العنوان آلام قلم وكلمات أمل: جراح الأمة من البوسنة إلى فلسطين
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يوليو-1993
مشاهدات 24
نشر في العدد 1059
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 27-يوليو-1993
آلام قلم وكلمات أمل: جراح الأمة من البوسنة إلى فلسطين
المعاناة السادسة؛ المعاناة من واقع الأمة؛ البوسنة والهرسك. أخي،
أرأيت ما في البوسنة التي اقتطع من أراضيها أكثر من 80% وهجر من أبنائها مئات
الألوف؟ أرأيت ما يحدث في كشمير وتايلاند وبورما والفلبين؟ أرأيت ما يحدث في آسيا
الوسطى «جنوب الاتحاد السوفييتي سابقًا» من قتل وسحق وتهجير للمسلمين؟ وأظن أنه لا
يخفى عليك من قبل ذلك نبأ المسجد الأقصى وفلسطين، إنها مواجع وأحزان جاشت في
الفؤاد حينًا؛ فظهر بعضها على هذا القلم، لعل في البوح بها تخفيفًا عن صاحبها،
ودعوة إليك- يا أخي- لأن تعاون في حلها، وتعمل على زوالها، وما ذلك على الله
بعزيز.
المسلمون كالبنيان المرصوص
يدعو القرآن- يوم كنا خير أمة- المسلمين أن يكونوا أمة واحدة، ويدعو
الرسول- صلى الله عليه وسلم- أن يكون المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضًا، ويوم
كان المسلمون مستجيبين لله والرسول كانوا في مقدمة ركب البشرية، فهم الأئمة للناس،
وهم الذين لهم السيادة في الأرض، وهم الذين لا يعتدى على حرماتهم، وتصان مقدساتهم،
وتحفظ حدود بلادهم، فلا يجور عليهم من الناس أحد، ولا تعتدي عليهم من الأمم أمة،
وإن حدثت نفسها بغزو المسلمين وهمَّت؛ فالرد معروف، وهزيمة الأعداء واقعة لا
محالة، يجري عليهم ما جرى على الصليبيين يوم هزموا في المنصورة، وقال قائلهم في
الأسير لويس التاسع ملك فرنسا الذي أسر في دار ابن لقمان، تحت حراسة صبيح: دار ابن
لقمان على حالها .. والقيد باق والطواشي صبيح
ويجري عليهم ما جرى على يد المعتصم يوم نادته امرأة مستغيثة وا معتصماه!
فلبى نداءها، وهاجم الروم بجيش دمر عمورية، حتى قال في ذلك شاعرهم: لقد تركت أمير
المؤمنين بها.. للنار يوم ذليل الصخر والخشب غادرت فيها بهيم الليل وهو ضحى.. يشله
وسطها صبح من اللهب كان ذلك يوماً كنا خير أمة، يوم وضع المسلمون أنفسهم جندًا تحت
راية الحق، يعلنون بين الناس أنهم عبيد لله لا لسواه.
سَحْقٌ وَمَحْقٌ
فلما فتر الإيمان، وخبت جذوته في القلوب، وانشغل الناس بالدرهم
والدينار والبنين والأوطان، وتساووا مع أعدائهم في المعاصي، ساء حالهم، وضعف بين
الناس شأنهم، وذهبت ريحهم، فتآلبت عليهم الأمم، وتكالبت عليهم حثالة الناس وشراذم
المشردين في كل أرض، وعباد البقر، فديست المقدسات، وهدمت المساجد؛ لتقام على أرضها
معابد وثنية لآلهة مزعومة لا تضر ولا تنفع، وسلبت أوطان من بنيها، وهجر مئات
الألوف بل قل الملايين من أرضهم وديارهم وأموالهم إلى غيرها من البلاد، لا لذنب
إلا لأنهم يقولون: ربنا الله.
وإذا ما دققت في الصورة النظر، وتأملت ما فيها من العبر، أخذتك الحسرة
واللوعة على أمة يحدث ما حدثناك عنه في أطرافها، وفي بقع كثيرة منها، ثم في وسطها
تذاع التهم وتلصق بكل من يظهر سمة إسلامية، ويعلن بسلوكه ما حث عليه القرآن: ﴿وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت: 33)، وتلاحقه
التهم من كل جانب، وربما أخذته زبانية الجحيم إلى حيث يذوق من حر السياط، ويعرف من
ألوان العذاب ما لم يكن يعرف أو يسمع من قبل.
