العنوان الاخوان المسلمون فى "مرايا" نجيب محفوظ
الكاتب محمد المنتصر الريسوني
تاريخ النشر الثلاثاء 23-يناير-1973
مشاهدات 11
نشر في العدد 134
نشر في الصفحة 17
الثلاثاء 23-يناير-1973
لا يمكن بحال أن نتجاهل قدر الأستاذ نجيب محفوظ كروائي قدير استطاع أن يقفز بالرواية العربية إلى مستوى مشرق، ويتجلى ذلك في رواياته العديدة التي عالج فيها قضايا متنوعة من اجتماعية وسياسية وأخلاقية وإيديولوجية، والتي تناول فيها نماذج بشرية في تطلعها المختلفة، ونفسياتها المتناقضة..
وأنا لست بصدد وضع تقييم لأعماله الروائية فإن
كثيرا من النقاد قد اضطلعوا بعبء هذا العمل بالدرس والتحليل والمقارنة، ولكن غرضي
هنا هو أن نقف وقفة قصيرة نستجلي خلالها أبعاد عبارات ومدلولات فقر واردة في
روايته الأخيرة (المرايا)، التي صور فيها أشخاصا يمثل كل واحد منهم اتجاها سياسيا
أو أخلاقيا أو دينيا في المجتمع المصري الحديث تحدد مواقفهم من التطور الاجتماعي،
ومفاهيمهم الخاصة عن خليط من القيم، وقد استخدم في كل ذلك ضمير المتكلم معبرا عن
معايشته لهذه الخلية المجتمعية التي تئز أزيز النحل..
وأورد هنا فقرات عند حديثه عن شخصية-
عبدالوهاب إسماعيل الإخواني- لنعقب عليها ونبين الرأي الشخصي فيما ذهب إليه
الأستاذ نجيب محفوظ قال:
(......
وقال بقوة: الاشتراكية والوطنية والحضارة الأوروبية خبائث علينا أن نجتثها من
نفوسنا.
وحمل على
العلم حملة شعواء حتى ذهلت فسألته:
- حتى
العلم؟
- نعم،
لن نتميز به، نحن مسبوقون فيه وسنظل مسبوقين مهما بذلنا.. لا رسالة لدينا
نقدمها للعالم، ولكن لدينا رسالة الإسلام وهي كفيلة بإنقاذ العالم وخلاصه،
فعندنا العدالة الاجتماعية والأخوة الإنسانية وعبادة الله وحده لا رأس المال
ولا المادية الجدلية..
استمعت إليه طويلا ضاغطا على انفعالاتي حتى لا
أخل بواجب المجاملة ثم قمت للانصراف وأنا أسأله:
- ماذا
عن المستقبل؟
- هل
لديك اقتراح؟
- لدي
اقتراح لكنني أخشى أن يكون جاهليا.. هو أن نعود إلى النقد الأدبي...الخ (ص 46-
ط. دار القلم).
إن هذا الكلام يجعلني أوجه للأستاذ نجيب ثلاث
تهم قد يتولى إحداها الدافع على تقريره هذا الحكم مع شرح كل تهمة على حدة.
1- الأستاذ نجيب بحكمه السابق يحاول تملق
الحكم القائم، وقد يؤيد هذا واقع مشهود عند بعض البحاث في مصر حين تصديهم للحديث
عن الحركة التفسيرية للقرآن الكريم، ذلك أنهم في أبحاثهم كلها انتهى بهم البحث عن
المفسرين تغافلوا (وصيغة تفاعل عند علماء العربية تفيد التكلف للدلالة على أن
الفاعل يظهر الفعل وهو ليس يتصف به في الحقيقة) تفسير الشهيد الأستاذ سيد قطب رحمه
الله ودراساته القرآنية الأخرى وأذكر على سبيل المثال فقط الأستاذ محمد رجب
البيومي في كتابه (خطوات التفسير البياني للقرآن الكريم) سلسلة البحوث الإسلامية
الكتاب الثاني والأربعون، الذي عقد فيه فصلا تحت عنوان (مع المعاصرين) فذكر فيه
الأستاذ الخولي رحمه الله والأستاذ محمد خلف الله والأستاذ محمد عبدالله دراز رحمه
الله ولم يشر من قريب أو بعيد- ولو في الهامش- إلى كتاب (التصوير الفني في القرآن)
رغم أنه تحفة أدبية في التفسير البياني تضع صاحبها- بالإضافة إلى كتابه (في ظلال
القرآن) و (مشاهد القيامة في القرآن) وغيرها في الدراسات الإسلامية في عداد
المفكرين الأفذاذ في تاريخ الفكر الإسلامي المعاصر.
2- عزوف الأستاذ نجيب عن معرفة الأساس الجوهري
الذي قامت عليه حركة الإخوان المسلمين وانطلاقتها من هذا الأساس تعمل لتحقيق
الوحدة الإسلامية.
3- ميول نجيب ماركسية كما نستخلصه من رواياته
وإيمانه المطلق بالعلم والمنهج العلمي ويؤكد هذا كله ما نص عليه هو نفسه في جوابه
لرجاء النقاش بالعدد الخاص عنه من كتاب الهلال شهر فبراير 1967- ص 41.
أما التهمة الأولى فقد تبدو غريبة إذ تعودنا
من الأستاذ نجيب في عمله الروائي الصراحة التامة في انتقاد كثير من الأوضاع
الاجتماعية والسياسية قبل الثورة وبعدها في مصر. انظر مثلا مجموعته القصصية
الرمزية (تحت المظلة) التي كتبها بين أكتوبر وديسمبر 1967 بعد النكسة الأليمة 1967
ففيها بيان عن الإنسان السلبي المنهزم العاجز من أدنى تصرف فيما يحيط به من أحداث
خطيرة.
وليس ببعيد عندي أن حركة الإخوان تلك بما كان
لها من دور كبير في انتقاد السياسة قبل الثورة أو بعدها وما اعتورها من نكسات، وما
حيك لها من مؤامرات أصبحت واقعًا يخيف البعض، مما دفع الأستاذ نجيب إلى التزلف
ونفي تهمة التعاطف مع هذه الجماعة، والحديث عنها بروح متجردة عن كل تأثير خارجي.
وبالنسبة للتهمة الثانية فهي تتعلق برغبة نجيب
عن تمثل القيم الإسلامية وأعني بذلك أن روائينا الكبير ليست له صلة- كما يبدو لي-
بالقرآن الكريم والحديث الشريف والدراسات الإسلامية وهذا في نظري حرمان للعمل
الروائي من معين ثري نقي، ومناخ حي سخي.
وفي حديث الأستاذ نجيب عن الإسلام والعلم على
لسان (عبدالوهاب إسماعيل) هجوم وقلب للحقائق يشبه إلى حد بعيد هجوم المستشرقين
المعروف في اتّهامهم الإسلام بالجمود ومحاولته عرقلة المسيرة المعرفية لترجع إلى
الوراء، ولو رجع روائينا إلى شريعة الإسلام لوجدها تقرر في وضوح بدون تلميح أو
غموض- كما يزعم صادق جلال العظم في كتابه «نقد الفكر الديني»- وجوب الأخذ بالعلم
وأسبابه من غير تمييز بين نوع من أنواعه، وأذكّر أخانا نجيبًا أن أول ما نزل من
القرآن الكريم قول الله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ
الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ
بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق: 1-5).
كانت البداية رائعة جدا من القرآن الكريم في
حديثه عن القراءة والقلم وهما مفتاحان يلج بهما الإنسان رحاب العلم في شتى صوره
وأشكاله.
وأردد على مسمع الأستاذ نجيب هذه الآيات
ليتدبرها بإمعان بإحساسه المرهف، ففيها بيان وأي بيان عن العلم في الإسلام من غير
الاحتياج إلى الاستشهاد بالأحاديث الشريفة رغبة في الاختصار قال تعالى: ﴿ن
وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ (القلم: 1)، ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ
يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: 9)، ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي
عِلْمًا﴾ (طه: 114)، ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ
اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ
اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ
فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (آل عمران: 190-191).
وقد قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم آية
التفكر في خلق الله هذه فقال: «ويل لمن قرأها ولم يتفكر، ويل لمن قرأها ولم
يتفكر».
وعلى هذا الأساس انطلق على بركة الله أسلافنا
يبنون الحضارة الإسلامية، حضارة تقوم على العلم، هندسة، رياضيات، فلك، كيمياء،
فيزياء، طب، أدب، نقد، جغرافية، فلسفة. كل هذا هضمه أهل الغرب فغيّر عقلياتهم رأسا
على عقب بعد أن كانوا يضطهدون العلم في كل مكان حتى أدى بهم التعصب والجهل إلى قتل
العلماء وتشريد المفكرين، وقد كانت الكنيسة في كل ذلك تقوم بالدور الرئيسي في هذه
النكبات.
ثم إن الأستاذ نجيبًا اعتبر مهنة (عبدالوهاب
إسماعيل) الإخواني -كناقد- مهنة جاهلية حسب تصور الإخوان الذين يمثلهم هذا الشخص،
وهذا خطأ فادح، جد فادح إذ كلمة (جاهلي) تعني كل ما هو مخالف لمنهج الإسلام، ومن
يستطيع أن يزعم بأن النقد الأدبي فكرة جاهلية بمعنى فكرة مناقضة للتصور الإسلامي؟
أنا لا أعتقد بتاتا أن (عبدالوهاب إسماعيل) المثقف -كما يحكي الأستاذ نجيب- يعد
مهنته تلك جاهلية إن كانت تدور في إطار الموضوعية والقيم الصالحة، كلا ثم كلا،
الإسلام نفسه يا أستاذ نجيب حركة نقدية جد دقيقة، حركة نقدية، انتقدت الوضع
الإنساني في تصوراته المنحرفة، وسلوكه الشاذ وثقافته المتأثرة بأفكار فاسدة.
النقد الأدبي في تصورك أمر مخالف للإسلام، فهم
غريب هذا ورب الكعبة إذ إن كل فنون القول وما يتعلق بها يحتضنها الإسلام في حنان
وعطف في إطار زاويته المتمثلة في نظرته الفذة للكون والإنسان والحياة، تلك النظرة
الجامعة التي لا تشذ عنها إلا الفطرة الإنسانية المريضة.
وأضيف إلى هذا أن القرآن الكريم مدرسة نقدية
فريدة علمت نقادنا الكبار كالجرجاني والآمدي والقيرواني والرافعي والزيات والبشري
وغيرهم قديما وحديثا أسرار البيان وصياغة التعبير وموازين التذوق الأدبي والنقدي.
والتهمة الثالثة تتعلق بميول الأستاذ نجيب
العاطفية للمذهب الماركسي وإيمانه بالمنهج العلمي على حين أن منهج الإسلام يغني عن
جميع هذه المستوردات جميعها إذا عرفنا كيف نطبقه، بروح مخلصة صادقة، ولا أحتاج إلى
أن أذكّر أخانا نجيبًا بأن الإسلام بمفاهيمه القيمة كان الدافع الأساسي إلى تفوق
المسلمين أيام عزهم في المنهج العلمي الذي أخذه عنا الغرب ودرسه في جامعاته كأبحاث
الطوسي في الرياضيات وكتاب ابن سينا (القانون) في الطب وغير هذا مما كان له الأثر
الكبير في المنهج العلمي عند الأوروبيين في العصر الحديث.
ومهما يكن من أمر فإن إعجاب الأستاذ نجيب
بالمذهب الماركسي، وإيمانه بالمنهج العلمي جعله- كما يبدو لي- يغفل حقيقة العلم في
الإسلام، وأسلوبه الخاص في استعماله استعمالا تتجلى فيه قدرة الإنسان وهيمنته عليه
يتحكم فيه بإرادته حتى لا يصبح عبدًا له كما هو الحال عند المعجبين بالعلم في
الغرب.
وأنا أعلم بعد هذا التحليل للتهم الثلاث أن
شخصية (عبدالوهاب إسماعيل) في (المرايا) لا يمكن بحال وهي المثقفة الواعية
المسلمة- إن كانت مسلمة حقيقة- أن تنظر إلى العلم في الإسلام تلك النظرة الباهتة
إلا أننا نكتشف من خلال العملية التحليلية الجيدة لنفسية (عبدالوهاب إسماعيل) أنه
رجل ليس مخلصا لمبدئه الإسلامي الإخلاص الحقيقي، لكونه نفعيا في دخيلة نفسه،
متأرجحا بين مطامحه.. يقول نجيب متحدثا عن ذلك: «وتذكرت في الحال موقفه الأعمى من
الكاتب القبطي فأزعجني جدا اكتشاف ذلك الجانب الانتهازي في شخصيته وساورني شك من
ناحية صدقه وأمانته، واستقر في نفسي- رغم صداقتنا- نفور منه».
وفي نظري أن مثل شخصية (عبدالوهاب إسماعيل)
ليست مما يحكم بها بجرة قلم على هيئة مسلمة كان لها أثرها الواضح الفعال في تربية
الأفراد تربية إسلامية وتوجيهها توجيها صحيحا نحو الهدف المنشود، وقد يكون (عبدالوهاب
إسماعيل) من جملة أولئك الانتمائيين الكثيرين الذين ينضمون إلى المنظمات من أجل
تحقيق غرض شخصي، وإن حاولنا جعل هذه الشخصية مقياسا دقيقا للحكم على حركة الإخوان
ساغ لنا حينذاك أن نحكم على الإسلام اليوم من خلال تصرفات المنتسبين له بأنه دين
شعوذة وتخلف ورجعية! وذاك ما لا يمكن لعقل أن يتصوره.
وكان من الضروري للأستاذ نجيب وهو يرصد
الظاهرة النفسية لعبدالوهاب إسماعيل أن يتحفظ خاصة في قضية العلم في الإسلام ويبرز
بفنيته المعهودة الحقيقة، مبينا للقراء فداحة التصور الخاطئ لدى (عبدالوهاب
إسماعيل) وبهذا سيبرهن نجيب عن روحه المنصفة ورزانته في تناول القضايا الإسلامية
وإن لم يكن مقتنعا بها.
وبتدبري لشخصية (عبدالوهاب إسماعيل) في
(المرايا) تبادر إلى ذهني بالقرائن أنه يقصد فردا مهما بعينه، وأنا لا أريد أن
أتورط في التصريح باسمه فقد أكون خاطئا مع نفسي وأرجو أن يتحقق ذلك من أعماق قلبي،
ولكن كيف يتحقق؟ الجواب أتركه للقراء حين يرجعون للمرايا ليدلي كل من له قدرة على البحث
برأيه عن المقصود بشخصية (عبدالوهاب إسماعيل) وإذا ما وقع الاتفاق على من أرشدتني
إليه القرائن قمت بدحض التهم إنصافًا للتاريخ، وإرضاء للضمير.
ولا أود أن أنهي الحديث دون الإشارة- وهذا
موضوع يستحق الكتابة والبحث- إلى أن الأستاذ نجيبًا ومعه آخرون من الأدباء- بطاقته
الفنية وقدرته التحليلية في الرواية، وبعد نظره- لو حاول الإكباب على دراسة
الإسلام في مصادره الأصلية، واكتناه أغواره وأسراره، وتقمص قيمه الرفيعة لأخرج
أعمالا روائية رائعة عن قضايا الإنسان ومركزه في الحياة والكون، وتناسقه العجيب
بطريقة إسلامية متفتحة مقطوعة الصلة بالخطابية والوعظية التي قد تظهر في العمل
الفني عند من لا يجيد الصياغة الفنية وعملية النسج الروائي.