; الذهب.. الملاذ الآمن ضد تقلبات الدولار | مجلة المجتمع

العنوان الذهب.. الملاذ الآمن ضد تقلبات الدولار

الكاتب د. عبدالحافظ الصاوي

تاريخ النشر السبت 03-يناير-2004

مشاهدات 59

نشر في العدد 1583

نشر في الصفحة 46

السبت 03-يناير-2004

وصلت أسعار الذهب في ديسمبر ۲۰۰۳ إلى نحو ٤١٠ دولارات للأونصة وهو معدل مرتفع مقارنة بما كانت عليه الأوضاع في بداية العام فقد بلغت الزيادة نحو 60 دولارًا للأونصة، في بداية عام ۲۰۰۲، خاصة بعد أحداث سبتمبر في ظل تبني أمريكا ما سمي مشروع الحرب على الإرهاب.

وتأتي هذه الزيادة في أسعار الذهب في ظل سياسة اقتصادية من قبل أمريكا تعتمد على التخلي عن وجود دولاًر قوي والإبقاء على معدل فائدة منخفض عند ١% داخل الأسواق الأمريكية من أجل إنعاش اقتصادها الذي يشهد حالة من الركود، ازدادت خلال السنوات الثلاث الماضية، وقد حققت هذه السياسة بعض نتائجها الإيجابية لأمريكا، إذ زاد معدل النمو في الربع الثالث من عام ۲۰۰۳ ووصل إلى ٨,٥% ولم تعباً أمريكا بتراجع الدولار أمام اليورو، فذلك يساعدها على منافسة الصادرات الأوروبية وتقليل العجز في الميزان التجاري الأمريكي الذي تدنى إلى معدلات قياسية لم تشهدها أمريكا من قبل حيث وصل إلى ٤٩٠,٨ مليار دولاًر في عام ۲۰۰۳ مقابل ٤٢٨,٠٤ مليار دولاًر في عام ٢٠٠٢

ظاهرة ارتفاع  الأسعار

وفيما يلي نتناول الأسباب الاقتصادية والسياسية لظاهرة ارتفاع   أسعار الذهب عالمياً. ومدى ارتباط ذلك بالدولاًر.

يبلغ متوسط حجم الإنتاج العالمي سنويًا نحو ۱۸۰۰ طن من الذهب الخام وتشير الإحصاءات إلى وجود عشر دول صاحبة النصيب الأكبر من إنتاج المعدن الثمين، حسبما هو موضح بالجدول.

يشير المحللون إلى أن المستثمرين عادوا بقوة لشراء الذهب باعتباره الملاذ الآمن في وقت الأزمات بعد أن أتسم الجو العام في السوق بالتوتر بسبب الشكوك وحالة عدم الاستقرار التي يتسم بها المجال السياسي والاقتصادي العالمي، ويعزو رفيق عباسي رئيس غرفة صناعة الذهب باتحاد الصناعات المصرية ارتفاع   أسعار الذهب في السوق الدولية إلى الأوضاع السياسية والاقتصادية غير المستقرة على المستوى العالمي والإقليمي، فقد بدأت الأسعار في الارتفاع   بعد أحداث 11 سبتمبر الأمريكية، والبدء في المشروع الأمريكي لمواجهة ما سمي بالحرب على الإرهاب، وكذلك الصراع في فلسطين المحتلة، والأوضاع الأخيرة التي انتهت باحتلال العراق فهذه الأحداث أوجدت نوعًا من عدم الاستقرار السياسي، وفقدان الثقة إلى حد ما في الاستقرار الاقتصادي: فأتجه الأفراد إلى نوع من الاستثمار يؤمن لهم الحفاظ على ثرواتهم، ولا يوجد أفضل من الذهب وهو سلوك ليس بجديد على أصحاب الأموال والثروات ويضيف عباسي: إن امتلاك الأفراد لبعض العملات في ظل هذه الظروف يعني أنهم لا يملكون سوى أوراق أو عملات لا تتعدى قيمتها قيمة الورق المطبوعة عليه، وقد كانت أزمة أسواق المال في العديد من المناطق في العالم خير دليل على ذلك سواء في جنوب شرق آسيا، أو أمريكا اللاتينية، أو في أسواق أمريكا وأوروبا بعد أحداث سبتمبر، بينما يمتلك جائزو الذهب سلعة حقيقية قد تزيد قيمتها أو تنقص ولكنهم في النهاية يجدون شيئًا يملكونه.

العلاقة بين الدولار وسعر الذهب

الدكتور أحمد العثيم وضع إطارًا عامًا لتفسير هذه العلاقة بأن هناك علاقة طردية بين سعر الذهب والدولار الأمريكي، فغالبًا ما يصاحب ارتفاع   سعر الدولار ارتفاع   سعر الذهب عند حدوث الأزمات الاقتصادية أو المشكلات الدولية، فالذهب يعتبر الملجأ من هذه الأحداث إلا إذا كانت الولايات المتحدة طرفًا في هذه الأزمات أو المشكلات، فعندها تكون العلاقات بين سعر الدولار والذهب عكسية حيث إن انخفاض الدولار يقابله في هذه الحالة ارتفاع   في سعر الذهب كما هو حاصل الآن.

ويحلل يوسف كمال أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة أم القري سابقًا، العلاقة بين الدولار والذهب في الإطار التاريخي للسياسة النقدية العالمية، فيقول إن اتفاقية بريتون وودز وهو اسم المدينة الإنجليزية التي وقعت فيها الاتفاقية في نهاية الحرب العالمية الثانية سنة ١٩٤٤ - لم تستمر، وقد كانت مهمتها أن تحافظ على استقرار أسعار صرف العملات بتعهد من الدولة على أساس من الذهب وتحول النظام

إلى الأخذ بقاعدة الدولار الذي كان قابلًا للصرف بالذهب، لأنه عملة دولة قوية، ولم يكن ذلك إلا للدولاًر المستند على الاقتصاد الأمريكي الذي لم تدمره الحرب العالمية الثانية. وقد ظل الدولار قابلًا للتحويل إلى الذهب لغير المقيمين حتى ألغي ذلك في أغسطس سنة ۱۹۷۱، وبذلك استمد الدولار قوته من كونه دينًا عامًا قصير الأجل أذون خزانة على الاقتصاد الأمريكي لحامله الحق في الحصول على قيمته سلعًا وأصولًا أمريكية وهي حقوق طويلة الأجل، وكان ذلك مثار اعتراض فرنسا في الستينيات، مما جعلها تعمل على تحويل دولاراتها إلى ذهب وكان إيقاف تحويل الذهب مقابل الدولار في عام ۱۹۷۱ نهاية لنظام بريتون وودز وأخذت الدول في تعويم عملاتها وتلا ذلك فوضى كبيرة.

الدولار.. لص!

ویرى يوسف كمال أن الدولار لص، لأنه حقق الكثير من المكاسب للاقتصاد الأمريكي على حساب مالكي الدولار، فبعد عام ١٩٧١ وسقوط قاعدة تحويل الدولار إلى ذهب لغير المقيمين إذا رغبوا لم تعد أمريكا تتكلف أكثر من ثمن الورق المطبوع فقط والغريب أن البلدان العربية والإسلامية تحصل على الدولار مقابل بيعها لسلع وخامات وأصولًا إلى أمريكا والدول الأوروبية ثم تودعه دون استخدامه كاحتياطي ولا يغيب عنا ما مارسته أمريكا مرات عدة من تخفيض قيمة عملتها وكذلك تخفيض أسعار الفائدة عليها لتعود مرة أخرى لسرقة حقوق حاملي الدولار وتقلل من ودائعهم وقيمة استثماراتهم، وهي السياسة التي تمارسها أمريكا بوضوح هذه الأيام.

ماليزيا استوعبت الدرس

في أغسطس الماضي أعلنت ماليزيا عن تبني الدينار الذهبي كوعاء ادخاري في الداخل لتخفيف حدة الطلب على الدولار، كما سعت لأن يكون الدينار الذهبي عملة حسابية لتجارتها الخارجية مع أربع دول عربية وإسلامية هي «إيران والبحرين والمغرب وليبيا»، وتهدف هذه الخطوة إلى تقليل مخاطر الاعتماد على الدولار كعملة دولية، وأيضًا ميلاد العملة الإسلامية الدولية، حيث أعلن عن هذا الدينار باسم دينار محمد إقدام ماليزيا على هذه الخطوة لم يأت من فراغ ولكنه كان وليد الظروف القاسية التي عانت منها إبان أزمتها الشهيرة في عام ١٩٩٧ ضمن دول جنوب شرق آسيا.

وفي دراسة صدرت عن مؤسسة مورجان ستانلي أنشرت في يونيو ۲۰۰۲ أعترف المحللون الاقتصاديون بأن أكبر المخاطر التي يتعرض لها الطلب على الأصول الأمريكية يكمن في تعاظم جاذبية الذهب وحذروا من أن لجوء المستثمر الأسيوي إلى تحويل أصوله إلى المعدن الأصفر بدافع الخوف من مجهول الواقع العالمي سيفقد الدولار آخر حصونه.

زيادة طبيعية

رفيق عباسي يرى أن الزيادة الحاصلة في أسعار الذهب عالميًا ليست ناتجة عن مضاربات ويبرر ذلك بأمرين: الأول أن الأسعار لم ترتفع فجأة وأنها على مدار أكثر من سنة تزيد يوميًا بمعدل دولاًر أو نصف دولاًر، وبالتالي فهذه الزيادة طبيعية، أما في حالة المضاربة فإن الأسعار ترتفع فجأة وفي فترة قصيرة، والأمر الثاني الذي ينفي وجود مضاربات على أسعار الذهب عالميًا أن الأحداث العالمية السياسية والاقتصادية المضطربة تجعل من ارتفاع   أسعار الذهب أمرًا طبيعيًا.

في الختام نستطيع القول بأن الظاهرة الحالية لارتفاع   أسعار الذهب ليست نشازًا عن الأوضاع الاقتصادية والسياسية العالمية، بل هي أمر طبيعي حتى يعيد العالم حساباته، فالجميع يدفع ثمن وجود أمريكا متفردة بزعامة النظام العالمي، ووجود اقتصادها رائدًا للاقتصاد العالمي فلابد من توازن القوى في جميع المجالات حتى تستقر الأمور.

حجم إنتاج العشر الكبار من الذهب الخام

%

حجم الإنتاج بالطن

الدولة

33.2

598

جنوب أفريقيا

15.2

175

دول الاتحاد السوفيتى سابقًا

8.5

154

أمريكا

6

108

استراليا

4

72

البرازيل

4

72

الصين

1.8

33

الفلبين

1.8

33

غنيا الجديدة

1.4

26

كولومبيا

1

18

كندا

 

الرابط المختصر :