العنوان ملف العدد .. الإساءة إلى النبي محمد ﷺ جريمة لا تغتفر
الكاتب جمال خطاب
تاريخ النشر السبت 22-سبتمبر-2012
مشاهدات 56
نشر في العدد 2020
نشر في الصفحة 22
السبت 22-سبتمبر-2012
محمد ﷺ شخص فريد من نوعه غير عادي وهو الذي أرسى أسس الإيمان التي ألهمت الثقافة والحضارة التي شكلت العالم الحديث.
الإهانة أو السخرية من شخصية دينية يعتز بها مليار ونصف المليار مسلم في العالم تعتبر جريمة لا تغتفر.
الغضب من قبل المسلمين في مختلف أنحاء الشرق الأوسط نحو أمريكا والغرب له امتدادات أوسع وجذور أعمق من ذلك بكثير.
مجاسي هاملتون ليتل[1]
لاشك أن فيلم «براءة المسلمين» جرح مشاعر المسلمين بالفعل، وشكل أقصى وأشد إهانة ممكنة لأتباع الدين الإسلامي، رغم أنه لا شيء يبرر كل هذا العنف.
لقد أصبح من المألوف أن يقوم جناح يميني متطرف ومصاب بما يسمى «الإسلاموفوبيا» بعرض وإبراز أعمال حول النبي محمد ﷺ تهيج وتلهب مشاعر المسلمين، وتأتي على كل تفاهم وتقوض كل بناء، وإلصاق تعمد إهانة الرموز الدينية العظمى للمسلمين بحرية التعبير مجرد عبث، ويبدو أن الوضع هذه المرة أسوأ بكثير من كل المرات السابقة، ففي الوقت الذي ما زالت فيه أصداء الفتاوى ضد سلمان رشدي وأعمال الشغب بسبب الرسوم الدنماركية المسيئة عالقة في ذاكرتنا، تجتاح الاحتجاجات وأعمال العنف بلاد المسلمين في جميع أنحاء العالم، ولا أحد يعرف إلى أي حد ستصل، ومتى ستنتهي؟ لأن الأمر مختلف في هذه المرة.
إن مقتل موظفي القنصلية في بنغازي والاشتباكات في القاهرة والخرطوم، وتونس ما هي إلا تذكير بأن إهانة أو السخرية من شخصية دينية يعتز بها ١,٥ مليار مسلم في العالم يعتبر جريمة لا تغتفر، ورغم ما نرى من اشتعال الموقف، فإن الكثير منا لا يزال يجد صعوبة في فهم شدة رد الفعل الهائل في هذا الأسبوع، وعلينا أن نتخيل نفس الشيء إذا ما كان الفيلم وهذه الإهانة ليسوع المسيح، هل سنتساءل؟ لم كل هذه الجلبة؟
عندما نسأل المسلمين هذا السؤال، تجد دائمًا إجابة واحدة لا لبس فيه، محمد هو لب وصميم تعاليم دينهم، كما يقولون.
كان آخر الأنبياء جميعًا وأعظمهم، وهو شخص فريد من نوعه وغير عادي، وهو الذي أرسى أسس الإيمان التي ألهمت الثقافة والحضارة التي شكلت العالم الحديث، محمد يمثل الشخصية المركزية بالنسبة للمسلمين، كما يمثلها يسوع للمسيحيين، ولكنه يختلف اختلافًا بينا عن المسيح في المسيحية، فمحمد ليس هو الإله على عكس ما يعتقد المسيحيون في يسوع، ولكنه رجل وبشر إلا أنه بشر بسمات وصفات فذة فهو الشفيع، الذي يشفع للمسلمين عند الله، وهو رسول الله، وهو القدوة والمثل الأعلى المتبع من قبل كل المؤمنين به وأفعاله وأقواله هي الملهمة لهم، ولذلك فتشويه سمعة نبي الإسلام تعتبر تشويهًا لكل ما نؤمن به، وهذه أقصى وأشد درجات الإهانة.
وكواحد من الذين قضوا وقتًا طويلًا في محاولة تطوير الفهم المتبادل بين المسلمين وغير المسلمين، فإنني أعارض بشدة نشر أي شيء يتعمد النيل من شخصية محورية لمئات الملايين، مثلما أرفض أن يحدث نفس الشيء ليسوع المسيح أو النبي إبراهيم، ولذلك فنحن نلتمس العذر لمن ثار لإهانة النبي محمدﷺ، ولكننا نعتقد أنه أيًا كان الظلم الذي ارتكب لا بد من محاربته بشكل صحيح، وذلك باستخدام الحجج العقلانية والخطاب المنطقي، وهذا الذي يدفع العديد من غير المسلمين للاعتقاد أن المسلمين لديهم حساسية عالية، وأن ردود الفعل العنيفة التي يرونها الآن في العالم العربي لا تتناسب مع خطورة الجريمة الأصلية.
والواقع أن الفيلم كان بمثابة الزناد الذي أشعل النار التي كانت تحت الرماد.، فالغضب من قبل المسلمين في مختلف انحاء الشرق الأوسط نحو أمريكا والغرب له امتدادات أوسع وجذور أعمق من ذلك بكثير، ومما لا شك فيه أن المشاعر الغاضبة عميقة ومتجذرة في التاريخ، وقد نشأت عن التوسع في الأفكار المناهضة للغرب على مدى عقود عديدة يغديها الشعور بخيبة الأمل إزاء الأحداث المهمة في العالم العربي والإسلامي منذ احتلال «إسرائيل» للقدس والأراضي الفلسطينية، مرورًا بأعمال الشغب العرقية في ماليزيا في عام ١٩٦٩م، وتأييد الغرب لغزو أراضي باكستان الشرقية مما أدى إلى خلق بنجلاديش في عام ١٩٧١م، والثورة في إيران، واحتلال بيروت من قبل «إسرائيل» في عام ١٩٨٢م، وآخرها الحرب على العراق وعلى أفغانستان.
والذي يدعو إلى قلق أكبر أن تلك الأحداث قد استغلت استغلالًا كبيرًا من قبل الفصائل المتطرفة التي تعمل في منطقة الشرق الأوسط، والتي تهدف إلى تأجيج نار الكراهية المعادية للغرب، وهذه الفصائل هي على وجه التحديد فصائل من الإسلام السياسي تسمى ب«السلفية الجهادية»، وهي سلفية ترتبط ارتباطًا مباشرًا «بتنظيم القاعدة» وربما تكون وراء العنف في ليبيا في الأسبوع الماضي، ومن المعروف جيدًا أن السلفية كحركة خالصة تمثل أرثوذكسية الإسلام التي ترى دائمًا وتعتقد بأن علل المجتمع كلها تنبع فقط من الممارسات الفاسدة غير الإسلامية ومن الأحزاب العلمانية، فالسلفية ظاهرة فريدة من نوعها فهم يعتبرون أنفسهم نخبة المسلمين المختارة، ويعتقدون أنهم يمثلون المسار الحقيقي للإسلام، وأنهم متبعو النبي الحقيقيون وخلفاء الصحابة والسلف الصالح والتابعين، والحقيقة أن أغلب المسلمين السلفيين محبون للسلام، ولكن بعضهم وهم أفراد يدعم بنشاط استخدام العنف لتحقيق أهدافهم السياسية، وقد أعطى الفيلم هؤلاء الأفراد الحجة والذريعة التي يحتاجونها لإشعال فتنة كبرى والمطالبة بالجهاد المقدس للدفاع عن دينهم ضد ذلك الاعتداء الصارخ من وجهة نظرهم، وهم يرون أن أي عنف في هذه الحالة له ما يبرره وهو مؤيد من قبل الله نفسه، تبارك وتعالى.
وغني عن القول: إنه يجب محاسبة المسؤولين عن أعمال العنف التي شهدتها الأيام القليلة الماضية، ولكن هناك الكثير الذي يجب أن يحدث قبل ذلك.
فالمسلمون المعتدلون قاموا بالتنديد بالفصائل المتطرفة من دينهم وبالعنف الذي ارتكب باسم الدين؛ لأنهم يعلمون أن نبيهم العظيم الذي يكنون له كل الحب وكل التقدير وكل الاحترام مثال للرحمة والمغفرة حتى لأولئك الذين كفروا به ولم يصدقوه، فمحمد نفسه دعا إلى التسامح ونبذ الكراهية والتعايش مع الثقافات الأخرى، وعلم أتباعه الحاجة إلى ممارسة ما هو مشترك بين الثقافات المختلفة، كما أسس المجتمع التعددي في المدينة المنورة حيث تم احترام جميع الأديان، كما ينص القرآن نفسه في قول الله تبارك وتعالى: ﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ ( فصلت: 34)
[1] المصدر: «ذي ديلي بيست» ١٢/٩/٢٠١٢م.