; حوار.. مع الشيوعيين في أقبية السجون- الحلقة التاسعة- البلاغ المبين.. بالحجة و السلوك معا | مجلة المجتمع

العنوان حوار.. مع الشيوعيين في أقبية السجون- الحلقة التاسعة- البلاغ المبين.. بالحجة و السلوك معا

الكاتب عبدالحليم خفاجي

تاريخ النشر الثلاثاء 30-يناير-1973

مشاهدات 23

نشر في العدد 135

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 30-يناير-1973

  • المداخل إلى النفس البشرية.. متنوعة.. زمانًا ومكانًا واستعدادًا
  • اليقين.. من خلال دارسة الظاهرة المرئية
  • وفي «مقام اليقظة» نرى الأشياء رؤية أدق وأجمل

خرجت مشغول الخاطر إلى طابور صباح الجمعة أفكر فيما يمكن أن يقال مع مطلع أسبوع جديد من العمل في قضية إثبات وجود الله تعالى بأسلوب علمي يقبله ويقتنع به الجميع.. فإذا كنا قد ألفنا تناول هذه القضية وسط المؤمنين بها عادة على سبيل الإضافة إلى هذه الحقيقة المستقرة في القلوب بما يزيدها بالعلم وضوحا وبالعمل استقرارا، فإنا اليوم أمام من ينكرونها أصلا، ليس ذلك فحسب، بل يترصدون لكل حجة ضعيفة ولكل منطق سقيم، بل ربما كابروا وجادلوا في الحجة القوية، فهم لا يعنيهم أن تطمئن أنت إليها قلبيا بطريقتك الخاصة، بل يعنيهم أن تقنعهم بها عقليا في الدرجة الأولى.. لا شك أنها تجربة جديدة وجديرة بأن تشغل البال، كما أنهم على حق أيضا!

  • فهل يشع لنا إشراق هذه الحقيقة في نفوسنا إشراق الشمس في سمائها وأنها لا تحتاج في حياتنا إلى دليل أسوةً بمن قال قبلنا عن الله: «ومتى غاب حتى يستدل عليه؟»، أو بمن قال: إننا نستدل بالله على وجود الأشياء ولا نستدل بالأشياء عليه»!
  • وهل يشفع لنا كوننا في تعامل يومي ومباشر مع الله بما نلمسه من فيوضات ربانية لا تنقطع تؤكد معية الله سبحانه لرسله في دعوتهم وفي محنتهم مع أقوامهم، وتقدم لنا صورة فريدة من تفسير القرآن الكريم، بإعادة الوقائع، فكل ما نمر به اليوم نجده متطابقا مع نظيره في المصدر الأول فيزيدنا إدراكا لمرامي الآيات الشريفة ومشاركة لسلفنا الصالح وقربا من الله وثباتا في مستقبل هذا الدين.
  • وهل شفعت هذه الحقيقة المشرقة من قبل لرسل الله مع أقوامهم وهم يستغربون موقف الإنكار منهم ويقولون لهم: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (إبراهيم: 10).

ترمومتر «السلوك الفطري»

نعم كل هذا لا يشع، وكل الأدلة المقنعة لا تشفع إذا كان في النفوس حائل أو على قلوب أقفالها.. هذا الحائل يزداد سمكًا أو رقة من فرد لآخر ومن وقت لوقت في الفرد الواحد، وهو موجود على الدوام في حياة المكذبين بالرسل.. هذا الحائل هو «السلوك العملي».. ولا غرابة في الأمر.. فبمقدار اقتراب السلوك العملي أو الابتعاد عن «السلوك الفطري» أو «الأخلاق الأساسية» -بتعبير المودودي- يكون هذا الحائل أخف أو أغلظ.

وقياس حرارة السلوك العملي بترمومتر السلوك الفطري، أمر يهم كل داعية ليعرف أنواع الانحراف النفسية في الشعوب والأفراد، وأيها من الأمراض البسيطة، وأيها من المستعصية.. وإذا تعمقنا في السلوك العملي لأبي جهل وأبي لهب بما كان فيه من غدر والتواء وحقد أعمى وجدناه بنظرة منذرًا من البداية بنهايتهما الأليمة.. وكان بنو إسرائيل النموذج الغريب لشعب تقتله هذه الأمراض الخبيثة.. وإذا تعمقنا في السلوك العملي للذين هداهم الله إلى الإسلام فيما بعد لوجدنا في ماضيهم السابق على الهداية ما ينبئ عن هذه الخاتمة السعيدة، فقد سجل التاريخ شهادة أبي سفيان الصادقة عن الرسول صلى الله عليه وسلم لدى هرقل، وما كانت لتصدر من مثل أبي جهل أو أبي لهب، كما سجل له أيضا معرفته لأقدار الرجال، فعندما شاع خبر مقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المشركين في غزوة أحد وجاوبه عمر بن الخطاب بنفي الخبر.. قال له: إنه أصدق عندي من ابن قميئة.. ولم يكن ليغيب هذا السلوك العملي بين فرد وفرد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فهو يعرف جيدا الفرق بين خالد وأمية بن خلف وهما على شركهما، فنراه يقول: «ما مثل خالد يجهل الإسلام.. وإن لخالد لعقلا».

وما كان يلتقي بأحد من رؤوس العرب حتى يبدره بقوله: أنت القائل كذا؟ أأنت الذي تفعل كذا؟ فيدرك الرجل أن حياته العملية والفكرية لم تكن خافية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فبقدر ما تكون عليه حياة الفرد أو الشعب من خصائص المروءة والكرم والشجاعة والصدق والرحمة والتجرد يكون اقترابه من السلوك الفطري وتكون خصوبة نفسه لاستنبات بذور الإيمان فيها.. فإن كان أقرب إلى (هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ. مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ) كان أرضا مجدبة يصعب فيها استنبات أي عود أخضر.. إذن فثمت مشكلة أخرى ستقابلنا خلاف المشكلة الفكرية.. طبيعتها هذه المرة أخلاقية.. بل إنها ستكون مفتاح صعوبة أو سهولة الإقناع بموازين الفكر.

أليس أن هناك من أضلهم الله على علم، وأن هناك من ﴿جَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾.. فهل سيكفينا في هذا المقام الإقناع العقلي وحده لكي يتحول الفرد بعده تحولا مفاجئًا من اعتقاد إلى اعتقاد.. ربما حدث ذلك للبعض إذا كان وراءه خلفية من السلوك الفطري، ولكن بالنسبة للجميع فسنظل أمام نفس المشكلة!

ولكن هل المشاكل مجتمعة لا تعفينا من مسؤولية البلاغ ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ (الرعد: 40)، و﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ (القصص: 56).

ويبقى لنا من خبرة السلوك العملي تبصرة الداعية بنفوس الناس وبنوع الأرض التي يبذر فيها وأن يصيخ لنداء الحق دائمًا ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (الحديد: 17) و﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (آل عمران: 128).

والتجربة العملية معنا قد أكدت أن الذين تميزوا من الشيوعيين منذ البداية بخصائص أخلاقية كانوا في النهاية من المسارعين إلى الحق.. وأن الذين أعيانا التواؤهم وتذبذبهم ظلوا على ما هم عليه من الظنون والأهواء.. وتبقى حقائق العلم معلقة فوق رؤوسهم كناقوس يدق لا يعفيهم من المسؤولية مهما هربوا من النور ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ (المؤمنون: 117).. ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ (الشورى: 16).

في الزنزانة

● وتضمُّنا داخل الزنزانة جلسة خاصة بالإخوة يلتقي فيها الخاطر بالخاطر والفهم بالفهم والقلب بالقلب.. في صدق مع هذه القضية الخالدة التي لا تبوح بأسرارها إلا لمن يستعذب البذل في سبيلها ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (العنكبوت: 69).. ويأتينا صوت صادق:

  • إنني أشفق يا إخوة من الهبوط بهذه القضية الكبرى إلى مستوى المجادلة.. إني أراها في حسي أعظم من ذلك.
  • أخ آخر: وأنا أذكركم أن وسيلة البشر في اكتساب الإيمان منذ آلاف السنين هي نفس وسيلتهم بعد آلاف السنين؛ إنها القلب أو الفؤاد، ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء والمعراج: «رأى قلبي ربي»، وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ (الحج: 46)، وقال جل شأنه في سورة (ق) بعد سرد للحياة والتاريخ: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ (ق: 37)؛ فلماذا تحصرون القضية في العقل؟!
  • أخ ثالث: لا محل للإشفاق فليس فيما نقوله تعارض مع دور العقل ورسالته، وكأني بك تريد أن تقدم شيئا على شيء.. العقل أم القلب؟ ولا شك أن الإيمان أعظم من أن يدخل على النفس من باب واحد.. وأولوية الأبواب تختلف من فرد إلى فرد ومن وقت إلى وقت ومن مكان إلى مكان، فهناك من تلزمه مسؤولية الفكر وهناك من يكفيه الاتباع.. وقد يسبق الأخير بعمله العالم بعلمه إن فقد العمل.
  • أخ رابع: غير أن الكمال يتحقق حين يجتمع العقل والقلب معا على هذه القضية، فعندئذ يتزاوج العلم والخلق ويولد الإنسان الكامل على الأرض ويكون العالم المؤمن أشق على الشيطان من ألف عابد جاهل.
  • أخ خامس: وقد رأينا كيف ضلت قلوب كان أصحابها لا ينقصهم العلم بالله، مثل إبليس، ورأينا كيف يتزلزل إيمان لا يعصمه العلم.. وإذا كان للأولوية بينهما جدوى فإنه لا أجدى من أن تكون الأولوية مع هؤلاء الماديين لباب العقل ومنطق العلم.. ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ (الحج: 54).. ثم ألستم معي أن قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّاۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (الحجرات: 14)؟! ألستم معي أن هذا القول الحكيم يكفينا الجدال في هذا المجال؟ فبالعلم يدخلون الإسلام وبالعمل يذوقون الإيمان.

● وحملت الأيام التالية والجلسات المتفرقة والمجتمعة مع الشيوعيين ترجمة عملية لهذه الخواطر والأفهام.. بعض هذه الجلسات قد لمست أثره في النفوس بعد الإفراج بسنوات، وبعضها أنقل منه مشهدا حيا للقراء، وبعضها قد ربط بين كل ذلك في تسلسل منطقي كان هو كل ما في استطاعتنا في ذلك الوقت.. ولنا جولات بينها.. أما عن الأثر الممتد إلى ما بعد الإفراج فقد جرى على لسان الصديق الدكتور أحمد كمال أبو المجد حين سألني:

  • أتعرف الزميل «فتحي» الذي كان معكم في فترة «البعثة»؟
  • أعرفه جيدا.. وأعرف أنه اليوم يشغل منصبًا صحفيا عالميا..
  • ما رأيك فيه؟!
  • إنه دمث الأخلاق مستقل الشخصية هادئ الطبع وقد كانت له مواقف كثيرة في مواجهة زملائه كلما عمدوا إلى المغالطة والتلبيس، انتهت به إلى الاستقلال عنهم كتنظيم، وأعتقد أنه بمؤهلاته النفسية سيستقل عن الماركسية كفكر متخلف يوما ما..
  • هذا ما أتوقعه أنا الآخر بالفعل، ولسؤالي عنه سبب يتصل بهذا التقدير.. فأثناء عودتنا معا بالسيارة من السويس إلى القاهرة بعد جولة في الاتحاد الاشتراكي قص علي أبرز ما تركته فترة «البعثة» في نفسه، وبصفة خاصة ذلك السؤال الحائر الذي يطالعه في نومه ويقظته ويقفز من بين أوراق مكتبه حتى وهو غارق في مواد التحرير، وعلى وجه الخصوص كلما مر على شجرة، حتى نغص حياته!
  • ما هذا السؤال العجيب الذي شغلتني به أيضا؟!
  • هذا السؤال هو.. أين المدير؟!
  • فضحكت وقلت: زدني إيضاحا.. فالشيء الوحيد الذي اتفقنا عليه من أول يوم هو كراهيتنا لمدير السجن!
  • قال: بل هو مدير آخر.. والسؤال عنه جاء من أحد الإخوة المهندسين.. كما علمت من الزميل فتحي.. وقد بقي السؤال معلقا فوق رأسه يدق كناقوس يمنعه من الهروب.. قصته أن الأخ المهندس في جلسة له مع مجموعة من الشيوعيين أحضر معه شجرة صغيرة من نباتات الصحراء، ولبث يشرح عليها مراحل الإنتاج لهذا المصنع الصغير منذ دخول المواد الخام من الأنابيب التي نسميها الجذور، إلى أفران الصهر، إلى غرف التغليف والتعليب! ونجح هذا الأخ بقدرته العلمية في جعلهم ينسون تماما أنهم أمام عود من النبات واستهواهم شرحه وعلمه، ولأول مرة يلاحظون أنهم بالفعل أمام مصنع رقيق صامت يضج بالحركة وبالسرعة في الإنتاج، وتفاعلت شحتنا العلم والإخلاص في نفس المحاضر فخرجت عباراته من القلب حائل الإلف والاعتياد وزرعت الاندهاش في النفوس، وفجأة دوى صوته العميق: هذا مصنع كامل تدب فيه الحركة والانتظام فأين المدير؟! ومن يومها وهذا السؤال يطارده كالشبح وخاصة كلما رأى شجرة!

فبعث الله دودة!

أترك هذا المشهد لأعود سريعا إلى حيث كنا في الزمان والمكان اللذين لم يستنفدا دورهما القدري بعد لكي أقدم مشهدا آخر فيه شيء جديد يمتد أثره في نفسي حتى اليوم وإلى ما شاء الله، وكنا -نحن والشيوعيون معا في هذا المشهد- نشترك في التلمذة على معلم عجيب..

ففي يوم قائظ الحر- والصيف سريع المجيء في الصحراء- دوت صفارات العودة من العمل وتوافد الجميع من كل صوب إلى مكان التجمع.. لكن شيئا جديدا تحمله بعض الأيدي.. إنه أعواد من نبات السكران ذي الورق العريض يستظل بها صاحبها تارة أو يسعد بخضرتها تارة أخرى.. ولم يفطن أحد أنها تحمل معها نفعًا آخر وسرا أكبر إلا بعد أن جلسنا في أرض الطابور.. طالت جلسة الانتظار فوق نصف الساعة.. وفي هذا اليوم على غير المعتاد اختل نظام الجلوس بسبب تحلق أعداد من الإخوة والشيوعيين حول أعواد السكران هنا وهناك.. لقد اكتشفوا فيها شيئا جديدا مدهشا راحوا في متابعته.. إنها دودة سمراء في حجم دودة القز تتدلى بأعداد كثيرة من أوراق النبات بواسطة خيوط حريرية دقيقة.. والأنظار تنتقل من دودة لأخرى كأنهم يتابعون أروع الاستعراضات الرياضية.. الملامح واحدة والعيون محدقة والأنفاس لاهثة يتصايحون تارة ويصمتون تارة أخرى كأن على رؤوسهم الطير.. لا فرق في هذا المقام بين أبيض وأحمر، فالكل في معمل الصحراء والتلمذة سواء.. وسيدة الموقف هي الدودة التي تغير جلدها بما فيه من رأس وصدر وأرجل في دقيقة أو أقل وبعد عدة تقلصات تتخلص من الجلد بعد أن تتكور محتوياتها الداخلية وتأخذ شكل قنديل أخضر اللون في حجم حبة العنب يظل معلقا بالورقة بنفس خيط الدودة الأم.. وفي نفس لحظة سقوط الجلد وخروج القنديل تقوم كل مجموعة بشق القنديل على الفور، فإن جاء الشق قبل انفصال الجلد بلحظة نزل على الأيدي سائل أزرق اللون، وإن تأخرت عملية الشق لحظة أخرى حتى يسقط الجلد نزلت على الأيدي حورية جميلة خلابة المنظر (أي حشرة صغيرة) تهتز أجنحتها المغطاة بشعر خفيف وتختلج اختلاجة مولود جديد يستقبل الحياة.. ولكنها شيء أغرب من كونها مولودا؛ لأن تكوينها كله تم في لحظة.. إن يدا سحرية قد صنعتها على التو من هذا السائل العجيب.. يا لها من لحظة واحدة بين حالة السيولة والخلق الجديد! وتبارت المجموعات في محاولات الإمساك بلحظة التحول هذه وتوالت عمليات الشق.. الكل يريد أن يمسك بيده هذا الشيء العجيب الذي يجاورنا بل يتحدانا.. ولم تنجح مجموعة واحدة في ذلك.. ولم يمار أحد في أن شيئا عجيبا كان يعمل بسرعة البرق من عملية الشق ويعمل بقوة وبدقة لا تتناهى وبإبداع ليس بعده إبداع.. شيء أقرب ما نتصور.. والكل يردد كلمة واحدة: «شيء عجيب»!

وقام الطابور في اتجاه مبنى السجن ولم يكن لنا حديث على مدار الطريق إلا هذا الموضوع، ولم يكن بأيدينا غير أدوات العمل وأعواد النبات تشرئب إليها الأعناق وترنو الأبصار مما أربك حركة الطابور..

عشت هذه اللحظات بطريقتي الخاصة.. أسرح الطرف في الصحراء والآفاق الممتدة من حولي وأسرح بالخاطر بعيدا إلى صحراء أخرى كانت محضنا لأول بيت وضع للناس ومهبطا لخاتم الرسالات، وإلى صحراء أخرى كلم الله فيها موسى، وإلى صحراء أخرى كانت مهوى لأفئدة الصدر الأول، يعلمون في مرابعها أبناءهم الفروسية والفصاحة.. إنها الصحراء دائما، فأي سر فيها؟!

وأدخل في خاطر آخر أعجب وأولع في النفس من سابقيه حين أتذكر أن القرآن الكريم يعلمنا «ألف باء» الإيمان حين يطالبنا بنفس الكلمة التي نطقت بها شفاهنا جميعا حين تجردنا من ضغط المصالح والأهواء وقلنا معًا: شيء عجيب! ويرضى القرآن بنا هذا المدخل البسيط وأن نفهم أن هناك شيئا عجيبا يقوم بعملية الإنشاء في كل كائن حي، وعلينا أن نترقى خطوة أخرى بالبحث في خصائص هذا الشيء.. ويا له من إعجاز يملأ النفس حين تنطق الآية الشريفة بنفس الحروف: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ (الطور: 35).

ويوم أن يترقى وعينا بهذا الشيء سنعلم أنه ليس كمثله شيء.

الجواب الآخر.. بنفس الأسلوب العلمي في المعرفة

من كل ما سبق يتبلور لدينا في النهاية قدرة جديدة على تناول هذه القضية بثقة عميقة وبأسلوب علمي لا محل فيه للظنون ولا مطعن عليه من أحد.. وما وجدنا عليه اعتراضًا أكثر من الصمت الذي فسراه بالموافقة الخفية أو الوعد بإعادة البحث مع المختصين الذي فسرناه بالخلوة مع النفس للمراجعة، وفيما يلي مجمل ما قيل في أكثر من مقام:

في جميع أوجه نشاطنا الإنساني ألفنا أن نتعامل مع جانب ظاهر من الحقيقة في الوقت الذي يغيب عن حواسنا الجانب الآخر منها.. وقد استطعنا علميا معرفة هذا القدر المغيب معرفة تامة بدراسة الجانب الظاهر المرتبط به والذي يعتبر امتدادًا له.

لقد وقفنا باستخدام قوانين الكتلة والطاقة على سر تركيب الذرة في أطوارها وعلى وظائفها ثم أيدت القنبلة الذرية الأولى ما وصل إليه العلماء من نظريات.. وعرفنا نظرية التيار الكهربائي بنفس الطريقة.. واكتشفنا عنصر الهليوم في الشمس قبل أن نعثر عليه في الأرض بدراسة إشعاعاته.. وحدد العالم الفلكي الفرنسي Le Verrier (1811 – 1877) بالحسابات الفلكية حجم ومدار الكوكب نبتون ثم رصدته المناظير فيما بعد.

لقد صار أمرًا مألوفًا في كل فرع من فروع العلم أن نتعامل مع الجانب المغيب من الحقيقة من خلال الجانب الظاهر منها، لقد أفضى بعضها إلى بعض..

فإذا استخدمنا نفس الأسلوب للكشف عن المستوى العلمي للإنسان من خلال شجاعته وآثاره استطعنا أن نقف من خلال دراسة أي أثر له (ولتكن الطائرة مثلا) على مستوى من أنتجوا طائرة سنة 1940 ومن أنتجوا طائرة سنة 1950، ومن أنتجوا طائرة سنة 1960... وهكذا.

وهروب التجسس القائمة بين المعسكرين تعتمد على الحصول على أي معلومات مكتوبة أو مصورة أو مسموعة ليقوم الطرف الآخر بتحليلها والوقوف على المستوى العلمي لخصمه الكامن وراءها.. كل هذا من غير أن تقع أبصارنا على أشخاص العلماء الذين صنعوا هذا الشيء محل الاهتمام، بل من خلال تحفظ الدول الشديد عليهم..

فماذا نعني بعبارة «المستوى العلمي» عند دراستنا لطائرة وقعت في أيدينا؟ كما حدث أن أغوت إسرائيل أحد الطيارين بالفرار بطائرته إليها قبل المعركة.

نعني بالمستوى العلمي مجموعة الصفات المشتركة في إخراج المواد الأولية إلى عالم جديد هو عالم الطائرات المصنوعة، فكل عالم اشترك في إنتاج هذه الطائرة قد أسهم بإضافة صفة من صفاته هو إليها.. بل إنه قد بث فيها أبرز صفاته وهي مواهبه.. فالعقلية الميكانيكية متضافرة مع الكهربية متضافرة مع الرياضية متضافرة مع الكيماوية إلى غير ذلك من مختلف التخصصات العلمية، كلها قد اشتركت من خلال تخصصاتها -أي من خلال صفاتها- لتخرج لنا إلى عالم الوجود طائرة معينة..

ونستطيع أن نتابع الفرق بين تخصصات أو صفات منتجي طائرة سنة 1940، سنة 1950، سنة 1960 وهكذا أي نتابع التقدم العلمي.. ونستطيع ونحن في أي عام أن نعطي تقريرا ضافيا عن جميع النظريات العلمية والمستويات التي أنتجت ما سلف من طائرات حتى لكأننا نرى اليوم بأعيننا ما كان عليه علماء الأمس حتى بعد أن واراهم التراب وأصبحوا في عالم الغيب ما داموا قد تركوا وراءهم شيئا في عالم الشهادة..

إذن فنحن نستخدم نفس الأسلوب العلمي في اعتمادنا على الجانب الظاهر من الحقيقة- وهو هنا الطائرة- لمعرفة الجانب المغيب منها وهو هنا المستوى العلمي للذين أنتجوها أي لصفاتهم.

ولعل ظاهرة انتشار المعارض الصناعية في عصرنا الحاضر تعطينا مفتاح هذه الحقيقة، فيكفي رؤية المستوى الفني في معرض للصناعة لنقف على ما عليه الدولة من تقدم علمي وعلى مستوى صفات علمائها.

وفي معرض للطيران تقف في آخر طابور العرض طائرة صغيرة «ترانزستور» تحتوي على كل ما تحتويه الطائرات وتزيد عليها أشياء لم يصل إلى مستواها الفني كلا المعسكرين المتنافسين في الاختراع وتكشف عن وجود معسكر ثالث أقوى.

أولى مميزات هذه الطائرة هو دقة حجمها ورقة المواد المصنوعة منها ثم عدم صدور أي ضجيج عن محركاتها ويسر حركة أجنحتها وقدرتها على الطيران لساعات طويلة بأقل وقود، ثم تزودها بمعمل طائر لإنتاج المواد الغذائية، ثم اشتمال كل طائرتين من الأسراب الصغيرة على مصنع كامل لإنتاج نفس النوع من الطائرات بمعدل إنتاجي كبير... إلى آخر قائمة المقارنة بين هذه الطائرة الصغيرة التي لم يصنعها أي من المعسكرين!

هذه الطائرة الصغيرة هي «النحلة»!

ولكننا ألفنا تسميتها بالنحلة، فأذهب الإلف عنا روعة الإحساس بحقيقة كونها طائرة يلزمنا معرفة جميع التخصصات أو الصفات المتعاونة في إنتاجها ورعايتها..

مقام اليقظة

ولو تمرسنا على مقام اليقظة، وهو رؤية الأشياء بغير العين التي ألفنا رؤية الأشياء بها لكان ذلك كافيا لجعلنا نقف من هذه الموجودات وقفة جديدة وأمنية باعتبارها مصنوعات تريد أن تقف في المعرض الصناعي، ولا تطالب بأكثر من وضع تقرير أمين عن المستوى العلمي الكامن وراءها وعن صفات مخترعها.. وإن حكمة الله تعالى قائمة في اختلاف الأشكال والألوان والأحجام من قارة إلى قارة ومن بيئة إلى بيئة لإيقاظ النفس الإنسانية التي ألفت رؤية الأشياء في بيئتها.. ولو أنها رأت نفس النحلة في بيئة أخرى بشكل جديد وحجم ولون جديدين لظننتها لأول وهلة مصنوعا بشريا لا مخلوقا ربانيا، مثلما ظن أهل المدينة الفيل من مصنوعات الفرس عندما رأوه لأول مرة، ولكان هذا الاندهاش نفسه هو المدخل القلبي والفكري إلى الاهتمام بهذا الموضوع اهتماما علميا بعد أن ندخله بأمانة في معرضنا الصناعي، ولأمر ما حثنا الله على السير في الأرض.. ولأمر ما جعل الله من كل شيء خلقه شبيها له مما صنعه الإنسان، فعالم الطيور والحشرات له شبيه من الطائرات، وعالم الحيتان والأسماك له شبيه من الغواصات، وعالم الدواب والزواحف له شبيه من السيارات، وعالم الشجر له شبيه من المصانع... والمطلوب إقامة المعارض الأمينة لمعرفة أي المستويات العلمية أكثر تقدما وأدق تخصصا وأوفى تعاونا بين مختلف الصفات..

وحيث إن الشيء المصنوع ما هو إلا حصيلة تفاعل عديد من الصفات مع مواد الطبيعة، وحيث إنه يلزمنا عمل قائمة بجميع الصفات التي دخلت في إنتاج النحلة وحيث يتضح مقدار تفوقها كما وكيفا على الصفات الإنسانية التي أنتجت الطائرة.. فإننا نخرج لذلك بنتيجة بسيطة لها أهميتها وخطرها، وهي أن المستوى العلمي لصانع النحلة أرقى منه عند صانعي الطائرة.. هذا المستوى العلمي إن هو إلا عديد الصفات المتعاونة أي التي تجمع بينها إدارة مشتركة.. أي إنها لذات واحدة..

مجرد الخروج من عملية المقارنة بهذا الاطمئنان الفكري الذي يتلخص في أن النحلة أرقى من الطائرة، والحوت أرقى من الغواصة، والشجرة أرقى من المصنع، والذي يفيد أن هناك ذاتًا واحدة تجمع هذه الصفات الفاعلة في الوجود هي نقطة البدء الصحيحة في قضية الإيمان.. لأن الإنسان ليس في مقدور كل وسائله العلمية إلا الوصول إلى أنه توجد ذات علية لها صفات كمال بطريقة تجريدية، ونحن بالانتقال بالصفة من دائرة المصنوع الواحد إلى كافة المصنوعات ومركز الصلة بينها جميعا نقف على عمومية كل صفة وشمولها وثباتها، وهذا هو سبيل البشر عامة إلى معرفة الله عز وجل عن طريق صفاته وأسمائه الحسنى بما لها من كمال ودوام وفعل..

ومجرد الوصول إلى هذه الحقيقة يمنحنا الاطمئنان الفكري المجرد إلى وجود خالق لهذا الخلق.. وهذه القضية المجردة هي قضية الإنسانية جميعا.. وهي التي نشترك فيها مع أمم الأرض في كل العصور والتي قال عنها الفقهاء بأن الإيمان بالله مقدم على الإيمان بالرسل والتي ما جاء نبي إلى قومه إلا ووجدهم على علم مسبق بها ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (الزمر: 38).. ولكنهم كابروا وكذبوا الرسل..

والوحي هو الذي يكمل العلم البشري ويصير هذه القضية الإنسانية قضية إسلامية مبرأة من الشرك ومن التعطيل.

نخرج من ذلك بأن المادة ليست هي الوجود الوحيد، الأمر الذي بنى عليه الماركسيون عقيدة المادية الجدلية.. وإنما هي بكل عناصرها خلق من خلق الله تعالى وفي مركز أدنى من غيرها من المخلوقات.. وأن الله تعالى هو مصدر كل الوجود.. ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ (الحج: 62).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل