; النقد الذاتي للحركة الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان النقد الذاتي للحركة الإسلامية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 05-يناير-1993

مشاهدات 37

نشر في العدد 1032

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 05-يناير-1993

 

النقد الذاتي للحركة الإسلامية

تفتح صفحة «المجتمع التربوي» أولى حلقات النقاش حول قضية «النقد الذاتي» في الحركة الإسلامية، وهي الميزة التي تتميز بها الحركة الإسلامية دون غيرها من الحركات التي تغض الطرف عن أخطائها، ولا تعطي أفرادها فرصة التصحيح من خلال النقد الذاتي، الأمر الذي يؤدي دائمًا إلى تشرذم هذه الأحزاب، وكثرة الخلاف فيما بينها، ثم الذبول في المجتمعات، وذلك على حساب التقدم المضطرد للحركة الإسلامية، والبروز الواضح في المجتمع؛ بسبب التصحيح الدائم للمسار، وإعطاء الفرصة الكاملة لأفرادها للتصحيح من خلال «النقد الذاتي»، وذلك لأن الحركة الإسلامية تعتمد «النقد الذاتي» كأصل من أصول عملها الإسلامي من خلال نصوص كثيرة في الكتاب والسنة، كلها تنصب في التركيز على قضية «النصيحة وأهميتها»، و«المجتمع» حين تطرح هذه القضية إنما ترمي إلى إيضاح هذا الأصل، وذلك بعدما اعتراه شيء من اللبس عند قطاع ليس بالقليل من أفراد الحركة الإسلامية، ولتوحيد المفاهيم الإسلامية في القضايا الأساسية.

والمجتمع التربوي على أتم الاستعداد لاستقبال المشاركات من قبل القراء الكرام حول هذا الموضوع خاصة من قبل المفكرين الإسلاميين والدعاة البارزين في حقل الدعوة الإسلامية، ونبدأ هذا النقاش بالالتقاء مع ثلاثة من أبرز العاملين في الحقل الإسلامي وهم:

فضيلة الشيخ جاسم مهلهل الياسين- الكاتب الإسلامي، والأمين العام للحركة الدستورية الإسلامية-، وفضيلة الشيخ ناظم المسباح- الداعية والخطيب البارز في مساجد الكويت-، والأستاذ محمد سالم الراشد- التربوي والصحافي المعروف في أوساط الدعاة في الخليج-.

والأسئلة المقدمة من «مجلة المجتمع» تنحصر في خمسة أسئلة، وهي على التوالي:

  • السؤال الأول: هل النقد الذاتي داخل الحركة الإسلامية ظاهرة صحيحة أم مرضية؟
  • السؤال الثاني: هل هناك فرق بين النقد والنصيحة؟
  • السؤال الثالث: يوجد في الحركة الإسلامية تياران، الأول يرى النقد العلني، والآخر يرى النقد الداخلي، فما مميزات وعيوب كل من هذين التيارين؟
  • السؤال الرابع: هل توجد هناك ضوابط وأصول تحكم عملية النقد الذاتي؟
  • السؤال الخامس: هل من الممكن إعطاؤنا صورة عملية للنقد الذاتي؟

وبتوجيهنا السؤال الأول للإخوة المشاركين أجاب أولًا الشيخ ناظم المسباح، فقال:

الشيخ ناظم: بعد الحمد لله.. لا شك أن النقد الذاتي في الحركة الإسلامية ظاهرة صحيحة؛ لأن هذا له ما يدعمه من كتاب الله- تعالى-؛ لأن النقد البناء هو النصح، وهو التواصي بالحق، والتواصي بالصبر، والله- تعالى- قال: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ * وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (العصر 1-3).

وكذلك في الحديث الصحيح المشهور عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «الدين النصيحة»، وهذا حديث عظيم عظمه أهل العلم، وجمعه النووي في الأربعين؛ ذلك لما له من أهمية، فالرسول بيّن قاعدة من قواعد الدين، وركن من أركان هذا الدين «التناصح»، وكذلك نحن بصفتنا دعاة إلى الله- تعالى- على مختلف المشارب، التي ننتمي إليها، أقول: نحن أحوج ما نكون إلى النقد الذاتي لحركتنا ومنهجنا في الدعوة إلى الله تبارك وتعالى، والذي يدعو إلى ذلك أمور كثيرة فعُمر هذه الدعوة الموجودة والحركات الطيبة التي تسعى إلى إعادة هذه الأمة لعزها ومجدها، أقول: إن أقل حركة الآن عمرها ربع قرن، وهناك حركات أخرى بلغ عمرها نصف قرن، ولا شك أننا أحوج ما نكون إلى النقد الذاتي حتى نقوم عملنا، كذلك من الأمور المهمة التي نجدها عند أهل الدنيا أننا نجد تاجرًا يتاجر في مهنة ما، فنجده يحسب الحساب لها، وينظر هل حقق الهدف من هذه التجارة أم لا، فأقول نحن في الحقيقة علينا أن نهتم بهذه القضية؛ لأننا دعاة خير ودعاة إصلاح.

والأهداف المطلوبة منا عظيمة جدًا، مرتبط بها صلاح البشر في الدارين، فالإجابة على هذا السؤال أقول: نعم، ظاهرة صحيحة يسندها من كتاب الله آيات كثيرة، كذلك يسندها أحاديث من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كثيرة، وكما قلت: نحن أحوج ما نكون إلى هذا الأمر؛ لأنه كما نرى الآن كثيرًا من دعوات قائمة، وقد حققت الكثير من أهدافها، فمثلًا اليهود كدعاة لمنهج معين حققوا أهدافهم، وأقاموا دولة تحمي كل يهودي في الأرض، وتدافع عنه، وكما نرى إذا انتهكت حرمة يهودي في أي بقعة من بقاع الأرض فإن له دولة تتحرك للدفاع عنه، كذلك النصارى لهم دولة قائمة تحميهم وتدافع عنهم إلا نحن المسلمين لا حول ولا قوة إلا بالله، يعني أصبحنا في حالة لا تخفى على أحد متتبع لأحوال المسلمين.

الشيخ جاسم مهلهل:

النقد في حد ذاته مرآة تنعكس عليها أعمال الإنسان، ومن ثم من يراها صوابًا، نما وزاد وانطلق، ومن يراها خطأ أحجم وعالج وألقى، والمرآة العاكسة في صورها وانعكاساتها إما مضخمة أو

معطية الصورة الحقيقية وإما مشوهة أو كما يقول المتحدثون في هذا المجال: إما أن تكون مرآة مستوية أو مقعرة أو محدبة، فالنقد في حد ذاته إما أن يكون لمرآة مقعرة، وإما أن يكون نتيجة لمرآة محدبة، أو مرآة مستوية، فإن كان بالصورة الأولى فلا يعطي الأمر الحقيقي، وفي الصورة الثانية كذلك، وإن كان في الصورة الثالثة «المرآة المستوية» فهو الأمر المطلوب، والنقد الذاتي قد يصل في مفهوم العمل الإسلامي الجماعي إلى الوجوب، والإنسان اليوم بحاجة وهو يسير إلى أن يقف ويراجع ما تم بالأمس؛ ليضمن سيره على هدى في الغد، وبهذا المنوال يستطيع أن يخطو خطوات منضبطة ومنسجمة مع خطواته السابقة، وذلك موافقة لواقعه وطموحه وقدرته، فالنقد الذاتي في حد ذاته ليس بالأمر السلبي إنما في مجمله يأتي بخير ما لم يشوه بأسلوب أو بطريقة، أو بمنهج فيكون الخطأ بالطريقة أو بالأسلوب أو بالمنهج، أما النقد بحد ذاته وفي أطره الصحيحة أتصور أنه لازم ولا بد منه لتحقيق المسار الصحيح.

الأستاذ محمد الراشد:

الأمر يدور مع الشرع، فحيثما دار الشرع وجب على الحركة الإسلامية أن تدور معه، وعملية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي عملية لا تختص فقط في ظواهر الفساد الموجودة في المجتمع، إنما كل قضية فيها مخالفة لشرع الله- عز وجل- يتبقى قضية النقد الذاتي، والنقد يدخل في باب النصيحة، فالله- سبحانه وتعالى- أمر بالنصيحة، وفي الحديث الصحيح الوارد النصيحة تكون لله ولرسوله ولعامة المسلمين كما ورد في الحديث الصحيح، فهناك من يسمي هذه النصيحة النقد الذاتي، أي الإنسان ينقد ذاته، والحركة تنقد ذاتها، ونحن في الحركة الإسلامية يجب علينا التناصح فيما بيننا، هذا من حيث الأصل وهو وجوب التناصح بيننا كمسلمين، ولكن حقيقة متى تصبح هذه الظاهرة مرضية لا يمكن أن تعتبر هذه ظاهرة صحية أو مرضية إلا إذا نتج من هذه النصيحة ضرر أو فساد، كأن يدخل في ضمن هذه النصيحة التشهير والتجريح، أو وضوح ظهور الهوى فيمن ينصح، ومن ينقد هذا جانب، وهو جانب يتعلق بالناصح وتصبح ظاهرة مرضية في جانب المنصوح إذا كان هناك نوع من أنواع إخفاء النقائص من أجل فرض التمكين الذاتي، وهذا لا يجوز أصلًا كأن يريد القائد أن يتمكن ذاتيًا في موطنه القيادي، فلا يرضى لأحد أن ينقده أو ينصحه، فبذلك تصبح ظاهرة مرضية، ولكن الذي يحكم كون هذه الظاهرة صحية أم مرضية، هي الظروف المحيطة فيما تمر به الحركة سواء كانت هذه الظروف مكانية أو ظروف زمانية بحسب الحدث، فبالظروف المكانية قد يكون هناك العمل الإسلامي بحكم طبيعة العلمانية اليوم، وتحكمها بأنها ترفض أن يوجد عمل إسلامي على وجه الأرض، أو أن يكون مكشوفًا، وبالتالي تلجأ كثير من التنظيمات الإسلامية والجماعات الإسلامية إلى عمل في أطر خاصة فيها، وتبلغ دعوة الله- تعالى- بصورة تمكنها أن تعيش في داخل المجتمع، ومن هنا أصبح عملية نقد الحركة الإسلامية بصورة تضر فيها وتكشف عورتها وسوآتها، بحيث تمكن لأعداء الله فيها، فهذه تعتبر ظاهرة مرضية، ولكن إذا كانت الحركة الإسلامية بوضع يتيح لها أن تنقد دون أن تضر ولها إمكاناتها في أن تواجه كل الضرر، الذي يصيبها من هذا النقد، فإذًا أعتقد أن هذه النصيحة يجب أن تكون، فتصبح ظاهرة صحية وليست مرضية، فالصحة والمرض محكومة بأمرين أساسين، الأمر الأول: ما يتعلق بطبيعة الناصح والمنصوح.

والأمر الثاني: ما يتعلق بطبيعة الظروف المكانية والزمانية؛ للدعوة لكن في النهاية النقد الذاتي داخل الحركة الإسلامية بالنهاية يعتبر ظاهرة صحية إذا كان في أطر واضحة المعالم، ووفق أسس واضحة، وجميع الأطراف متعارفة أن هذا النقد وبهذه المبادئ وبهذه القواعد المتعارف عليها بين أصحاب الحركة الإسلامية أنه لا يضر بل ينفع، فهذا حقيقة ليس فيها أي ضرر.

المجتمع: نريد أن توضح متى تكون الحركة الإسلامية مهيأة لتفادي الأضرار التي يمكن أن تنتج عن النقد العلني؟

  • حقيقة لا يوجد هناك مقياس دقيق، لكن في كثير من الأمور تتوهم الحركة الإسلامية عندما تُنقد أن ذلك النقد سوف يسبب لها هذا أضرارًا، وأعتقد أن الحركة الإسلامية يجب أن يكون لديها الشجاعة في مواجهة النقد، والنصيحة التي تُنصح فيها؛ لأن الحركة هي أوسع من الفرد، وأوسع من الاتجاه الصغير الذي يحاول ينقدها.

الجانب الثاني أن الحركة الإسلامية ربما ينفعها هذا النقد لنشر فكرتها عندما ترد وتصحح الأوضاع، وعندما تبين للناس أنها لا تمثل إطار النظام الديكتاتوري أمام الناس، وأن هناك تناصح، وهناك أخذ وعطاء وتبادل في الأفكار والمسائل، فأنا أعتقد أنه ليس هناك أي خطر على الحركة الإسلامية سوى أن هناك ضعفًا أساسًا في الحركة الإسلامية؛ لعدم اهتمامها بالجانب الإعلامي؛ لأن النقد الذاتي عادة ما يكون ضمن أدوات إعلامية إن كان مجلات أو جرائد أو صحف، ومشكلة الحركة الإسلامية أنها لا تملك هذه الوسائل بصورة خاصة أو بصورة تمكنها من أن تطرح رأيها بشجاعة وبوضوح وبصراحة، وهذا هو الذي يجعل الحركة الإسلامية تتخوف من قضية النقد الذاتي، ولكن في الواقع أن الطرف الآخر عندما ينقدها ليس متاح له نفس الأدوات خاصة عندما نقول نقدا ذاتيا، فإننا نعني أن هناك أطرافا إسلامية جميعًا، وكلهم في إطار واحد، فهذا هو النقد الذاتي، فإن الذي ينقد الحركة من خارج الحركة، فهذا ليس لنا عليه سبيل، ولكن كون أن هذا الطرف الآخر ليس له أدوات تعبير، فلماذا لا تتوجه الحركة الإسلامية بكتابها ومفكريها إلى هذا النقد الذاتي؟، أما أن يكون هناك خطأ واضح، فيجب توضيحه للناس وتصحيحه، وأنه قد يكون الطرف الآخر متوهمًا أو لم تصله المعلومات كاملة أو في هوى، فيجب على الحركة أن توضح موقفها، أما وأن الحركة الإسلامية لم تجرب أو لم تمارس هذه التجربة على العلن هو الذي يخوفها من أن تمارسها، وتشعر أن بها خطورة على الحركة الإسلامية فهذا وهم، لكن في اعتقادي أن ليس بها أي خطورة على الحركة الإسلامية، وهذه القضية مورست في كثير من الأزمان، دائمًا الذين ينقدون الحركة الإسلامية بصورة غير موضوعية، ودائمًا نجدهم يبتعدون ولا يستطيعون أن يصححوا المسار، وتظل الحركة الإسلامية سائرة ولا تضرها سهام المغرضين، لكن هل الحركة الإسلامية تنتفع من هذا النصح ومن هذا النقد؟، أنا أعتقد أن هذا هو التحدي، وكيف تستطيع أن تستفيد من هذا النصح ولا نفكر بالأخطار، فهناك أخطار كثيرة على الحركة الإسلامية، وهناك وسائل كثيرة؛ تسبب خطرًا على الحركة الإسلامية، وليس هو النقد الذاتي فقط، الذي يسبب للحركة الإسلامية الخطر.







 

 

الرابط المختصر :