أنين المستضعفين في البوسنة
لكل هذا أصيبت الأمة في أعصابها، فارتعشت أطرافها، واضطرب قلبها
ووسطها، وعلم الآخرون شأنها، فاستطالوا عليها معتدين، فما وجدوا منها غير الأنين
الذي يطربون له، والنكير والشجب الذي يطمئنون لسماعه، ويعتبرون إعلانه علامة واضحة
السمات ليتقدموا نحو أهدافهم في إذلال الأمة وامتهانها.
ونظرة منك- يا أخي- على مصور أوروبا تغنيك عن طلب الدليل، وتغنينا عن
قول المزيد، أسمعت بتلك الدولة التي قامت في وسط أوروبا تحت اسم: البوسنة والهرسك؟
وهل هناك من لم يسمع بتلك الدولة التي قامت فاعترفت بها دول عديدة، وأصبح لها مكان
في الأمم المتحدة؟
إنها ما كادت تعلن أمرها، وتكشف هويتها الإسلامية، حتى منعت عنها
الأسلحة، وظهرت فيها ذئاب صربية جائعة تفتك بالبشر المسلمين، وتلغ في دمائهم، حتى
إذا روت غلها وحقدها بالقتل، استدارت نحو النساء لتنتهك الأعراض، وتغتصب الفتيات
والسيدات على السواء، ولم تكف أذاها وشرها إلا بتشريد ما يزيد عن مليون من هؤلاء،
خرجوا إلى العراء تاركين ديارهم وأرضهم وأموالهم، ذاهبين إلى حيث لا يد ترحم، ولا
قلب يعطف، ولا معين ولا نصير إلا لمن يتنصرون، ويتركون الحنيفية السمحة، وصدق فيهم
قول الله عن أمثال هؤلاء: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ
كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ في
مِلَّتِنَا ۖ ﴾ (إبراهيم: 13)، فمن عاد إلى ملة الصرب كفوا عنه الأذى- ولو
كان ذلك إلى حين- ومن استمسك بالصراط المستقيم فله من هؤلاء الصربيين سوء الجحيم،
وعذاب السعير، وهتك الأعراض، وإسالة الدماء بالقتل والتنكيل، دون أن يكون لمثل
هؤلاء بكاة يبكون، أو نوائح يستغيثون.
موقف العالم والمجتمع الدولي
والعالم «الحر» يرى ويسمع ما يدور، يرى ضحية مقيدة حين منع عنها
السلاح، ويسمع الأنين والتوجع والصراخ، فلا يهتز منه قلب، ولا تفر من عينه دمعة،
ولا يأسي، ولا يحزن، ولربما تعطف لسانه بكلمة مواساة حينًا في الوقت الذي يمد يده
بالسلاح للصرب، ويومئ لهم بكل إشارة إنا لكم مؤيدون مناصرون، فافعلوا ما بدا لكم،
فجنودنا من روسيا واليونان وغيرهما تقاتل معكم، وسلاحنا يأتيكم إلى دياركم حيث
أنتم، والأمم المتحدة بقراراتها المتلكئة المتباطئة المتواطئة تعينكم ولا تتخلى
عنكم، فلماذا تتوقفون- أيها الصربيون- عن القتل والسفك والسلب والاغتصاب؟
نوم هنيء وخذلان
أمن أجل ما يسمى بالعالم الإسلامي؟ لقد أعطى الصرب والعالم مهلة من
الزمن في ديسمبر 1992، وقال إنه سيتخذ الموقف اللازم نحو إخوانه البوسنيين إذا لم
يتصرف العالم مع الصرب بعد 15 يناير 1993م، ولما جاء الموعد المضروب كان النعاس قد
سيطر على العيون في العالم الإسلامي، فاستسلمت لنوم لذيذ وديع هانئ مستقر، وتركت
مسلمي البوسنة يعانون مما يعانون، وصدق على عالمنا الإسلامي القول الذائع:
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعًا
** أبشر بطول سلامة يا مربع ولسنا نملك في النهاية إلا أن نقول: لا حول ولا قوة
إلا بالله، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
انظر أيضا: