; مقاصد الإساءة والتشويه في أفلامهم | مجلة المجتمع

العنوان مقاصد الإساءة والتشويه في أفلامهم

الكاتب المهدي المغربي

تاريخ النشر الثلاثاء 11-أبريل-1989

مشاهدات 94

نشر في العدد 912

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 11-أبريل-1989

منذ عام 1985م لاحظ المهتمون بقضايا السينما تقدم الأخطبوط الصهيوني للسيطرة على القطاع السينمائي في أكثر من بلد أوروبي وإحكام قبضته على السينما العالمية عمومًا؛ منتجين ومخرجين وممثلين ودور عرض وشركات إنتاج وتوزيع، ولا أدل على ذلك من سيطرة الصهاينة على مهرجان «كان» التاسع والثلاثين ومشاركتهم فيه لأول مرة بخمسة وعشرين فيلمًا، ولا أدل على ذلك أيضًا من توصل الثنائي الصهيوني مناحيم جولان، ضابط مخابرات «إسرائيلي» سابقًا، وبورام جالويس من شراء شركة غومون الإيطالية إحدى كبريات شركات الإنتاج والتوزيع السينمائية وضمها إلى مملكتهما المعروفة باسم شركة «كانون» ومقرها الرسمي في فلسطين المحتلة، وهي تمتلك على سبيل الإشارة جميع دور العرض في هولندا ونصف دور العرض في بلجيكا وهي تحاول شراء القسم الفرنسي من شركة غومون.

وتأتي هذه الهجمة على كبريات الشركات السينمائية الأوروبية إيمانًا من الصهاينة بأهمية السينما كوسيلة توجيه واتصال جماهيري واستكمالًا لسيطرتهم الإعلامية بعد أن وضعوا أيديهم على العديد من المؤسسات الصحفية ووكالات الأنباء وشبكات التلفزيون.

ومن الطبيعي أن يؤدي هذا الغزو الصهيوني للسينما العالمية عمومًا إلى إنتاج نوعية من الأفلام التجارية ذات المضامين الهدامة والأهداف المشبوهة والأفكار المسيئة بالخصوص للشخصية العربية والإسلامية، وإذا كان البعض منا قد سبق له أن لاحظ مقاصد الهدم والتشويه الحضاري لكل ما هو عربي وإسلامي في الأفلام والمسلسلات الغربية واستاء من ذلك، فإن هذه المقاصد ستبرز أكثر فأكثر من الآن فصاعدًا في ظل هيمنة المال الصهيوني على السينما الغربية، هذا المال الذي سيستغل نجوم السينما وسيخرس الأصوات ويعطل الألسن التي تنادي بالتقيد بالموضوعية على قلتها.

أنماط جاهزة

باعتبار أن الجمهور الأكبر من المتفرجين الغربيين على الأفلام لا يتخذون التحليل المنطقي للوصول إلى الحقائق وليست لهم نظرة عقلية منطقية للأمور كما ليست لهم خلفية ثقافية تساعدهم على فك المغازي والمقاصد لأي عمل سينمائي علاوة على كونهم لا يتحلون بالموضوعية وتربوا في أحضان فكر صليبي عنصري، فإنهم يصدقون ما يشاهدونه من صور مشوهة عن العرب والمسلمين، ويصبح من العسير تغيير تلك الصور في أذهانهم وانتزاع الأفكار المسبقة التي ثبتها كل وسائل الإعلام في عقولهم.

ومن هنا نفهم لماذا تركز السينما الغربية عمومًا على تشويه صورة العربي والمسلم في أذهان الغربيين؛ أوروبيين وأمريكيين، من خلال أنماط وقوالب جاهزة، ويكفي أن نشاهد فيلمًا من الأفلام المسيئة للعرب والمسلمين وما أكثرها حتى تتضح لنا جوانب هذه الصورة المشوهة للعربي المسلم، فهو عندهم شاذ جنسيًا كل همه أن يشبع نزواته، وقد توافرت له أموال طائلة لا يعرف كيف ينفقها، وهو رجعي متخلف لا حظ له من الثقافة والعلم والأدب، أو هو إرهابي شرير معاد للسلام ومزعزع للأمن، وأخف تلك الأفلام إساءة للعرب والمسلمين تلك التي تصورهم متزمتين متعنتين منغلقين عن الحضارة بمفهومها الغربي من الصعب التفاهم والتعامل معهم.

لا شك أن لأيدي الصهاينة دورًا كبيرًا في رسم هذه الصور وهم يحتلون أهم المواقع داخل المؤسسات السينمائية الغربية يقول مناحيم جولان، صاحب شركة «كانون»: لقد أعلن العرب أنهم سيقاطعون «إسرائيل»، إذن فليقاطعوا كل إنتاج ونجوم العالم؛ لأننا نتعامل معهم، وهذه حقيقة لا مفر من مواجهتها ووضعها في الحسبان، فقد تزايد عدد المخرجين والممثلين الذين تعاملوا مع الصهاينة وروجوا مقولاتهم وشوهوا صورة العرب والمسلمين تزايدًا كبيرًا في السنوات العشرين الأخيرة.

ولو أردنا أن نقوم بجرد لأسماء هؤلاء لطالت القائمة فهناك مثلًا وليس على سبيل الحصر: روك هدسون، بروك شيلدز، کاترين هيبور، شالز برتسون، مارتا گيلر، هاريسون فورد، ومن المخرجين المجري ميكلوس بانشكو والأمريكي أندرو ماولا غن والإيطالي فرنكو زيغرللي والفرنسي جان لوك غودار والسويدي ستيفن سبيلبرغ.

ممثل عربي باع نفسه للصهاينة

لم يستدرج الصهاينة الممثلين الغربيين لتنفيذ سياستهم السينمائية وبث أحقادهم وتشويه كل ما هو عربي ومسلم، بل إنهم استطاعوا استدراج ممثل عربي باع عروبته وتنكر لبني جلدته، وهذا الممثل هو نديم صوالحة الذي مثل دور الفلسطيني في فيلم «هاف مون ستريت»، وعنوان هذا الفيلم هو اسم شارع في منطقة سكنية راقية بالعاصمة البريطانية، وتدور قصته حول فتاة بريطانية تدعى مس سلوتر تعمل في معهد للدراسات العربية في لندن، وبعد فترة الدوام الرسمي تعمل «مرافقة» للعديد من الشخصيات في مؤسسة مشبوهة توفر الرقيق الأبيض للعرب بالذات ولكبار الشخصيات السياسية في العالم، ثم تتعرف هذه الفتاة على رجل فلسطيني (هو الممثل الأردني نديم صوالحة)، كما تتعرف في الوقت نفسه بشخصية سياسية بريطانية (يمثلها الممثل البريطاني مايكل كين).

ويظهر الفلسطيني من خلال علاقته بالفتاة البريطانية مغدقًا للمال والهدايا والعواطف والحنان حتى إنه يتنازل لها عن شقته الفخمة في حي «هاف مون ستريت»، ثم تتوالى الأحداث وتربط الصلة بين الإنجليزي والعربي الفلسطيني ويظهر البريطاني في صورة الرجل المحب للسلام الذي يريد أن يقوم بدور الوسيط لفتح حوار «إسرائيلي» عربي من أجل تحقيق السلام.

أما العربي فيظهر في صورة المناصر للعنف الرافض للسلام المتحامل على اليهود يعمل كل ما في وسعه لإحباط جهود السلام والمبادرات الداعية للتفاهم والحوار، ولا يخفى على القارئ ما في هذه الصور من قلب للحقائق وتزوير للواقع، والعالم كله يسمع اليوم من اعتراض الصهاينة من أية عملية سلام حقيقي تعيد للفلسطينيين ولو جزءًا من حقوقهم المشروعة، وينتهي الفيلم المذكور بكشف البوليس البريطاني لخيوط مؤامرة مشبوهة حاكها حسب زعمهم العربي عشيق الفتاة البريطانية لإحباط مشروع اجتماع سلام، وهكذا يبدو البريطاني مخلصًا للإنسانية، ويبدو العربي مخربًا شريرًا داعيًا إلى العنف والإرهاب!

«قوة الدلتا» (DELTA FORCE)

«قوة الدلتا» فيلم أمريكي من إخراج الصهيوني مناحيم غولان، وهو من أفلام المغامرات العسكرية على غرار «رمبو»، و«المدافع»، و«كومندوز»، وهو يعتمد على الحركة وعلى قعقعة السلاح، وهو مليء بتلك التهجمات العنصرية يعتمد على الأسلوب المباشر المبتذل في سب العرب والمسلمين والنيل منهم، ومن لقطاته انطلاق صاروخ صهيوني وإصابته لفدائي صرخ «الله أكبر»، وحتى الراهب الكاثوليكي جعله مخرج الفيلم ينحاز لليهود في محنتهم ضد المسلمين!

ولكن هذا الفيلم الذي خرج فيه المخرج عن طوره وعبر عن حماقته بحيث جعل أحد أبطاله يطلق الرصاص من رشاشه «العوزي» على كل عربي يعترضه في الشارع، يعتبر من الأفلام الفاشلة، وهو أقل تأثيرًا من عشرات الأفلام المسيئة للعرب، ولكن بطرق ذكية ومبطنة ومنها مثلًا «تقلب» و«بروتوكول».

ومما يبعث على القلق الآن اتجاه السينمائيين الصهاينة ومن يدور في فلكهم إلى تناول التراث العربي الإسلامي وتقديمه من خلال الشاشة للمشاهدين في الدول الغربية وخارجها، ذلك وسيتم من منظور ورؤية صهيونية صار التشويه أصلاً من أصولها، فشركة كانون المذكورة سابقًا تعتزم تصوير فيلم عن «السندباد»، و«ألف ليلة وليلة» وفي جعبتها الكثير من المشاريع التي تتصل بالتراث العربي والإسلامي، ولكن الذي يؤسف له أكثر هو بعض الأعمال السينمائية العربية التي تقتفي أثر السينما الغربية وتغتال القيم الإسلامية وتبث السم في الدسم، وكلنا يعرف كيف تقدم السينما المصرية بالخصوص رجل الدين أو مدرس اللغة العربية وكيف تصف الرجل المسلم المحافظ على ذمته وكرامته وتقاليده.

مسؤوليتنا

إذا كانت الأنماط الجاهزة لكل ما هو عربي إسلامي مغروسة في أذهان معظم المشاهدين الغربيين، وإن كان الصهاينة يعملون كل يوم على تشويه صورتنا والسخرية من قيمنا ومعتقداتنا، فإنه لا يكفي أن نلقي عليهم باللائمة، وأن ترتفع بعض الأصوات هنا وهناك منددة بتشويههم لصورتنا وإساءتهم إلينا، ثم تذهب تلك الأصوات مع الريح، بل علينا أن نتحرك على الساحة الإعلامية التي لا تقل أهمية عن أية ساحة إعلامية أخرى؛ إذ لا مفر لنا من مقارعة الأعداء على كل الجبهات وعندئذ يصبح بالإمكان تحطيم الأنماط والقوالب الجاهزة التي وضعوها فيها ويصبح بالإمكان كشف زيف ادعاءاتهم وإفشال مخططاتهم.

فهل نقوم بمسؤولياتنا في الدفاع عن ديننا وعن هويتنا إحقاقًا للحق وإنصافًا للباطل؟

الرابط المختصر :