; إيطاليا.. مجتمع قائم على الضرائب وتديره الغرامات | مجلة المجتمع

العنوان إيطاليا.. مجتمع قائم على الضرائب وتديره الغرامات

الكاتب إبراهيم شعباني

تاريخ النشر الثلاثاء 02-سبتمبر-1997

مشاهدات 60

نشر في العدد 1265

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 02-سبتمبر-1997

يصنف الواقع الدولي إيطاليا– كما تصنفها الدراسات المتخصصة– في خانة الدول السبعة الأكثر تصنيعًا في العالم، وذلك بفضل تصنيعها للسيارات وتفوقها في مجال إنشاء المؤسسات الصناعية المتوسطة والصغيرة، مما أدى باقتصادها أن يكون من بين أقوى الاقتصاديات تماسكًا.

ويعتبر الإنسان الإيطالي هو رأس مال تلك النجاحات التي حققها وطنه، فأرض بلاده لا تحوي بترولًا ولا غازًا، ولا يخزن أديمها حديدًا ولا فوسفاتًا وقد ساعده في ذلك موقع بلاده الاستراتيجي الذي لم يكن من الممكن للمعسكر الغربي أن يفرط فيه –إبان الحرب الباردة– لصالح خصمه الشيوعي، فكان لابد أن تكون إيطاليا بلدًا رأسماليًّا، قويًّا اقتصاديًّا.

ولكن رغم هذا التفوق الاقتصادي –المادي– الذي تشهده شبه الجزيرة الإيطالية، فإن شعبها مازال يئن من الغرامات المتلاحقة المتنوعة والمتفاوتة القيمة، والمنتصبة له في كل حين، وللتذكير فإن الدولة الإيطالية التي تعاني من تضخم رهيب في القوانين والمراسيم، وربما يعود ذلك إلى تنوع وتعدد الحكومات «بضع وخمسون حكومة خلال خمسين عامًا، أي بمعدل حكومة كل سنة» التي مرت بقصر «كيجي» بروما، وكان كل مار يضيف ولا يمحو يزيد حتى من غير تحسين حتى صارت القوانين –المنظمة لمناحي الحياة المختلفة– مكدسة بعضها فوق بعض.

إن تسمية المولود الجديد «إيطاليا» –في إيطاليا– ليس كتسميته «ماريا» «مريم» فالمرسوم رقم ۱۱۳۸ الصادر عام ۱۹۳۹م «إبان الحكم الفاشي ومازال ساري المفعول» يفرض على من يختار لأبنائه أسماء جغرافية غرامة مالية قدرها ٤٠ ألف ليرة «أي ما يقارب ۲۲, ۲۲ دولار»، وليس هذا فقط وإنما هاجس الغرائم في مجال الخدمات الاجتماعية كثيرة جدًّا، فتأخير الإعلان عن المولود الجديد، أو تعطل أحد موظفي الحالات المدنية في تسجيله يستوجب غرامة مالية ما بين ٤ إلى ١٠ ألاف ليرة، ويتعين على المحكمة تحديد مقدارها بالضبط نفس الغرامة يتعرض لها من يدخن في المستشفيات أما أصحاب الوانيت والدكاكين فيلزم أن يراعوا مواقيت فتح وغلق المحلات المحددة من طرف الهيئات الرسمية المختصة وإلا تعرضوا لدفع ما بين 3٠ إلى ٣٠٠ ألف ليرة وما بين ۲۰۰ ألف إلى مليون لير إذا باعوا بضائع على غير وزنها الصافي.

هذا نموذج واحد فقط من مجتمع قائم على الغرائم، ومؤسس أيضًا على الضرائب شعار سكانه إذا لم تصبك ضريبة فلن تخطئك غرامة إنه شعار يعبر عن حقيقة مرة صارت تصبغ مجتمع هذا البلد الجميل فما من يوم تطلع عليه الشمس إلا وأستيقظ الإنسان الإيطالي وفي يده فاتورتا غاز وكهرباء لدفعهما، أو ضريبة يجب أن يؤديها، أو غرامة مهما صغر مقدارها لزم تسديدها، فكل همه منحصر في كيفية الهروب من دفع الضرائب أو تقليصها، وتجنب الغرائم أو إلغائها، ولولا التسامح– والتجاوز– الذي تبديه كثير من الهيئات الغرق في بحر من الفاتورات التي يجب أن تدفع نظرًا لكثرتها وتنوعها، ذلك هو شعار هذا المجتمع، بل شعار المدنية كلها التي نهضت على المادة وأهملت الروح.

إن غياب القيم السماوية في بناء الحضارات، وتجاهل التعاليم الروحية في تأسيس الدول، يحول المجتمع إلى شركة اقتصادية، لا رواتب فيها.. أحيانًا.

الرابط المختصر :