; نحو عقد مصالحة بين الغرب والإســلام | مجلة المجتمع

العنوان نحو عقد مصالحة بين الغرب والإســلام

الكاتب أكمل الدين

تاريخ النشر السبت 01-يوليو-2006

مشاهدات 63

نشر في العدد 1708

نشر في الصفحة 34

السبت 01-يوليو-2006

يعيش العالم اليوم مرحلة تموج فيها اقتراحات متعددة وأطروحات مختلفة وآراء متباينة تدور حول موضوع الحوار بين الإسلام والغرب، أو الإسلام والأديان السماوية الأخرى، كما نسميها نحن المسلمين، أو الأديان الإبراهيمية كما يقبل البعض في الغرب أن يسميها، أو حوار الحضارات أو المسمى الذي كان يستعمله الجيل السابق لنا الحوار بين الشرق والغرب أو تحالف الحضارات في آخر مسمى وفد علينا من أوروبا.

وقد عرف جيلنا العديد من المبادرات في وادي الحوار، وكانت هذه المبادرات تتم لبواعث سياسية واقتصادية، وغالبًا ما تأخذ طابعا ثقافيا، ونرى أن بدايات المبادرات تتأرجح بين الشرق والغرب حسب اهتمام الطرف الذي يبدأ بالمبادرة، وفي الأعوام الأربعين الأخيرة عرفنا وعاصرنا العديد من هذه المبادرات التي بدأت في الشرق من طرف زعماء وشخصيات إسلامية، أو في الغرب من طرف المؤسسات الحكومية وغير الحكومية، حيث كان الطرف المبادر يسعى إلى تحقيق أهداف سياسية أو تأمين مصالح اقتصادية، مما يملي عليه أن يسعى إلى خطب ود الطرف الآخر. 

الرسوم.. وحوار الشرق والغرب

 وقد ظهرت أزمة بين العالم الإسلامي وأوروبا بعد نشر الرسوم الكاريكاتيرية البذيئة الشكل التي استهدفت شخصية الرسول الأكرم ﷺ لأول مرة في صحيفة دانماركية في «30» سبتمبر من العام الماضي، وأعيد نشرها في صحيفة نرويجية في «10» يناير من هذا العام، ثم جرى نشرها في العديد من الصحف الأوروبية، وتفرض هذه الأزمة - التي ما زلنا نعايش أبعادها المختلفة على الجميع في الشرق والغرب- وقفة تأمل ومحاسبة النفس ومراجعة التزام الطرف الآخر بمسؤوليته في هذا الحوار الذي مضى عليه ما يقرب من أربعين عامًا لدراسة إشكالية هذا الحوار ونجاعته.

واليوم ونحن أمام أزمة الرسومات الكاريكاتيرية، ما زلنا نواجه المشكلة الناجمة عن نشر هذه الرسومات ونحاول أن نشرح للحكومات والمؤسسات الأوروبية كما للرأي العام الأوروبي معنى هذه الإساءة إلى مشاعر المسلمين جميعًا، وأحقية ردود الفعل التي تجلت في شكل المقاطعة الاقتصادية للبضائع الدانماركية، وكذلك مظاهرات الاحتجاج السلمية، وندعوهم إلى التفاهم من أجل وضع حد لمثل هذه التجاوزات غير المتحضرة باسم حرية الرأي. 

ونجد في مقابل ذلك أن هناك موقفًا أوروبيًا رسميًا مشتركًا مبنيًا على التضامن مع موقف حكومة الدانمارك القائل بأنها لا يمكن لها أن تعتذر إلى العالم الإسلامي لما نشرته تلك الصحيفة؛ لأن حرية الصحافة مكفولة بالقانون ولا سلطان ولا مسؤولية للحكومة في هذا المجال، وأن الأمر متروك للقضاء للفصل في قضية ما إذا كان نشر مثل هذه الرسوم يشكل خرقًا للقانون أم لا، الأمر الذي أتضح فيما بعد أنه لا يشكل أي خرق، وأن الدعاوى التي أقامها المسلمون في الدانمارك إما رفضت أو حفظت دون تحميل الجريدة أية مسؤولية لنشرها مثل تلك الصور. 

ما هدف الحوار؟ ولست بصدد كتابة تاريخ تطور هذه الأزمة وموقف منظمة المؤتمر الإسلامي المستمر في معالجتها منذ أول يوم لكن السؤال الآن: ماذا لو أن الحوار الذي يرجع تاريخه إلى أربعة عقود كانت قد أثمرت نتائجه؟ فلماذا تأخر الغرب أربعة أشهر في تناوله هذه المسألة؟ والجواب الطبيعي لكل من يرغب أن يعيش في عالمنا في أمن وسلام هو إيجاد البديل. وفي رأيي أن البديل للمحاولات السابقة للحوار ينبغي أن يقوم على أساس تحديد هدف واضح لهذا الحوار والهدف في رأيي هو عقد مصالحة تاريخية بين الغرب والإسلام، وقد سبق أن دعوت إلى هذا في أكثر من خطاب وجهته إلى الرأي العام الأوروبي، ولا يمكن تحقيق هذه المصالحة إلا إذا كان هناك التزام سياسي بين الأطراف المعنية بعملية الحوار والتزام من وسائل الإعلام على دعمه، وبطبيعة الحال فإنه لا يمكن الخوض في تفاصيل هذا الأمر في مثل هذا الحيز المحدود. ولكنني سأوجز القول بأن أشير إلى أن الحوار المنشود على الرغم من واجهته الثقافية الواضحة، قد ثبت أنه غير كاف.

فالحراك الثقافي التنافسي بين الطرفين عبر القرون ولد مشاعر عميقة من الجفاء وانعدام الثقة نجمت عنها مفاهيم ومواقف سياسية نفذت إلى الوعي الجماعي للطرفين، بحيث إن اجتثاث هذه المشاعر يتطلب اليوم حلولًا سياسية مقنعة وعملية لاستبعاد كل عوامل التنافر الناجمة عن بعض المواقف السياسية والنمطية إلى جانب الحلول الثقافية والإعلامية المعتادة. 

ومما يوجب هذه المصالحة التاريخية التي تتجاوز العداوات التاريخية القديمة تبدل الظروف والأحوال والمفاهيم ودخول العالم في عهد العولمة التي أوجدت عالمًا جديدًا من الترابط والتواصل، ترفده مجموعة من المبادئ والقيم السامية الجديدة التي تعترف بالآخر، وتؤمن بمبادئ التسامح وتنأى عن التمييز وكراهية الغير وتعتقد بالمساواة بين البشر وحقوق الإنسان وما إلى ذلك، وهذه القيم العالمية هي موضع اتفاق الجميع، ولها جذورها الراسخة في تعاليم الدين الإسلامي، وفي قيم عصر التنوير في أوروبا. 

كما أن وجود جاليات إسلامية كبيرة في أوروبا اليوم يجعل من جلاء العلاقات الإسلامية - الغربية وتحسنها وتطويرها أمرًا حيويا لكلا الجانبين، عن طريق مبادرات عملية ورسمية لمحاربة أفكار كراهية الإسلام في الغرب، وكراهية الغرب في العالم الإسلامي لمصلحة تعايشهما الذي لا مفر لهما منه، باعتبار الوضع الجغرافي الذي يجعل كلًا منهما امتدادًا طبيعيًا للآخر. 

وقد بدأ العالم الإسلامي والغرب من الاقتراب قليلًا نحو هذا التوجه في المبادرة التي جمعت في مدينة إستانبول عام «200» لأول مرة في التاريخ - وزراء خارجية الأقطار الإسلامية، والأقطار الأوروبية في المنتدى المشترك لمنظمة المؤتمر الإسلامي والاتحاد الأوروبي حول الحضارة والانسجام - التوافق السياسي الذي شكل انطلاقة عملية لتغيير جوهري في الطرفين، ومهد الطريق للبدء في حوار سياسي قد يوصل إلى المصالحة التاريخية التي أشرت إليها والتي تصب في مصلحة الطرفين على جميع الأصعدة، وينبغي أن تبذل جهودًا حثيثة لتهيئة الظروف التي تمهد لعقد جولة أخرى من منتدى استانبول المذكور لمواصلة هذه المسيرة العملية الواعدة.

وختامًا.. أحب أن أؤكد أن الحوار الذي عرفه جيلنا قد بلغ مداه وأثبت فشله ولا بد لنا الآن من هدف واضح، ومنهجية جديدة، والتزام سياسي، ودعم إعلامي وإلا فإن كل مشروعات الحوار أو التحالف وما إلى ذلك من مسميات وتنويعات لفظية يمكن لن تقف أمام تحدي المشكلات الصعبة التي سنجابهها في المستقبل، وسيظل الأمر مجرد سلسلة من الاجتماعات تتم تحت هذا المسمى أو ذاك، يتبادل فيها المشاركون وجهات النظر، ويقولون ما يحلو لهم أو ما يحلو للطرف الآخر سماعه ثم ينصرفون.

الرابط المختصر :