; معادلات إيمانية- الهيبة: كانت أحد الأسباب الرئيسة لانتصارات المسلمين وفتوحاتهم | مجلة المجتمع

العنوان معادلات إيمانية- الهيبة: كانت أحد الأسباب الرئيسة لانتصارات المسلمين وفتوحاتهم

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 23-مايو-2000

مشاهدات 52

نشر في العدد 1401

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 23-مايو-2000

الهيبة: «خوف مقارن للتعظيم والإجلال، وأكثر ما يكون مع المحبة والمعرفة» -كما يعرفها ابن القيم([1])-، وهي نتيجة طبيعية للخوف من الله تعالى، ومعادلتها بسيطة، وتتمثل في: «من هاب الله هابه الناس» لهذا نجدها في الأنبياء والصالحين، وليس ذلك فحسب بل في كل من خاف الله تعالى وأتقاه. 

يقول الإمام المباركفوري في تحفة الأحوذي: «هابه: أي خافه وقارًا وهيبة، من هاب الشيء إذا خافه ووقره وعظمه»([2]).

وبهذا التعريف فإن الهيبة لا يمكن أن تكون مقرونة بالحب والتوقير، إذا كانت صادرة من الأعداء والفساق أو المحاربين لدين الله سبحانه، إنما تكون كذلك إذا صدرت من المؤمنين المحبين لله ورسوله.

هيبة الرسول صلى الله عليه وسلم: لذلك نرى تلك الهيبة العظيمة في شخصية النبي ﷺ إلى درجة أن الصحابة الكرام كانوا يهابون حتى سؤاله، فقد روی مسلم في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «سلوني»، فهابوه أن يسألوه.. الحديث([3]).

وجاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: صلى بنا النبي ﷺ الظهر ركعتين ثم سلم ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد ووضع يده عليها، وفي القوم يومئذ أبو بكر وعمر فهابا أن يكلماه.. الحديث([4]).

ولم يستطع أن يكلمه إلا رجل كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعوه ذا اليدين.

هيبة الصحابة: هذه الهيبة لم تكن في الأنبياء فحسب، بل كل من اتقى الله وخافه، ولهذا السبب نجدها بوضوح في أفضل الناس بعد الرسول صلى الله عليه وسلم وهم صحابته الكرام.

فهذا حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: «قال عمر رضي الله عنه أيكم يحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم له عن الفتنة، قال قلت أنا أحفظه كما قال، قال: إنك عليه لجريء، فكيف قال: قلت فتنة الرجل في أهله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصدقة والمعروف، قال سليمان قد كان يقول الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال ليس هذه أريد، ولكني أريد التي تموج كموج البحر، قال: قلت لست عليك بها يا أمير المؤمنين بأس بينك وبينها باب مغلق قال فيكسر الباب، أو يفتح، قال قلت لا بل يكسر، قال: فإنه إذا كسر لم يغلق أبدًا، قال: قلت أجل، فهبنا أن نسأله من الباب، فقلنا لمسروق سله، قال فسأله، فقال عمر رضي الله عنه قال قلنا فعلم عمر من تعني، قال نعم كما أن دون غد ليلة وذلك أني حدثته حديثًا ليس بالأغاليط([5]).

هيبة التابعين والعلماء: التابعون كانوا أكثر الناس خيرية بعد جيل الصحابة رضي الله عنهم جميعًا، ولذا كانت الهيبة فيهم كبيرة. 

ففيما يرويه عمر بن جعثم عن التابعي الجليل الإمام شيخ أهل الشام خالد بن معدان أنه:

«إذا قعد لم يقدر أحد منهم يذكر الدنيا عنده هيبة له»([6]).  

وكان شيخ التابعين الحسن البصري رضي الله عنه ذا هيبة كبيرة حتى إن أيوب السختياني يقول عنه: «كان الرجل يجلس إلى الحسن ثلاث حجج ما يسأله عن المسألة هيبة له»([7]). 

ومما يرويه الإمام أحمد عن أحد شيوخه الإمام شيخ الإسلام، ومحدث بغداد هشيم بن بشير يقول «لزمت هشيمًا أربع سنين، أو خمسًا، ما سألته عن شيء إلا مرتين هيبة له، وكان كثير التسبيح بين الحديث»([8])، وروى الإمام الدقي عن شيخه ابن الجلاء القدوة العارف شيخ الشام قوله: «ما رأيت شيخًا أهيب من ابن الجلاء مع أني لقيت ثلاثمائة شيخ»([9]).

خوف الله والهيبة: وينجلي بعد هذا العرض أن الهيبة نتيجة طبيعية للخوف من الله تعالى، ولهذا يستخلص الشيخ الواعظ يحيى بن معاذ مما سبق معادلة الهيبة فيقول: «على قدر خوفك من الله يهابك الخلق»([10]).

ولهذا السبب كان النبي صلى الله عليه وسلم أكثر الناس هيبة لأنه كان أكثر الناس خوفًا من الله تعالى، حتى جعل الصحابة الكرام يهابون سؤاله، وكان الصحابة الكرام أكثر الناس خوفًا بعد النبي صلى الله عليه وسلم فكان التابعون يهابون من سؤالهم.

نصرت بالرعب: ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان أكثر الناس خوفًا من الله تعالى، وصحابته الكرام، كان أعداء الله أشد هيبة منهم حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم عن جابر بن عبد الله: «أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر..» الحديث([11]). 

وما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فضلت على الأنبياء بست أوتيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون»([12]).

فقد قذف الله الرعب والهيبة في قلوب أعداء الله من الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام على بعد شهر، ولعل هذا أحد الأسباب الرئيسة في انتصارات المسلمين على الكفار والفتوحات التي وصلت إلى مشارف أوروبا.

انتزاع الهيبة: عندما يقل هذا الخوف من الله تعالى، ويصبح الخوف من المخلوق أكبر من الخوف من الله تعالى، فإن الله تعالى ينزع هذه الهيبة من قلوب الأعداء جزاء وفاقًا لعدم خوفه من الله حتى تمضي المعادلة ونتائجها من غير تبديل ولا تعديل، فهي سنة ماضية إلى يوم القيامة، يقول الإمام القدوة الزاهد عبد الله بن عبد العزيز العمري، الذي وعظ الرشيد يومًا فأغمي عليه: «من ترك الأمر بالمعروف خوف المخلوقين، نزعت منه الهيبة، فلو أمر ولده لاستخف به»([13]).

آخر الزمان: عندما يتناقص هذا الخوف من الله في آخر الزمان، ويزداد الخوف من المخلوق، ويزداد التعلق بالدنيا وتنسى الآخرة، ينزع الله الهيبة تمامًا من قلوب أعداء المسلمين، حتى يتجرؤوا عليهم من كل صوب وحدب، ويمثل هذه المأساة التي تحدث للمسلمين قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن، فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت»([14]).

[1]) ) مدارج السالكين ١/ ٥١٣.

[2]) ) تحفة الأحوذي ١٠ / ١٢٠.

[3]) ) رواه مسلم -الإيمان- وله تكملة.

[4]) ) رواه البخاري ٥٥٩١ في الأدب وله تكملة

[5]) ) رواه البخاري ١٣٤٥ - الزكاة

[6]) ) نزهة الفضلاء ١ / ٤٣٩.

[7]) ) نزهة الفضلاء ١/ ٤٤٨.

[8]) ) نزهة الفضلاء ٢/ ٦٤٧.

[9]) ) نزهة الفضلاء ١٠٣٦/٢.

[10]) ) صفة الصفوة ٩٥/٤.

[11]) ) رواه مسلم ۸۱۰ -المساجد.

[12]) ) رواه البخاري ۳۲۳ وله تكملة.

[13]) ) سیر أعلام النبلاء ٨/ ٣٧٥.

[14]) ) رواه أبو داود ٣٧٤٥ في الملاحم وصححه الألباني «الصحيحة956».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل