء الحق وتمثل المعسكر الذي يعتقد بالروح والقيم الأخلاقية والدينية؟
إن اضطراب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في أوروبا جعل نصفها يميل إلى الشيوعية أو يقع تحت قبضتها. فكيف لا تؤدي سوء أوضاع اللاجئين وهي أسوأ بآلاف المرات من تلك إلى اعتناق الشيوعية أو غيرها وهم في تلك الحالة من البؤس والشقاء؟ هذه هي الأسباب الرئيسية لانتشار الشيوعية وبذلك يعرف الطريق الواضح لمكافحتها.
إنه لا سبيل لكم- لتكونوا عمليين مخلصين في نصرة القيم الروحية والأخلاقية- من أن تعلنوا إنكاركم لاستمرار الأوضاع الاجتماعية الاقتصادية السيئة في أوساط الشعوب والجماهير. ومن أن تعلنوا إنكاركم لسياسة الديمقراطيات. الغربية في موقفها من أماني الشعوب العربية والإسلامية، ومن أن تعلنوا استنكاركم للصهيونية كحركة مادية فيها كل الخطر على السلم وعلى الأمن وعلى الأخلاق والدين في هذه المنطقة الحساسة من الشرق الأوسط كونوا جريئين مخلصين حين نعلن لكم أنه من العبث أن تفكروا في حمل شعوبنا على محاربة الشيوعية وحدها. وهي ترى الدول الديمقراطية الغربية تخذل قضايانا في المحافل الدولية وتساند الدول الاستعمارية منها بكل قوة.
لقد قال المستر تشرشل كلمة ذهبت مثلًا في التاريخ يوم اعترض عليه بعض الناس حين مد يده إلى روسيا في الحرب ليتعاون معها على حرب ألمانيا. قال:- إنني مستعد لأن أتحالف مع الشيطان في سبيل الوصول إلى النصر- وتعاون الحلفاء يومئذ مع الشيوعية خلال مدة الحرب العالمية الثانية. وما كان تحالفهم مع الشيوعية الفكرية ولا مع الشيوعية الاقتصادية. وإنما كان مع الشيوعية القوية المسلحة لأن مصلحتهم التقت مع مصلحتها في هذا التعاون. ونحن اليوم لا نريد أن نفرض سيطرتنا ولا انتصاراتنا على الشعوب. وإنما نريد أن نصل إلى حقنا.. نريد أن نطمئن على حرياتنا وكرامتنا.. إن من حقنا أن نعيش أحرارًا في فلسطين وسوريا ولبنان والأردن وفي العراق وفي مصر وفي مراكش وتونس والجزائر وفي كشمير وفي إندونيسيا وفي إيران وفي كل بلادنا العربية والإسلامية.
نريد أن نصل إلى هذا الحق الذي تحاربه الديمقراطيات الغربية المسيحية حربًا تنكرها مبادئ الديانات وشرائع الله. فهل نلام إذا نظرنا إلى مصلحتنا المشروعة في مهادنة كل من يعترف لنا بهذا الحق؟ سيذهب كل جهد لكم عبثًا ما لم تعلنوا قراركم في هذا المؤتمر جريئًا وواضحًا في هذه القضايا كلها وعندئذ تنالون احترام العالم وثقته.
وإذا لم تفعلوا ذلك وثقوا أننا لن نسير مع الغرب خطوة واحدة في مكافحة أية حركة مادية كقوة سياسية ما لم يثبت لنا الغرب عمليًا حسن نيته وصدق إخلاصه في التخلي عن مناصرة الصهيونية حتى ندرت أخطارها عن بلادنا وعن العالم كله. وفي الاعتراف بحقوقنا كاملة في السيادة والاستقلال. حتى نتعاون معه تعاون الحر مع الحر. والكريم مع الكريم. لا تعاون العبد مع السيد. والذليل مع العزيز. والمظلوم مع الظالم.
هذه كلمة نقولها اليوم رجاء أن تحتل من قلوبكم مكان الاقتناع والتأييد. فتكونوا أنصارًا للحق في أوساط شعوبكم تجهرون بكلمته القوية على مسمع من حكوماتكم ورؤساؤكم وإلا فإننا نقولها اليوم للتاريخ.. وسيقول فيها التاريخ كلمته فيما بعد..
اللهم وفقنا للخير والحق. وألهمنا رشدنا. وهيئنا لإنقاذ الإنسانية من طغيان السياسة على شرائع الله وآدابه..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل