العنوان قبسات من الفكر التربوي الإسلامي (الحلقة الثانية والأخيرة)
الكاتب شوقي محمود الأسطل
تاريخ النشر الثلاثاء 13-أبريل-1993
مشاهدات 48
نشر في العدد 1045
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 13-أبريل-1993
5- الرفق بالمتعلمين والشفقة عليهم:
إن الهدي النبوي يجعل من الرفق زينة
وجمالًا: «يا عائشة ارفقي؛ فإن الرفق لم يكن في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا
شانه»، رواه أبو داود.
وقد وصف الله سبحانه نبيه صلى الله
عليه وسلم فقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ
مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (التوبة:
١٢٨).
وتأمل معنى قصته صلى الله عليه وسلم
مع أحد تلاميذه، وهو معاوية بن الحكم السلمي، والتي رواها مسلم عنه حيث قال: بينما
أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله،
فرماني القوم بأبصارهم فقلت: واثكل أماه ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون
بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني سكت، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم -فبأبي هو وأمي- ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله ما
نهرني ولا ضربني ولا شتمني، قال: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس،
إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن».
وعن أنس قال: «ما رأيت أحدًا أرحم
بالعيال من رسول الله صلى الله عليه وسلم»، رواه مسلم.
وقد كان عليه الصلاة والسلام، مع ما
عرف عنه من جد في الأمر، يلاطف أصحابه ويتألفهم ويمزح حتى مع الصغار؛ فعن أبي
هريرة أنه صلى الله عليه وسلم كان يدلع لسانه للحسن بن علي فيرى الصبي حمرة لسانه
فيهش له، وكان يمازح خادمه أنسًا ويقول له: «يا ذا الأذنين».
وعن عبدالله بن الحارث قال: «ما رأيت
رجلًا أكثر مزاحًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم».
دخل على عمر أحد عماله وهو يلعب مع
أطفاله فأنكر ذلك، فقال عمر: «كيف أنت مع أهلك؟»، قال: «إذا دخلت سكت الناطق»،
فقال عمر: «اعتزل عملنا فإنك لا ترفق بأهلك فكيف ترفق بأمة محمد صلى الله عليه
وسلم؟».
وانظر إلى ما يقوله ابن خلدون حول
الآثار الضارة المترتبة على استخدام أسلوب الشدة مع المتعلمين حيث يقول: «وذلك أن
إرهاف الحد في التعليم مضر بالمتعلم -سيما في أصاغر الولد- لأنه من سوء الملكة،
ومن كان مرباه بالعنف والقهر من المتعلمين.. سطا به القهر وضيق على النفس في
انبساطها وذهب بنشاطها ودعاه إلى الكسل وحمله على الكذب والخبث.. وكسلت النفس عن
اكتساب الفضائل والخلق الجميل فانقبضت عن غايتها ومدى إنسانيتها فارتكس صاحبها
وعاد في أسفل السافلين»(1).
٦- العناية بقوة الجسم والمهارة الحركية في التربية الإسلامية:
قوة البدن وسلامته من الأمور
الأساسية في التربية، ومن المحال أن يصل المربي إلى أغراض التربية إلا إذا كان
التلميذ قوي الجسم حسن الصحة كي يستطيع القيام بأعباء الحياة؛ لذا فإننا نجد
القرآن يمدح قوة الجسم إذا اقترنت بالعلم والصلاح، فقد قال تعالى على لسان أحد أنبيائه
في وصف طالوت: ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي
الْعِلْمِ وَالْجِسْمِۖ﴾ (البقرة: ٢٤٧).
وكان صلى الله عليه وسلم يمارس
أنواعًا من الرياضة منها المصارعة، كما جاء في قصته مع ركانة، فقد أورد ابن هشام
في سيرته قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلا بركانة يومًا في بعض شعاب
مكة، وكان من أشد رجال قريش فقال له: يا ركانة ألا تتقي الله وتقبل ما أدعوك إليه؟
فقال: إني لو أعلم الذي تقول حق لاتبعتك، فقال: أرأيت إن صرعتك أتفهم أن ما أقول
حق؟ قال: نعم، فقال: فقم حتى أصارعك، فقام إليه، فلما بطش به رسول الله صلى الله
عليه وسلم أضجعه وهو لا يملك من نفسه شيئًا، ثم قال: عد يا محمد، فعاد فصرعه، فقام
ركانة وهو يقول: أشهد أن هذه ليست قوة بشر»(۲).
وكان صحابته يتسابقون بين يديه على
الأقدام بغير رهان، وقد سابق بين الخيل ففي الصحيح من حديث ابن عمر قال: «سابق
رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الخيل». وفي مسند أحمد أنه سابق بين الخيل وأعطى
السابق.
قال الحجاج لمربي ولده: «علم ولدي
السباحة قبل الكتابة؛ فإنهم يصيبون من يكتب عنهم، ولكنهم لا يصيبون من يسبح عنهم»،
وكان عروة بن الزبير يقول لأبنائه: «يا بني العبوا؛ فإن المروءة لا تكون إلا بعد
اللعب».
يقول ابن مفلح الحنبلي: «الحركة تُعود
البدن الخفة والنشاط وتجعله قابلًا للغذاء وتؤمن جميع الأمراض المادية وأكثر
المزاجية إذا استعمل القدر المعتدل منها في وقته»(۳).
7- الحوار بين المعلم والدارسين
وهذا من شأنه إكساب الدارس الجرأة
الأدبية وحفزه على التفكير وإعمال الذهن وتشجيعه على إبداء الرأي وإن كان مخالفًا،
وتعويده على احترام آراء الآخرين وحسن الإصغاء إليهم.
يقول سحنون: «إن على المعلم تفقد
طلابه بالتعليم والعرض، واختبار مدى حفظهم واستيعابهم.. وأن يمكنهم من مواجهته
ومناقشته».
وتأمل معنى هذا الحوار الذي جرى بين
المربي الأول صلى الله عليه وسلم وبين وفد نصارى نجران في شأن المسيح عليه السلام
عندما ادعوا ألوهيته فقال لهم: «ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت وأن عيسى يموت؟».
قالوا: بلى. قال: «ألستم تعلمون أن ربنا قائم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه، فهل
يملك عيسى شيئًا من ذلك؟»، قالوا: لا. قال: «ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه
شيء في الأرض ولا في السماء، فهل يعلم عيسى شيئًا من ذلك إلا ما عُلِّم؟»، قالوا: لا،
قال: «ألستم تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يحدث الحدث، وأن
عيسى كان يطعم الطعام ويشرب الشراب ويحدث الحدث؟»، قالوا: بلى، فقال: «فكيف يكون
كما زعمتم؟»، فسكتوا وأبوا إلا الجحود(٤).
وها هو يحاور أصحابه ليبين لهم حقيقة
المفلس كما في حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم، ثم يعطيهم الإجابة الصحيحة بعد ذلك
عندما غدت أذهانهم في حالة استعداد كامل للتلقي، ويقوم يومًا بطرح هذا السؤال على
جلسائه: «إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها وإنها مثل المسلم حدثوني ما هي؟» ولم
يتوصل أحد للإجابة إلا ابن عمر ولكنه استحيا.. ولم يعطهم صلى الله عليه وسلم
الإجابة حتى عجزوا وأقروا بعجزهم وطلبوا أن يعرفوها فقال: «هي النخلة» (رواه
البخاري).
وقد سبقت الإشارة إلى إشادة ابن
خلدون بالمدرسة التونسية لاعتماد مدرسيها أسلوب الحوار في التعليم.
٨- مكانة المعلم في التربية الإسلامية
احتفى الإسلام بأهل العلم ورفع من
شأنهم: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا
الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة: ١١).
وقد روى أحمد والطبراني والحاكم عن
عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس من أمتي من لم يجل
كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه». وقد اعتبر صلى الله عليه وسلم
الاستخفاف بالعلماء أمارة من أمارات النفاق فقال فيما رواه الطبراني: «ثلاث لا
يستخف بهم إلا منافق: ذو الشيبة في الإسلام، وذو العلم، وإمام مقسط».
بل إنه كان يستعيذ بالله من أن يدرك
زمانًا لا يعرف فيه للعالم قدره، فقد روى أحمد عن سهل بن سعد أنه صلى الله عليه
وسلم قال: «اللهم لا يدركني زمان لا يُتّبع فيه العليم ولا يستحيا فيه من الحليم،
قلوبهم قلوب الأعاجم وألسنتهم ألسنة العرب».
وانظر إلى الجانب التطبيقي في سيرة
سلفنا من حيث احترام العلماء وتقديرهم، فها هو ابن عباس «حبر الأمة»، مع علوّ
منزلته يأخذ بركاب زيد بن ثابت الأنصاري ويقول: «هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا».
ويقول الشافعي: «كنت أصفح الورقة بين
يدي مالك صفحًا رقيقًا لئلا يسمع وقعها هيبة منه».
وقال الربيع: «والله ما اجترأت أن
أشرب الماء والشافعي ينظر إلي».
حضر أحد أبناء الخليفة المهدي عند
شريك بن عبدالله فاستند إلى حائط وسأله عن حديث فلم يلتفت إليه شريك، ثم عاد فلم
يأبه له، فقال ابن الخليفة: «تستخف بأولاد الخلفاء؟!»، قال: «لا ولكن العلم أجل
عند الله من أن أضيعه»(٥).
9- التربية الإسلامية واللغات الأجنبية
إن الإلمام بلغات الشعوب يعود على
الإنسان بفوائد لا تحصى ويفتح أمامه آفاقًا واسعة للمعرفة والثقافة، وقد برزت
الحاجة إلى تعلم اللغات في صدر الإسلام عند قيام دولته في المدينة المنورة، وذلك
نظرًا لاتصال المسلمين باليهود وغيرهم في الأقطار الأخرى. وقد روي عن زيد بن ثابت
أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب منه أن يتعلم العبرية ليتولى مراسلاته مع اليهود
ففعل، وكان يقوم بالكتابة لهم بها، كما كان يقرأ ويترجم للنبي صلى الله عليه وسلم.
وعن زيد أيضًا أنه عليه الصلاة والسلام قال له: «إني أكتب إلى أقوام فأخاف أن
يزيدوا علي، أو ينقصوا فتعلم السريانية»، فتعلمتها في سبعة عشر يومًا.
۱۰- الجرأة الأدبية في التربية الإسلامية
إن من أهم واجبات المعلم في التربية
الإسلامية القضاء على ظاهرة الخجل والانكسار لدى التلاميذ، وقد حرص سلفنا على
إكساب التلاميذ الشجاعة الأدبية والجرأة في الحق، وقد أثمرت جهودهم في إخراج نماذج
رائعة من التلاميذ الأفذاذ؛ مر عمر يومًا على صبيان وفيهم عبدالله بن الزبير
فهربوا إلا عبدالله فسأله عمر: «لِمَ لمْ تهرب مع أصحابك؟». فقال: «لم أرتكب ذنبًا
فأخافك، وليست الطريق ضيقة فأفسح لك».
ودخل على عمر بن عبدالعزيز في أول
خلافته وفود التهنئة، فتقدم من وفد الحجازيين للكلام غلام لم تبلغ سنه إحدى عشرة
سنة، فقال له عمر: «ارجع أنت وليتقدمن من هو أسن منك». فقال الغلام: «أيد الله
الأمير، المرء بأصغريه قلبه ولسانه؛ فإذا منح الله العبد لسانًا لافظًا، وقلبًا
حافظًا فقد استحق الكلام، ولو أن الأمر يا أمير المؤمنين بالسن لكان في الأمة من
هو أحق منك بمجلسك هذا!».
وقحطت البادية أيام هشام بن عبدالملك
فقدمت القبائل إلى هشام وفيهم درواس بن حبيب وعمره أربع عشرة سنة فأحجم القوم
وعابوا هشامًا، ووقعت عين هشام على الغلام فاستصغره وقال لحاجبه: «ما يشاء أحد أن
يصل إليّ إلا وصل حتى الصبيان!». فعلم درواس أنه يريده فقال: «يا أمير المؤمنين إن
دخولي لم يخل بك شيئًا ولقد شرفني، وإن هؤلاء القوم قدموا لأمر أحجموا دونه، وإن
الكلام نشر والسكوت طي، ولا يعرف الكلام إلا بنشره». فقال هشام: «انشر لا أبا لك!».
قال: «يا أمير المؤمنين أصابتنا ثلاث
سنين؛ فسنة أذهبت الشحم، وسنة أكلت اللحم، وسنة دقت العظم، وفي أيديكم فضول أموال،
إن كانت لله ففرقوها على عباد الله المستحقين لها، وإن كانت لعباد الله فعلام
تحبسونها عنهم؟ وإن كانت لكم فتصدقوا بها عليهم فإن الله يجزي المتصدقين.. وأعلم
يا أمير المؤمنين أن الوالي من الرعية كالروح من الجسد لا حياة للجسد إلا به».
فقال هشام: «ما ترك الغلام في واحدة
من الثلاثة عذرًا»، وأمر أن يقسم في باديته مئة ألف درهم، وأمر لدرواس بمئة ألف
درهم فقال: «يا أمير المؤمنين ارددها إلى أعطية أهل باديتي فإني أكره أن يعجز ما
أمر لهم به أمير المؤمنين عن كفايتهم»(6).
مثل هذه النماذج تعد مفخرة من مفاخر
التربية الإسلامية التي أخرجتهم وأبرزتهم للوجود، والذي عز وجود أمثالهم في عصورنا
الحاضرة وفي ظل التربية الحديثة بأساليبها وطرائقها المتطورة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب
العالمين.
اقرأ أيضًا: