; أفغانستان من الداخل.. كيف يدير المجاهدون المناطق الواقعة تحت سيطرتهم؟ | مجلة المجتمع

العنوان أفغانستان من الداخل.. كيف يدير المجاهدون المناطق الواقعة تحت سيطرتهم؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 11-أبريل-1989

مشاهدات 68

نشر في العدد 912

نشر في الصفحة 21

الثلاثاء 11-أبريل-1989

بعد أن أجبر المجاهدون القوات الروسية الغازية على الانسحاب من أفغانستان، انسحبت القوات الشيوعية العميلة إلى المدن الكبرى وتترست بها واستولى المجاهدون على مساحات شاسعة من المدن والقرى أضافوها إلى رصيدهم السابق، لتصبح المساحة التي يسيطرون عليها أكثر من 90% من أرض أفغانستان، فيها ما يزيد على 60 مديرية و7 ولايات.

وبعد إعلان المجاهدين عن تشكيل حكومتهم اتخذت الحكومة قرارًا بالدخول خلال الأسابيع القادمة إلى داخل أفغانستان سعيًا للوقوف على أوضاع هذه المديريات والولايات.

في هذا الوقت بالذات كان قادة المجاهدين على رأس قواتهم حول مدينة جلال آباد، وكانت القنابل تسقط من الطائرات القاذفة حممًا في المناطق التي يعسكر فيها المجاهدون، وكانت إحدى القنابل قد سقطت قرب القائد قلب الدين حكمتيار حيث نجاه الله تعالى منها، إلا أن الإعلام الدولي صور الحادثة وشمل قلب الدين حكمتيار بالمبالغة بإصابته بالقذيفة، وقد اتصلت المجتمع بالقائد حكمتيار واطمأنت على صحته وسلامته.

هذا، وقد طافت «المجتمع» خلال أسبوعين أو يزيد ببعض الولايات والتقت مع القادة الذين يشرفون على هذه المناطق للتعرف على أوضاع المناطق التي تقع تحت سيطرة المجاهدين، فما أوضاع هذه المناطق؟ وهل عناصر إقامة الدولة الإسلامية موفورة بالداخل؟ هذا ما نسعى للإجابة عليه من خلال التحقيق التالي:

تشكل الإدارة ركنًا مهماً من أركان الدولة، والإدارة المدنية لمناطق المجاهدين تواجه مشكلات عديدة في وقت لا تزال فيه في حالة حرب دائمة مع أعداء لها يملكون أحدث الوسائل الحربية، وهذا أمر يستدعي حنكة إدارية واسعة خاصة في تلك المناطق التي لم يهاجر من أهلها إلا قليل.

يقول القائد أمير محمد أمير المجاهدين في ولاية قندز في شمال أفغانستان: إن نصف سكان قندز أو يزيد لم يهاجروا، والمهاجرون يسيطرون على معظم المناطق عدا مدينة قندز عاصمة الولاية، أما الأوضاع الإدارية للمناطق التي تقع تحت سيطرة المجاهدين فإنها تدار بواسطة مجلس شورى يضم قادة المنظمات المتواجدة في المنطقة.

ويقول قائد ولاية قلات شرق أفغانستان: يوجد في كل مديرية مجلس شورى من المجاهدين ينظم الشؤون الإدارية الخاصة بكل مديرية، بما في ذلك علاقات الناس مع بعضها والأمور التجارية والقضاء وغير ذلك، حيث إن الولاية كلها محررة عدا مدينة قلات مركز الولاية. ومن ولاية بكتيكا التي تعد إحدى الولايات المحررة بالكامل وتقع تحت سيطرة المجاهدين، يقول القائد كفيل محمد: «عندنا في بكتيكا تمت الانتخابات كما تم اختيار أمير للولاية، ويشترك في مجلس الشورى بعض العلماء، وتوجد محكمة تفصل في النزاعات التي يمكن أن تنشب بين الناس».

ويقول مولوي سراج الدين، أحد القادة البارزين في قندهار: «صفوف المجاهدين في قندهار منظمة، وهناك مجلس شورى كبير يتناوب قادة المجاهدين رئاسته ويدير المناطق الواقعة تحت سيطرة المجاهدين بدقة وتعاون، وهناك محكمة موجودة في قندهار تطبق الشريعة الإسلامية في مختلف الأمور، فتحكم على السارق بقطع يده والقاتل بالقتل وغير ذلك مما اشتملت عليه أحكام الشريعة، وهذه المحكمة تعمل باستقلالية تامة». ويقول قائد الدفاع الجوي في ولاية بروان في وسط أفغانستان: «يوجد عندنا في ولاية بروان مجلس شورى، وهناك دار الإنشاء التي تمثل السلطة التنفيذية في الولاية وتفرض الأمن بين الناس».

لعل ما ذكره القادة يعطي لنا صورة عن الأوضاع الإدارية للمناطق الواقعة تحت سيطرة المجاهدين في بعض الولايات داخل أفغانستان.

التعليم

يقول مولوي سراج الدين: يوجد في ولاية قندهار أكثر من 50 مدرسة يديرها المجاهدون ما بين ابتدائية ومتوسطة، ويقوم على هذه المدارس بعض العلماء، لكن هناك مشكلات مالية ومنهجية تعاني منها هذه المدارس، إلا أنها قائمة حسب الإمكانات المتوفرة ووسط ظروف الحرب لأن التعليم أساسي عندنا. ويقول القائد أمير محمد: «أما عندنا في قندز فإننا نولي جانب التعليم اهتمامًا خاصًّا، وقد أنشأنا العديد من المدارس التي يدرس بها الطلاب من الصف الأول حتى الصف التاسع، وذلك في العديد من القرى وأماكن التجمعات السكنية».

ويقول القائد سيد بابا: «لقد أنشأنا ما يقرب من 20 مدرسة في أماكن مختلفة في ولاية بروان، ويقوم المجاهدون أنفسهم بالتدريس للأطفال، حيث يبلغ عدد الأطفال في كل مدرسة من خمسين إلى ستين طفلًا».

ويقول عبدالمنان هاشم، مسؤول التعليم في ولاية بدخشان في شمال أفغانستان: «عندنا ما يقرب من خمسين مدرسة يبلغ عدد المعلمين فيها 135 معلمًا، ويزيد عدد الطلاب على ألف طالب، ولم يهاجر سوى 5% من سكانها، لهذا فإن المدارس منتشرة في معظم أنحاء الولاية إلا أننا نواجه مشاكل عديدة، منها: عدم وجود رواتب للمعلمين، وأيضًا عدم وجود مناهج عندنا؛ حيث إن المركز الأمريكي وفر كميات من الكتب ونحن نسعى للحصول على مناهج من المراكز الإسلامية، كما أن مشكلات الحرب جعلت الكثير من الناس ينصرفون عن التعليم، لذلك فالناحية التعليمية في أفغانستان بحاجة إلى جهود كثيرة».

الزراعة

تمثل الزراعة جانبًا مهماً من جوانب الحياة، ومع وجود آلاف المجاهدين في الداخل وعشرات الآلاف من الأسر التي لم تهاجر مع طبيعة أفغانستان الزراعية، حيث تشتهر مناطق عديدة فيها بإنتاج الفواكه مثل العنب الذي تنتج أفغانستان منه اثنين وسبعين نوعًا، والرمان والتفاح والبطيخ والمشمش وغير ذلك من الفواكه الأخرى، فما أوضاع الزراعة في المناطق التي يسيطر عليها المجاهدون داخل أفغانستان؟

يقول مولوي سراج الدين: «لقد خرب الروس والشيوعيون معظم حدائق قندهار بالقصف الجوي خاصة بقنابل النابالم، فقندهار كانت مثل بستان واحد كبير يضم حدائق العنب والرمان والتفاح، ومع ذلك فمازالت هناك مساحات كبيرة مزروعة ويقوم أصحاب الأراضي بإعطاء العُشر للمجاهدين، إلا أن كثيرًا من المجاهدين مشغولون بالجهاد عن الزراعة».

ويقول القائد أمير محمد: «إن قندز ولاية زراعية بطبيعة أرضها، لكننا من شدة القصف وانصرافنا إلى الجهاد لا نتمكن من استخدام كل المساحات الصالحة للزراعة، إلا أننا نقوم بزراعة الأرز والحنطة وبعض المحصولات الأخرى التي نرسلها للمجاهدين في الولايات المجاورة».

وفي ولاية لوجر وجدنا مساحات شاسعة من الأرض غير مزروعة، وقد أجابنا القائد «زلجي» أن معظم هذه الحقول زرعها السوفييت بالألغام عندما احتلوا هذه المنطقة منذ عام أو يزيد، ثم رحلوا عنها بعدما زرعوها بالألغام، فهاجر بعدها أصحابها من القرويين. ففي الأسبوع الماضي فقط استشهد صاحب هذا البستان عندما كان يرعى بعض الأشجار؛ إذ أصابه لغم فقتله، وهذا ما جعل معظم القرويين يهجرون أراضيهم بسبب شعورهم بعدم الأمان.

توفير المواد الغذائية

تعد المواد الغذائية من الأساسيات الحياتية الضرورية خاصة للمجاهدين في الداخل، وكذلك لمن يعيشون في المناطق التي تخضع لسيطرة المجاهدين من القرويين، فكيف يستطيع المجاهدون توفير هذه الأساسيات؟

يقول مولوي سراج: هناك بعض الاحتياجات نقوم بشرائها بوسائلنا الخاصة من أسواق قندز نفسها، ثم ننقلها إلى تجمعات المجاهدين في الداخل كل حسب احتياجه. ويقول القائد أمير محمد: «نحن نستطيع أن نوفر بعض الاحتياجات الغذائية الزراعية مثل الأرز من خلال المزارع الواقعة تحت سيطرتنا، أما الشاي والسكر والسمن والاحتياجات الحياتية الأخرى فإننا نقوم بشرائها عن طريق بعض التجار من أسواق مدينة قندز، كما أننا نستطيع شراء بعض الاحتياجات الأخرى عن طريق بعض التجار الذين يمرون من طريق حيرتان كابل الذي يمر عبر قندز، غير أننا نشتري علبة السمن بعشرين ألف روبية أفغانية، والحذاء بعشرة آلاف روبية، فهناك غلاء فاحش! ولكن ماذا نفعل ونحن لا نستطيع أن نوفر احتياجاتنا من الباكستان مثل الولايات الأخرى القريبة!».

ويقول ملا جلاد خان: «معظم احتياجاتنا الغذائية نوفرها عن طريق شرائها من أسواق باكستان ثم ننقلها إلى مواقعنا وقُرانا في الداخل، حيث إن معظم الولاية محررة عدا مركز الولاية كما ذكرت من قبل».

تصور قادة الداخل عن الإعمار والمستقبل

ومن خلال أوضاع المناطق الواقعة تحت سيطرة المجاهدين سألناهم عن تصوراتهم بالنسبة للمستقبل وإعادة البناء، خاصة بعد إعلان المجاهدين عن تشكيل حكومتهم مؤخرًا برئاسة الأستاذ سياف، والشيخ مجددي رئيسًا للدولة، يقول القائد أمير محمد: «إن أول شيء يجب أن نسعى لتحقيقه الآن هو إسقاط نظام كابل، ثم العمل على ترسيخ دعائم الحكومة الإسلامية التي قام جهادنا لأجلها. وإذا كنا قد تحملنا المشاق أكثر من عشر سنوات بالنسبة لضروراتنا الحياتية، فإننا مستعدون لتحملها عشر سنوات أخرى حتى ترسخ دعائم دولتنا الإسلامية».

ويقول مولوي سراج الدين: «إن مشوارنا ما زال طويلًا لأننا لم نكن نهدف إلى إخراج الروس فقط، وإنما نهدف إلى إسقاط الشيوعية وإقامة دولتنا الإسلامية على ربوع بلادنا، وقد خطونا بعض الخطوات لكن مازالت أمامنا خطوات أخرى ربما تكون أصعب وأهم مما مضى».

ويقول ملا جلاد خان: «إننا إذا رسخنا دعائم الوحدة بين صفوفنا فلن نواجه في المستقبل أي عقبات أو مشكلات، لأن وحدة الصف كفيلة بأن يزيل الله بها كل عقبة، وأعتقد أنه مازالت أمامنا مهام جسام أهمها إسقاط نظام كابل ثم ترسيخ دعائم الدولة الإسلامية وإعادة الإعمار».

رؤية على أوضاع الداخل

من خلال استعراض أوضاع المناطق الواقعة تحت سيطرة المجاهدين، نستطيع أن نخلص ببعض النتائج، منها:

1- إن معظم المناطق الواقعة تحت سيطرة المجاهدين تدار بواسطة مجالس شورى، وإن هذه المجالس يمكن أن تأخذ أشكالًا مختلفة حسب طبيعة المكان وتواجد المنظمات، وقد تكون حدود مجالس الشورى في قرية أو مديرية أو ولاية، وقد يصل حدودها إلى عدة ولايات مثل مجلس شورى نظار الشمال الذي كونه أحمد شاه مسعود في شمال أفغانستان، ويضم قادة من مختلف التنظيمات من 6 ولايات، ومن الممكن أن تكون مجالس الشورى المحلية نواة لترسيخ دعائم الحكم الإسلامي حال إعلان الدولة الإسلامية على ربوع أفغانستان، مع إضافة وزيادة بعض الروابط الإدارية أخرى.

2- إن الاهتمام بأمر التعليم في الداخل لم يأخذ وضعه الطبيعي، ولعل ظروف القتال واستمرار الشيوعيين في الحكم وانشغال المجاهدين بالجهاد لا يساعد على أداء العملية التعليمية بالمستوى المطلوب، كما أن هذا الأمر يتعرض لمؤامرة عالمية تتعلق بالمؤسسات التعليمية الغربية التي أعدت المناهج وطبعت الكتب وتقوم بإرسال كميات كبيرة منها إلى داخل أفغانستان، وقد أعدت مناهج من الصف الأول الابتدائي وحتى الثالث الثانوي، وهذا يستدعي من المسلمين جهودًا كبيرة لمحاولة إفشال هذه الخطة الغربية الخبيثة وإمداد بدائل إسلامية تطبع وتعد من الآن، ولعل الاتحاد العالمي للمدارس الإسلامية وفرعه في بيشاور قد قطع شوطًا في هذا المجال، إلا أن إمكانات المؤسسات الإسلامية لا تستطيع أن تجابِه إمكانات الدول التي تمون المؤسسات الغربية، والمطلوب أن يكون هناك تحرك واسع لاستيعاب هذا الأمر.

3- إن معظم الأراضي الزراعية في أفغانستان قد خربت ومعظم القرى المهجورة أدت إلى جفاف الحدائق وانعدام مراعاة المجاري المائية، كما أن انتشار الألغام في كثير من الحقول والمزارع ينبئ عن مستقبل مخيف ينتظر كل من يسعى لإعادة زراعة أرضه، كما تظهر الحاجة الماسة للمساهمة في إعادة تنظيف المزارع وتهيئتها مرة أخرى للزراعة.

4- إن معظم الاحتياجات الغذائية غير متوافرة بالداخل، ويعتمد المجاهدون والسكان على الأسواق الباكستانية، ولعل نتائج تشديد الحصار على كابل وغيرها من المدن تبين أن أفغانستان دولة تعتمد على الموارد الخارجية، خاصة في المواد التموينية الغذائية مثل الشاي والسكر والقمح وغير ذلك، وهذا أيضا من الأعباء الملقاة على حكومة المجاهدين والتي ينبغي أن تقوم بتوفيرها أو الاستعداد لها من الآن.

لعل هذه النتائج تخلص بنا إلى حقيقة كبرى، هي أن خروج السوفييت من أفغانستان لم يكن نهاية المطاف بالنسبة للجهاد الأفغاني، وإنما كان خطوة نحو النصر القريب إن شاء الله.

كما أن المجاهدين ما زال طريقهم طويلًا نحو استكمال تحرير أفغانستان وإعادة بنائها من جديد، وأن الحكومات والشعوب الإسلامية يجب أن تعي أن دورها لم ينته بعد، بل إن هناك أكثر من 72 مؤسسة غربية تساندها كثير من الدول الغربية تعتبر دورها لم يبدأ بعد، وتستعد لاحتلال من نوع آخر، فهل أدركنا بذلك واقع أفغانستان من الداخل؟ وهل وعينا أن الطريق ما زال يحتاج لمزيد من الجهود والتضحيات؟!

الرابط المختصر :