العنوان قضية المستشار جريشة
الكاتب المحرر السياسي
تاريخ النشر الثلاثاء 26-أغسطس-1975
مشاهدات 7
نشر في العدد 263
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 26-أغسطس-1975
كشف طبيعة
الظلم وأساليبه
إهدار قيم
الدين والحق والعدل والإنسانية
• قضية
المستشار علي جريشة تجمع بين الإثارة والتأثير العميق، وتمثل شهادة على ما جرى ولا
يزال يجري من قهر وظلم ضد أمتنا من قبل.
• وفيما يلي
تنشر "المجتمع" قضية رفعها الأستاذ جريشة ضد عدد من المسؤولين، وناب عن
المستشار علي جريشة شقيقه الذي كان يقوم بمباشرة شؤونه الخاصة في فترة العقوبة،
وكلفه بإقامة الدعوى، الأستاذ عبد القادر شاهين، والأستاذ عبد الرحيم.
والعريضة بهذا
النص:
1.
وزير الحربية
بصفته، ويعلن بمحلة... قضايا الحكومة بمبنى المجمع، مخاطباً مع شمس بدران المسجون
بالسجن في مواجهة السيد مأمور السجن بالعباسية.
2.
السيد صفوت
محمد الرومي مساعد بسلاح المشاة، ويعلن في مواجهة السيد وكيل نيابة شمال القاهرة
لإعلانه عن طريق إدارة الجيش.
• وأعلنتهم
بالآتي: في 24 / 8 / 1965م وكان الطالب (1) آنذاك نائباً بمجلس الدولة، وتحت
ستار الليل الحالك تسلل رجال المباحث العامة إلى مسكنه وفتشوه، رغم علمهم بوظيفته،
وما يسبغه عليه القانون من حماية وما يفرضه له من ضمانات، وأُلقي القبض عليه، وسيق
إلى السجن الحربي.
• وظل الطالب
في السجن الحربي دون جريرة يتعرض لصنوف من العذاب فوق احتمال أشد الرجال قوة
وأقواهم عزماً من تاريخ القبض عليه حتى 27 / 10 / 1965م حيث طلب إليه أن يحرر
مذكرة بموقفه من جماعة الإخوان المسلمين.
• وقبع الطالب
في السجن الحربي بعد ذلك يعاني أقسى ما عرف من التعذيب إيلاماً للجسد والنفس إلى
أن باشرت نيابة أمن الدولة العليا التحقيق في 5 / 12 / 1965م إلا أنها لم ترَ في
الأمر إثماً، وبالتالي لم توجه إليه اتهاماً.
• وفي 7 / 2 /
1966م وفي جو الرهبة الذي فرضته قسوة التعذيب، وفي ظل صنوفه المختلفة مثل الكي
بالنار والصعق بالكهرباء ونهش الكلاب المتوحشة وسط جو القتل والتمثيل بالقتلى وهتك
أعراض كرائم السيدات، وفي ظل ما يحدثه هذا من أثر يطحن كل جسد ويهد كل نفس، في هذا
الجو طلب مدير السجن الحربي آنذاك إلى الطالب أن يقدم استقالته، ثم نقله محروساً
بزبانية جحيم السجن الحربي إلى مبنى مجلس قيادة الثورة، وعلم الطالب أنه بعد هذا
عائد إلى السجن الحربي فما كان من الطالب بطبيعة الحال إلا أن حرر ما أملي عليه
صاغراً، وما كان يملك إلا الإذعان والرضوخ لكل ما يطلب منه، وفي 15 / 2 / 1966م
أحيل الطالب إلى محكمة أمن دولة عليا، فقضت في 8 / 8 / 1966م بمعاقبته بالأشغال
الشاقة المؤقتة ولمدة 12 عاماً في الجناية 15 لسنة 1965م أمن دولة عسكرية عليا.
• وبما أن
القبض على الطالب مخالف للقانون؛ لأنه كان حينذاك يتمتع بكافة الضمانات التي يتمتع
بها رجال القضاء طبقاً للمادة 64 من القانون 55 لسنة 1959م، ومنها عدم جواز القبض
عليه أو حبسه احتياطياً إلا بعد الحصول على إذن بذلك من لجنة التأديب والتظلمات،
ولم تُهمل الضمانات أهميتها لرجال القضاء فحسب، بل لقد أُودع الطالب السجن الحربي
وهو غير مخصص للمدنيين، ويا ليت الأمر اقتصر على إهدار ضمانات رجال القضاء
والإيداع في سجن غير مخصص للمدنيين، بل إن أعنف صنوف العذاب انصبت على الطالب من
أعتى جبابرة التعذيب، ولم يكن يملك إزاء السلطة الغاشمة والنسور المتحكمة،
والجبروت الطاغي حتى مجرد الدفاع عن نفسه بأي صورة من الصور، ولم يكن في مقدوره أن
يحتمي بالقانون، بل لم يكن للقانون نفسه أي وجود على الإطلاق، ولا نغالي إذا قلنا
إن القيم كلها اختفت من كثرة ما حاق بالطالب وأمثاله من ظلم فادح وقسوة بالغة.
• وقد أعاد
الطالب طلب بحث تظلمه من قرار قبول الاستقالة بعد أن كان قد رُفض، وطُرح الأمر كما
يوجب القانون على لجنة التظلمات بمجلس الدولة ثم على المحكمة الإدارية العليا بعد
تعديل القانون، فأصدرت حكمها العادل بإلغاء قرار رئيس الوزراء بقبول استقالة
الطالب مؤكدة أن طلب الاستقالة قد صدر تحت تأثير الإكراه المفسد للرضا نتيجة
المعاناة من رهبة حقيقية لا قبل للإنسان بتحملها، ولا قدرة لأحد على مقاومتها.
• ولقد كان
الطالب ثقة منه في ثبوت حقه يطلب بعد السنوات الطوال التي مرت من بدء القبض عليه
وتعذيبه حتى العرض على المحكمة العليا، كان يطالب بندب الطبيب الشرعي لفحص ما
بجسده من آثار التعذيب، كما طلب بسماع الشهود الذين يؤكدون بشاعة ما تعرض له، حتى
قيل: إنه توفي من شدة ما ناله؛ ولأن ما تعرض له فوق احتمال البشر، إلا أن المحكمة
الإدارية العليا رأت بحق أن الأمر ليس في حاجة إلى تدليل؛ ذلك أن الكل علم بما كان
يحدث آنذاك من تعذيب، وقد سمع به القاصي والداني، وتحدث عنه الخاص والعام، بل إنه
بعد أن اطمأن الناس إلى سيادة القانون تحدثت الصحف عما ارتكبه الآثمون في حق
الشرفاء من جرائم تقشعر لها الأبدان وتشيب من هولها الولدان.
• وبسبب هذا
وخشية تكراره حرصت الأمة كلها على النص في الدستور صراحة على حق الطالب في
التعويض، وعلى عدم سقوط هذا الحق. إن معاملة المواطن المحبوس بما يحفظ عليه كرامة
الإنسان وتحريم إيذائه مادياً ونفسياً أمر بديهي والتزام طبيعي، إلا أن فظاعة ما
حدث للطالب وأمثاله وشناعة الجرائم التي ارتكبت في حقهم هي التي أملت إيراد النص
واضحاً صريحاً في الدستور، حتى لا يكون هناك أدنى شك في هذا الأمر الطبيعي، وحتى
يبعد عنه أي جدل.
• ولقد كان ما
جرى في شأن الطالب مقدمة لما حاق بالهيئة القضائية كلها، وكأنما كان بمثابة جس نبض
للهيئة مقدمة لما كان يراد بها، وهذا الذي جرى هو ما حمل المحكمة الإدارية العليا
في حكمها رقم 43 لسنة 19ق إلى أن تنعى على مجلس الدولة أنه رغم علمه بالقبض على
الطالب وحبسه منذ البداية لم يتحرك للتعرف على ما نسب إلى أحد أعضائه ليحقق له
الضمانات القانونية.
• ولا ريب في
أن هذا الذي كان قد زعزع ثقة الناس، ويكفي أن الذي يطبق القانون لا يستطيع أن
يحتمي به، والذي يحمي الناس من بطش السلطة لا يستطيع أن يدرأ عن نفسه طغيانها.
• إن ما نال
الطالب من إيذاء مادي وعسف وآلام نفسية لا يمكن تقديره بمال، وإذا كان المقصود
بالتعويض هو جبر الضرر، فإن المال بالغاً ما بلغ لا يمكن أن يجبر الذي وقع على
الطالب. ولذا فإن الطالب قد اكتفى بمبلغ 30000 جنيه وقد أُعفي من رسوم المطالبة
به، وبما أن المعلن إليه الأول مسؤول بالتضامن مع تابعيه المعلن إليهما الثاني
والثالث.
• بناء
عليه: أنا المحضر سالف الذكر قد أعلنت كلاً من المعلن إليهم بصورة من هذا،
وكلفتهم بالحضور أمام محكمة القاهرة الابتدائية المدنية الكائنة بميدان أحمد ماهر
(باب الخلق سابقاً) بجلسة الدائرة السادسة التي ستنعقد بها علناً في يوم الأحد
الموافق 3 / 2 / 1974م الساعة الثامنة إفرنجي صباحاً للمرافعة؛ وليسمع المعلن
إليهم الحكم بإلزامهم متضامنين بأن يدفعوا للطالب مبلغ ثلاثين ألف جنيه، وتحميلهم
المصروفات ومقابل الأتعاب، وشمول الحكم بالنفاذ المعجل بغير كفالة مع حفظ كافة
حقوق الطالب الأخرى.
وخرج من السجن
ليباشر الدعوى
• ودفت الحكومة
عدة دفوع أهمها أن الدعوى سقطت بالتقادم نظراً؛ لأنه مضى على وقائع التعذيب أكثر
من ثلاث سنوات. وتقدم بمذكرة ردت على دفوع الحكومة، وعلى الدفع بسقوط الدعوى
بالتقادم قال:
- أولاً: أنه كان
ثمة مانع أدبي يمنع من إقامة الدعوى هو الرهبة... وقال في بيانها بالحرف
الواحد بها: "وقد كانت البلاد كلها تعيش في رهبة آذنت الجمهورية الأولى
بزوالها في سبتمبر سنة 1970م، وكان المدعي وهو سجين، ومن ورائه شقيقه، يعيشان
رهبة أشد، فما إن تقدم المدعي بتظلمه في 8 / 9 / 1968م حتى بطشت به السلطة
الغاشمة الحاكمة، فأمرت بنقله إلى أقصى سجون سلطة الجمهورية في صعيد مصر (سجن
قنا العمومي) ونُفذ ذلك في 20 / 9 / 1968م، ووضع في زنزانة انفرادية مدة تزيد
على سنة، والقانون لا يسمح بذلك إلا في أحوال التأديب، بعد تحقيق ولمدة لا
تزيد على 15 يوماً، وبقي في ظل هذا الإرهاب مدة تقارب أربع سنوات حتى صدور
دستور مصر الدائم في سبتمبر سنة 1971م. يؤكد ذلك أن القيم بعد أن رُفض التظلم
في 16 / 10 / 1968م ظل ساكناً ساكتاً لا يتحرك حتى 17 فبراير سنة 1972م حيث
قام بتحريك التظلم في ذلك التاريخ. فما الذي منع القيم (شقيق المدعي) من
التحرك بالنسبة للتظلم الذي قدمه في 8 / 9 / 1968م والذي رُفض في 16 من
أكتوبر سنة 1968م؟ لا شك أنها الرهبة التي جعلت مصر كلها تعيش داخل سجن كبير،
وامتدت إلى أقدس مقدساتها، فكان فصل القضاة سنة 1969م".
- ثانياً: إن العمل
غير المشروع الذي نجم عنه الضرر في هذه الدعوى بقي إلى وقت رفع الدعوى أو
قريباً من ذلك. فالواضح من تسلسل الأحداث أنه بعد تقديم التظلم مباشرة، جرى
نقل المدعي إلى أقصى سجون مصر بغير اتباع لقواعد التغريب ولا أسبابه، بل إن
هناك تصرفات شاذة ظلت قائمة مهددة المدعي حتى تاريخ رفع هذه الدعوى (وقد أشرت
إليها في المذكرة المقدمة بجلسة 14 / 4 / 1973م أمام المحكمة الإدارية العليا
إبان وجودي في السجن)، وفي مقدمتها مطاردة المباحث العامة لشقيقي الطبيب الذي
كان يعمل بمستشفى قنا، بل ولأسرتي عند ترددها لزيارتي، وقد بلغت المطاردة حد
السير وراء الأسرة من القطار حتى داخل السجن، ومحاولة سؤال ابني الذي لم يكن
قد بلغ حد التمييز عن الأشخاص الذين كانوا في استقبالهم على محطة القطار.
- ثالثاً: فات
الحكومة أن العمل غير المشروع الذي انصبت عليه الدعوى هو التعذيب حملاً على
الاعتراف، وهو يشكل جناية نص عليها بحسب قانون العقوبات في المادة 126 منه،
وهذه الجناية ارتكبت سنة 1965م ولا تسقط إلا في 1975م، وإقامتها مسؤولية
النيابة العامة التي خوطبت من فوق منصة المحكمة الإدارية العليا، والتي تخاطب
اليوم من فوق منصة قضائنا العادل الشامخ. وطالما لم تسقط الدعوى الجنائية فإن
الدعوى المدنية عن نفس الموضوع لا تسقط؛ عملاً بنص المادة 172 / 2 مدني.
- رابعاً: وأخيراً
فلقد تجاوب الدستور مع الأحداث الأليمة التي عاشتها البلاد قبل صدور دستور
مصر الدائم في سنة 1971م، فارتفع بنصوص التقادم -لأول مرة في التاريخ- إلى
مستوى النص الدستوري، وجاء نص المادة 57 من الدستور مانعاً من تقادم الدعوى
الجنائية أو المدنية بالنسبة لكل اعتداء على الحرية الشخصية أو حرمة الحياة
الخاصة للمواطنين وغيرها من الحقوق والحريات العامة التي يكفلها الدستور
والقانون، وموجباً على الدولة التعويض العادل لمن وقع عليه الاعتداء.
عناصر
المسؤولية والتدليل على الخطأ
• وفي الحديث
عن عناصر المسؤولية التي تقوم عليها الدعوى، أشرت إلى العنصر الأول: الخطأ،
ونقلت في التدليل عليه من حكم المحكمة الإدارية العليا: "وقد اتسمت التصرفات
التي اتخذت حياله منذ الوهلة الأولى بمخالفة القانون وخرق أحكامه" فقد:
- أ- كان
يتعين عند القبض عليه في حالة التلبس (ولم تكن قائمة) أن يرفع الأمر إلى هذه
اللجنة (لجنة التظلمات التابعة لمجلس الدولة) في مدة الأربع والعشرين ساعة
التالية؛ لتقرر إما استمرار حبسه أو الإفراج عنه بكفالة أو بغير كفالة، مع
تحديد مدة الحبس في القرار الذي يصدر بالحبس أو باستمراره.
- ب-
"ومراعاة هذه الإجراءات كلما رُئي استمرار الحبس الاحتياطي بعد المدة
التي قررتها اللجنة".
- ج-
"وعدم جواز اتخاذ أي إجراء من إجراءات التحقيق معه أو رفع الدعوى
الجنائية عليه في جناية أو جنحة إلا بإذن من اللجنة المذكورة وبناء على طلب
النائب العام".
- د-
"كما كان يتعين حبسه وتنفيذ العقوبة المقيدة للحرية بالنسبة له في أماكن
مستقلة عن الأماكن المخصصة لحبس السجناء الآخرين".
• "ورغماً
من كل هذه الضمانات القانونية فقد أهملت كل الجهات المعنية إعمال هذه الأحكام جملة
وتفصيلاً، وانفردت بالقبض على الطاعن وحبسه احتياطياً دون عرض الأمر على لجنة
التأديب والتظلمات؛ لتمارس اختصاصاتها بالنسبة له مهدرة بذلك أهم الضمانات المقررة
قانوناً لرجل له القضاء".
• ويحكي تقرير
مفوض الدولة المقدم للمحكمة العليا في نفس القضية: "فإلى جانب ما توضحه هذه
الوقائع من جوانب الألم النفسي الذي لا بد قد اعتصر المتظلم، وهو يرى نفسه وقد
انتهكت كرامته كرامة القاضي، وأُطرحت بحصانته حصانة القاضي، وزُج به في سجن
استثنائي (هو السجن الحربي) لشهور طويلة امتدت لستة أشهر دون أن يوجه إليه
اتهام"، وبقي خاضعاً خلال هذه المدة للسيطرة المادية المباشرة للسلطة
العسكرية الاستثنائية المتولية شؤون الضبط والاستجواب وإدارة السجن النزيل فيه،
وهي المباحث الجنائية العسكرية.
• وتضغط وقائع
الدعوى الأليمة على المتتبع لها فيصرح التقرير أو يكاد: "وقبل ذلك كله ليس
مقبولاً عقلاً أن يتجاوزوا عن الواقعة التي علموا بها، واقعة سلب حرية متظلم
النائب بمجلس الدولة، المتمتع بحصانة القضاة وضماناتهم دون إذن من الجهة المختصة
بذلك في المجلس" -وبعد قليل يصرح التقرير: "ثم تغافلت (أي: الإدارة) عما
تحقق علمها به من أوجه مخالفة القانون مخالفة جسيمة بسلب حرية المتظلم دون إذن من
الجهة القضائية التي ينتمي إليها".
• تلك كانت
البداية، وهي بداية أليمة مريرة. أما ما حدث بعد ذلك فقد أشرت إلى بعضه في المذكرة
المقدمة في إبان سجني في 14 / 4 / 1972م للمحكمة الإدارية العليا، فقد جاء بها:
"إنني أجد نفسي غير قادر على الحديث عن الجانب الشخصي الذي حدث لي، وأكتفي في
هذا الصدد بالحقائق الآتية:
- الحقيقة الأولى:
أنني أشرفت على الموت أكثر من مرة جوعاً، وعطشاً، وتعذيباً، حتى لقد شاع نبأ
موتي في السجن، ثم انتشر خارج السجن حتى تناقلته وكالات الأنباء، وأذاعته
إحدى المحطات الأجنبية في 30 من سبتمبر سنة 1965م، وفي الواقع لم يكن ذلك
مبالغة، فقد كنت في ذلك الوقت بين الحياة والموت، بل كنت إلى الموت أقرب.
- الحقيقة الثانية:
إنني برغم مضي ثماني سنوات، فلا تزال آثار التعذيب باقية في جسمي شاهدة على
جرم وقسوة ما حدث.
- الحقيقة الثالثة:
وهي ما استطاعت هيئة مفوض الدولة في ذكاء وفطنة أن تستشفه وتستظهره من أوراق
القضية رقم 12 لسنة 1965م، وهي وجود فترات متباعدة بين إجراءات القبض علي
وإجراءات التحقيق، فلقد قبض علي في 24 / 8 / 1965م، ولم تتفضل نيابة أمن
الدولة بالتحقيق معي إلا بعد أكثر من ثلاثة شهور في 5 / 12 / 1965م، فماذا
كان يحدث في هذه الفترة؟ هل كنت أتنزه في طرقات السجن الحربي؟ إن ما كان يحدث
في السجن الحربي معلوم لدى الكافة بالضرورة ثَبُت في محاضر جلسات رسمية،
وفاضت به أنهر صحف وتحدث به رسميون، ثم لم يوجه إلي الاتهام إلا بعد ذلك
بشهور في نفس اليوم الذي علمت فيه نيابة أمن الدولة بقبول استقالتي".
• وتبلغ بي
المرارة منتهاها فأقول وأنا لا أزال سجيناً: "وإنني إذ أطالب بوقف الجريمة
وتصحيح الوضع لا أعتبر رد الحق كافياً، بل لا بد من رد الاعتبار، ولا يتحقق ذلك
إلا بعد أن تتقدم الدولة باعتذار رسمي عما حدث باعتبارها شخصية معنوية مسؤولة
تاريخياً، وسياسياً، وأدبياً عما حدث".
• ومضيت بعد
ذلك أقول في نفس المذكرة: "والآن بعد أن رُدت إلي حريتي، ولم يُرد إلي بعد
اعتباري، هل أستطيع أن أتحدث عن كل ما رأيت؟ أحسبني لا أزال غير قادر، ويكفي أن
أشير إلى أن القائمين على أمر السجن الحربي مارسوا ما يلي:
1.
حرب التجويع
والتعطيش: فقد
كان ما يقدم لنا لا يقيم أود الطفل حتى اضطررنا إلى الأكل من القمامات (الزبالة)
التي يلقي بها عساكر السجن الحربي، ومنها قشر الموز وقشر البرتقال وقشر البيض، ولم
نكن نجد أوراق الأشجار التي كان يأكلها المسلمون الأوائل حين حبستهم قريش في الشعب
ومارست معهم حرب التجويع، وكان يقدم للسبعة منا داخل الزنزانة كوب ماء واحد في شدة
الصيف في اليوم الواحد (24 ساعة).
2.
حرب الإنهاك: وكان ذلك
وفقاً لخطة موضوعة؛ حيث يوقظنا عساكر السجن بطريقتهم المألوفة ضرباً بالأحذية أو
ضرباً بالسياط في الساعة الثالثة بعد منتصف الليل؛ حيث يبدأ يومنا، فننزل لقضاء
الحاجة (الدخول إلى دورة المياه) في الطابور نحمل معنا الأوعية التي قضينا فيها
حاجتنا بالليل وندور بها في طابور جرى في فناء السجن، ثم يسمح لنا بدخول الدورة
للمرة الأولى والأخيرة في اليوم كله، وذلك لمدة دقيقة واحدة للفرد الواحد، فإن
تأخر عن ذلك دخل عليه الزبانية داخل الدورة ليوسعوه ضرباً بالسياط حتى يقوم. ثم
تبدأ عملية كنس فناء السجن بالأيدي، أي والله بالأيدي عمداً ومع سبق الإصرار، وراء
طابور من الزبانية يمسك بالسياط يلهب بها من تأخر أو أهمل! وبعد ذلك عملية مسح
الحجرات والطرقات بالماء البارد في الصيف وفي الشتاء على السواء، وبعد ذلك تبدأ
"طوابير جرى" لا تهدأ ولا تفتر لمدة تسع ساعات متوالية لا يُعفى منها
شيخ أو مريض، ولا تتوقف إلا لوقت محدود؛ لتقديم وجبات هزيلة لا تقيم أود الأطفال،
وتنتهي الطوابير مع غروب الشمس، ويغلق علينا حتى الثالثة صباحاً؛ ليبدأ يوم جديد
تتكرر فيه نفس المهزلة أو نفس المأساة.
3.
حرب الإذلال: وكل ما سبق
إذلال.. لكن للإذلال صوراً أخرى أشد وأنكى..!! مثلاً.. أصروا يوم عيد.. على أن
يدخلوا علينا السرور.. فأمروا بجمعنا في الفناء ثم أمروا أن ننام على الأرض على
وجوهنا... ثم راحوا يسيرون فوق الظهور وفوق الرؤوس.. بأحذيتهم.. تنفيذاً للأوامر
الصادرة إليهم!! وأمثال ذلك كثير.. على مستوى الأفراد وعلى مستوى المجموع كله..!!
4.
حرب التعذيب: وقد كان قبل
التحقيق للحصول على الاعتراف، وكان بعد التحقيق نكالاً وانتقاماً لمدة 22 شهراً
داخل السجن الحربي، منذ يوليو وأغسطس سنة 1965م حتى يونيو سنة 1967م غداة النكسة
الكبرى التي ألمت بهم!
• تلك بعض
الأخطاء.. بل بعض الخطايا التي قارفتها الحكومة ممثلة في وزير الحربية بصفته
مسؤولاً عن باستيل مصر الرهيب "السجن الحربي" كما هو الحال في حالة
الطوارئ.. تلك الفترة الحالكة من تاريخ مصر.. وكلها جرائم وبعضها يرتفع إلى مستوى
الجنايات.
وعن إثبات
الدعوى قلت
• أولاً:
اليوم تشهد عليهم ألسنتهم: نقلت هيئة مفوض الدولة ما قاله رئيس الجمهورية
السابق أمام المؤتمر القومي العام للاتحاد الاشتراكي العربي في الجلسة الخامس من
دورته العادية الأولى المنعقدة بتاريخ 23 من سبتمبر سنة 1968م: "في مارس
1964م أنهيت حالة الطوارئ في الجمهورية (سنرى أن إنهاء حالة الطوارئ كان خداعاً؛
إذ استُبدل بها قانون يعطي رئيس الجمهورية سلطات أوسع) وما كانش فيه ولا معتقل
واحد (تحولوا إلى مساجين)..، واستمرينا على كده حتى يوليو 1965م حينما اكتشفنا
المؤامرة الإخوانية اللي قريتوا عنها في هذا الوقت.. وعلى هذا الأساس بدأت الاعتقالات
في يوليو 1965م واعتقلنا عدداً كبيراً؛ لأن ما كناش عارفين مدى المؤامرة وحدودها؛
ولأن كل يوم كنا بنعرف حاجة جديدة، واعتقل في هذا الوقت من الناس اللي خرجوا من
السجن الحربي واللي خرجوا من المعتقلات واللي كانوا في الجهاز السري، واللي كانوا
بيجمعوا تبرعات.. اعتقل حوالي ستة آلاف في هذا الوقت". ستة آلاف يا... في
قضية واحدة.. لم تطلق فيها رصاصة واحدة..!!
• ثانياً:
وتشهد عليهم قوانينهم: إن القانون الذي تم في ظله الاعتقال بعد إلغاء حالة
الطوارئ كان يعطي رئيس الجمهورية سلطات أوسع مما تعطيه له حالة الطوارئ.. وهي في
الوقت نفسه غير موقوتة بوقت.. وهكذا قنن الطغاة الظلم والطغيان، تنص المادة الأولى
من القانون 119 لسنة 1964م: "يجوز بقرار من رئيس الجمهورية القبض على الأشخاص
الآتي ذكرهم (هكذا من غير سبب!!) وحجزهم... (بغير تحديد لأي حد أقصى...!!) في مكان
أمين.. (مثل السجن الحربي...!).
1.
الذين سبق
اعتقالهم في الفترة من 23 يوليو 1952م إلى 26 مارس 1964م (هكذا من غير حصر..!).
2.
الذين طبقت في
شأنهم أحكام القانون رقم 34 لسنة 1962م المشار إليه والذين استثنوا من أحكامه...
(وبمنطق الظلم كان يكفي من طبق في شأنهم القانون، لكن الظلم افتقد المنطق فقرر
إدخال من استثنوا كذلك من أحكامه).
3.
الذين طبقت في
شأنهم القوانين الاشتراكية (ليتحقق مع خراب الديار.. الموت كذلك).
4.
الذين فرضت على
أموالهم وممتلكاتهم الحراسة وفقاً للقانون 162 لسنة 1958م المشار إليه (وهنا أيضاً
يتحقق الموت وخراب الديار!).
5.
الذين صدرت
ضدهم أحكام من محاكم أمن الدولة الجزئية (مثل جرائم التسعيرة والجرائم التموينية)
أو العليا (مثل القضايا السياسية وقضايا الاختلاس... إلخ). (من بقي بعد ذلك من
سكان مصر يمكن أن يفلت من يد الاعتقال الآثمة الملطخة بالدماء...؟؟؟)".
• أما المادة
الرابعة من نفس القانون فتقضي: "لا يجوز الطعن بأي وجه من الوجوه أمام أية
جهة كانت في قرارات رئيس الجمهورية الصادرة وفقاً لأحكام هذا القانون".
سبحانك ربي ما أحلمك...!!
• هذا هو
القانون الذي ألغيت به حالة الطوارئ..!! لقد فرض أحكاماً عرفية دائمة لا تتقيد
بمكان ولا بزمان.. وإنما يصطلي بها أهل هذا البلد.. حتى يقضي الله أمراً كان
مفعولاً..!!
• هذه الأوضاع
الاستثنائية، وهذا الطغيان المقنن.. كانت تعيشه مصر داخل سجن كبير، وكنا نختنق
داخل السجن الصغير.. في جحيم السجن الحربي الملتهب.
• ثالثاً:
بصمات المجرمين: كثيراً ما يترك المجرم بصمته في مكان جريمته. ولقد ترك
المجرمون بصمات لهم في هذه الأوراق.. فقد أشار تقرير مفوض الدولة (المقدم للمحكمة
الإدارية العليا الصادر حكمها في 9 / 6 / 1973م): "ومن حيث إن الواضح من
متابعة حلقات الضبط والاستجواب والتحقيق على النحو الذي أسلفناه أن ثمة فواصل
زمنية ممتدة تباعد بين تاريخ ضبط المتظلم وبين تاريخ إقراره بما أقر به كتابة...
وبين تاريخ بدء النيابة العامة (نيابة أمن الدولة) في مباشرة إجراءات التحقيق..
وامتداد هذه الفواصل الزمنية المتباعدة زمناً ما ينبئ عن احتمالات الضغط مادياً خلالها
على المتظلم". وقد كان التقرير رفيقاً حين قال ينبئ عن احتمالات الضغط
مادياً.
• وبصمة أخرى
للمجرمين: ذلك الإقرار الخطي المعنون "القيادة العامة للقوات المسلحة -
الشرطة العسكرية - المباحث الجنائية العسكرية". ما مناسبة تحريره؟؟ ولماذا
كان تحريره في 27 / 10 / 1965م.. بعد أكثر من شهرين من القبض على المدعي... لماذا
لم يحرر في 25 / 8 / 1965م أو في 26 / 8 / 1965م أو في 27 / 8 / 1965م، وقد كان
القبض في 24 / 8 / 1965م... ماذا كان يجري خلال هذين الشهرين حتى تم كتابة هذا
الإقرار في 27 / 10 / 1965م....؟؟
• رابعاً:
كلمات مؤمنين بإذن الله... تُقال من داخل السجن، وثمنها -يومئذ- غالٍ! ولو لم
تكن صادقة ما قيلت..
- إشارة في التظلم المقدم في 8 / 9 / 1968م
إلى رئيس مجلس الدولة.
- إشارات في أول مذكرة مكتوبة للمدعي في 4 / 4
/ 1972م (من غير إذن سلطات السجن).
- كلمات عن التعذيب بجلسة 16 / 6 / 1972م أمام
لجنة التظلمات بمجلس الدولة.
- كلمات أخرى بجلسة 14 / 4 / 1973م مسجلة
بمحضر الجلسة أو مكتوبة في المذكرة المقدمة وصرخة من الأعماق: "لئن كنت
نفيت عن نفسي كل عمل جنائي ولا زلت أنفيه، فإن اختلافي مع العهد الذي تساقط
ابتداء من سبتمبر 1970م تهمة لا أنفيها وشرف أدعيه"، ثم "لا يكفي
رد الحق لرد الاعتبار".
• واختتمت
المذكرة بنفس الكلمات التي بدئت بها: "يهون العمر ولا نخون، والكذب خيانة،
وقاضٍ بذل في الله ثماني سنين.. لا يكذب ولا يغش ولا يخون".
• والأمر أمر
قيم ومثل... تبقى أو تزول. • والأمر أمر قضاء... يقتص له أو يهون. • وفي السكوت
موت... ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾
[البقرة: 179].
• ولله الأمر
من قبل ومن بعد.