; قطوف تربوية حول قصة «جريج العابد» | مجلة المجتمع

العنوان قطوف تربوية حول قصة «جريج العابد»

الكاتب د. حمدي شعيب

تاريخ النشر الثلاثاء 19-أكتوبر-1993

مشاهدات 79

نشر في العدد 1071

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 19-أكتوبر-1993


تكريم الإنسان واستخلافه

عندما أراد سبحانه وتعالى استعمار هذه البسيطة استخلف عليها آدم-عليه السلام- وذريته، وكان الاختيار والتكريم على الملأ، وفي مهرجان جليل وبإعلان علوي عام: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: 30) حيث «وهب هذا الكائن الجديد من الطاقات الكامنة، والاستعدادات المذخورة كفئاً لما يحتاجه في هذه الأرض من قوى وطاقات، ليحقق المشيئة الإلهية، إذن فهنالك وحدة أو تناسق بين النواميس التي تحكم الأرض- وتحكم الكون كله- والنواميس التي تحكم هذا المخلوق وقواه وطاقاته، كي لا يقع التصادم بين هذه النواميس وتلك. وإذن فهي منزلة عظيمة، منزلة هذا الإنسان» في ظلال القرآن- سيد قطب 1/56.

 

اختيار الأمة الراشدة وفقهها

وعندما أراد جل وعلا الخير لهذه البشرية، اختار لهذا الدور هذه الأمة المسلمة الراشدة لصفات هي الفقه أي الفهم العميق لآيات الله وسننه في الكون والحياة والمجتمع، حيث إن «الفئة المؤمنة إنما تمتاز بأنها تعرف طريقها وتفقه منهجها وتدرك حقيقة وجودها وحقيقة غايتها، تفقه أنها هي المهتدية بهدي الله، المنطلقة بإذن الله في الأرض، لتحمل منهج ربها لتحكم بين الناس بالقسط، ولتقيم مملكته سبحانه في الأرض، وأنها هي المستخلفة في الأرض لتعمرها بالحق، وكل هذا الفقه يكسب الثقة والنور في قلوبها، ويدفعها للجهاد في سبيله سبحانه، وهي مطمئنة للعاقبة بينما أعداؤها «قوم لا يفقهون» قلوبهم مغلقة، وبصائرهم مطموسة، وقوتهم كليلة مهما تكن متفوقة ظاهرة، فهي معزولة عن الأصل الكبير» في ظلال القرآن: سيد قطب 10/1550 بتصرف.

 

ارتباط الخير بالفقه وفقه الأولويات

ولقد كانت التربية القرآنية للجيل التأسيسي الفذ الأول من الوعي والعمق، بحيث تشيد بناء داخليًا للإنسان قائمًا على الشعور بالكرامة، وكان الحبيب- صلى الله عليه وسلم- في توجيهاته يربط بين الخير والفقه: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» (متفق عليه) والمعنى أن ينير الله بصيرته فيتعمق في فهم حقائق الدين وأسراره ومقاصده ولا يقف عند ألفاظه وظواهره.

 

ومن أهم أنواع الفقه الذي ركزت عليه التربية القرآنية على يده- صلى الله عليه وسلم- وعلى يد المربين ممن ساروا على نهجه هو «فقه الأولويات» ومعناه هو «وضع كل شيء في مرتبته فلا يؤخر ما حقه التقديم أو يقدم ما حقه التأخير ولا يصغر الأمر الكبير، ولا يكبر الأمر الصغير، فكانت مراحل سيرته- صلى الله عليه وسلم- ترجمة لهذا الفقه، ففي العهد المكي كانت المهمة محصورة في الدعوة إلى الله وتربية الجيل المؤمن الذي يحمل الدعوة إلى العرب، ثم إلى العالم كله وكان التركيز على أصول العقيدة وترسيخ التوحيد والتحلي بالفضائل، وعدم الانشغال بالجزئيات أو الفرعيات. «أولويات الحركة الإسلامية: د. القرضاوي 34 بتصرف».

 

وفي سيرته- صلى الله عليه وسلم- أنه كان يوازن بين الأمور ويرتبها على أساس هذا الفقه، ففي حديث عائشة- رضي الله عنها- الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال لها: لولا أن قومك حديثو عهد بشرك، لبنيت الكعبة على قواعد إبراهيم أي أنه عليه الصلاة والسلام ترك فعل ما يرى أنه مطلوب خشية أن يثير فتنة بهدم الكعبة وبنائها من جديد عند قوم حديثي الإسلام، ولقد وضع الأصوليون قواعد ضبطية لهذا الفقه منها القاعدة الأصولية «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح».

 

شرور الغرور بالعبادة دون فقه

وفي تراث الأئمة الأعلام كنوز مضيئة، تهدي من يطلبها فمنها ما وضحه الإمام الغزالي- رحمه الله- حول فقه «أولويات الخيرات» فبدأ أولًا بالإنكار على بعض فرق المغرورين بالعبادة دون مراعاة لمراتب الأعمال فيقول: «وفرقة أخرى حرصت على النوافل ولم يعظم اعتدادها بالفرائض، نرى أحدهم يفرح بصلاة الضحى وبصلاة الليل وأمثال هذه النوافل ولا يجد للفريضة لذة، ولا يشتد حرصه على المبادرة بها في أول الوقت، وينسى قوله- صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه عن ربه: «وما تقرب المتقربون إلى بمثل أداء ما افترضت عليهم» (رواه البخاري) وترك الترتيب بين الخيرات من جملة الشرور، ومن لم يحفظ الترتيب فيه كان مغرورًا فيجب تقديم الفرائض كلها على النوافل وتقديم فروض الأعيان على فروض الكفاية، وتقديم ما يفوت على ما لا يفوت، وهذا كما يجب تقديم حاجة الوالدة على حاجة الوالد، إذ سئل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح فقيل له: من أبر يا رسول الله؟ قال: «أمك- الحديث» «الإحياء 3/ 400-4004 بتصرف نقلًا عن أولويات الحركة الإسلامية د. القرضاوي 39- 40».

 

ومنه كذلك ما ذكر عن الإمام المحقق ابن القيم- رحمه الله- عندما سئل: أي العبادات أفضل؟ فرجح أنه لا يوجد أفضل بإطلاق وإنما لكل وقت عبادة تكون هي الأفضل بالنسبة له «مدارج السالكين 1/85- 90 بتصرف نقلًا عن المصدر السابق 40».

 

فقه الأولويات كسلاح في مواجهة الشيطان

وتبلغ خطورة هذا الفقه عندما نعلم أنه يعتبر سلاح المؤمن الذي به ينصره سبحانه في الجولة السادسة من جولات الصراع الأبدي، ومعركة المراغمة بين الإنسان والشيطان فالمسلم عليه «الانتباه لما يرد منه عدوه وهو لا يشعر، فإبليس يريد أن يظفر به في عقبة من سبع عقبات، بعضها أصعب من بعض، لا ينزل من العقبة الشاقة إلى ما دونها إلا إذ عجز فيها، فالعقبة الأولى هي عقبة الكفر بالله، والثانية هي عقبة البدعة، والثالثة هي عقبة الكبائر، والرابعة هي عقبة الصغائر، والخامسة هي عقبة المباحات، والسادسة هي محاولات الشيطان لاقتحام ثغر ترتيب قائمة الأولويات في تفاصيل الأعمال الإيمانية عند العبد، فيشغله بالمفضول المرجوح من العبادات، أما السابعة والتي لم ينج منها أحد حتى رسل الله وأنبياؤه فهي عقبة تسليط جنده من الإنس والجن بأنواع الأذى، باليد واللسان والقلب، على حسب مرتبته في الخير» «تهذيب مدارج السالكين: ابن القيم 1/ 221- 225 بتصرف».

 

حركة يضبطها فقه المواقف

وعندما يستقيم فهم الأمة على هذا النهج التربوي يبرز سلوكها اليومي، متوازنًا ومتوافقًا مع أولويات الوقت والمرحلة، وفي أقصى الظروف وأحرج اللحظات استطاعت أمتنا أن تتجاوزها بفقهها لأولويات مرحلتها، ففي أصعب ما مر بالأمة من ابتلاء، وهو وفاة الحبيب- صلى الله عليه وسلم- كان من الفقه العظيم أنه خشي المسلمون أن يبيتوا ليلة دون إمامة أو إمارة أو خلافة، والمسلمون الأنصار والمهاجرون كانوا إيجابيين يعلمون أن الحكم من الإسلام- وأنه لا بد من إقامة شرع الله ونظامه، وهذا لا يتأتى إلا إذا كان هناك خليفة، ولذلك كان لا بد من تحرك كل قوى المجتمع للحفاظ على كيان الدولة الإسلامية» «استخلاف أبي بكر الصديق- رضي الله عنه: د. جمال عبد الهادي و. د. وفاء رفعت 146».

 

والمسلم في حركته اليومية لا بد له من هذا الفقه، ليوازن ويختار أولوياته، ولقد برز هذا الفقه في سلوك الجيل الأول التأسيسي الفريد، ففي «غزوة ذات الرقاع» كانت القصة المشهورة للمهاجري عمار بن ياسر والأنصاري عباد بن بشر- رضي الله عنهما- عندما أصيب الأنصاري أثناء نوبته في الحراسة، فقال لأخيه والدماء تنزف منه: كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها حتى أنفذها، فلما تابع على الرمي ركعت وأيقظتك. وأيم الله لولا أن أضيع ثغرًا أمرني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها.. فتأمل كيف وازن عباد- رضي الله عنه- سريعًا بين مسؤولية المرابطة وبين حلاوة ولذة قيام الليل فاختار الأولى.

 

دعوة تفقه واقعها: منهج البنا

وفي مسيرة الدعوة الحديثة نجد في سيرة الرواد والمربين ما يغني ويثبت، فمما ورد عن الإمام المجدد حسن البنا- رحمه الله- تلك القصة المشهورة عن «النزاع الذي حدث بين المصلين في أحد المساجد حول الأذان وكيفيته والذي تحول الخلاف فيه إلى القطيعة، وتحرك إليهم الإمام للإصلاح، فجمعهم في جلسة، وبعد افتتاحية طيبة تستجيش القلوب والأرواح، قال: بودي أن أسألكم جميعًا، هل الأذان الذي تختلفون عليه سنة أم فرض؟ قالوا: بل سنة. قال: وهل الحب والأخوة والوحدة كما قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: 103) سنة أم فرض. قالوا: بل فرض. قال: فكيف نضيع الفرض في سبيل خلافات على السنة، أعتقد- في سبيل وحدة القلوب ووحدة المسلمين- لو تركنا الأذان وأبقينا على الحب والوحدة يكون أولى.

 

وانصرف الجميع على أن يقبل كل منهم وضع أخيه في سبيل الوحدة والأخوة. «حسن البنا- مواقف في الدعوة والتربية: عباس السيسي 157- 158». ولو تأملنا تراثه العامر لوجدناه لا يهمل أيضًا سلم الأولويات حتى في خطابه الدعوي للأمة، وعنايته- رحمه الله- بأمر الفقه الجيد للدين، من أجل تكوين عقلية مسلمة تفهم الدين والحياة فهما صحيحًا جعل «ركن الفهم» يسبق باقي أركان البيعة العشر «مجموعة الرسائل- التعاليم 356».

 

مأساة جريج العابد وغياب الفقه

وفي القصة التي أوردها الإمام النووي- رحمه الله- عن جريج العابد: وكان جريج رجلًا عابدًا، فاتخذ صومعة فكان فيها، فأتته أمه وهو يصلى فقالت: يا جريج، فقال: يا رب أمي وصلاتي فأقبل على صلاته فانصرفت، فلما كان من الغد أتته وهو يصلي، فقالت: يا جريج، فقال: أي رب أمي وصلاتي فأقبل على صلاته، فلما كان من الغد أتته وهو يصلي، فقالت: يا جريج، فقال: يا رب أمي وصلاتي، فأقبل على صلاته، فقالت: اللهم لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات. أي الزواني (متفق عليه).

 

تأمل أيها الحبيب خطورة الخلل الفقهي لمراتب الأعمال، ومدى الشر الذي أصاب جريج؛ حيث تسبب غياب فقه أولويات الخيرات عنده في محنته العظيمة وفتنته مع المرأة البغي. وتذكر رأي الإمام الغزالي- رحمه الله- في الشر الذي يترتب على ترك الترتيب في مراتب الخيرات والصنف الغامض من العباد المغرورين- وتأمل كذلك دور المربي العظيم- صلى الله عليه وسلم- وتذكيره الدائم لأصحابه- رضوان الله عليهم- وإيراده لهذه القصة لتعميق معنى هذا الفقه بشتى الصور.

 

والداعية.. في حركته اليومية وهو يمخر عباب بحر واقع أمته الأليم، ممتطيًا سفينة دعوته، والتي على مقدمتها خط رهط المربين السابقين هذا التحذير:

 من لم يكن في الفلك أدركه الغرق

 وطواه تيار الظلام وغاب في لجج الغسق

 من لم يكن في قلبه الرحمن أدركه القلق

 

عليه ألا ينسى أنه ما انتدب لهذا الدور العظيم إلا لأنه إنسان، وأنه سبحانه لم يستخلفه في الأرض إلا بتكريمه سبحانه له وتمييزه بعقله وفكره عن سائر الخلق، ولأنه مسلم ينتمي لفئة مؤمنة قد ميزها سبحانه بفهمها لسننه الكونية، ولأولوياتها ثم لأنه قد أخلص نيته وليس في قلبه إلا الرحمن فهو بهذه الإمكانات قد أعد وهُيئ، وهو ما يعي ويختار.. فإما سير موفق يحدوه فقه وإخلاص.. وإما غرور يكشفه قلق وتعثر وغرق.

 

د. حمدي شعيب بريدة- القصيم- السعودية

 انظر أيضا:

فقه الأولويات وصناعة الوعي

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل