; آثار المخطط السيامي في إضعاف الروح الجهادية لدى المسلمين المبعدين عن فطاني | مجلة المجتمع

العنوان آثار المخطط السيامي في إضعاف الروح الجهادية لدى المسلمين المبعدين عن فطاني

الكاتب أبو الحسن المغربي

تاريخ النشر الثلاثاء 17-أغسطس-1976

مشاهدات 77

نشر في العدد 313

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 17-أغسطس-1976

 

نجح المخطط السيامي في إضعاف الروح الإسلامية لدى المسلمين المبعدين عن فطاني، حيث قذف بهم في خضم بوذي لم يألفوه، وفرض عليهم مناخًا أبعدهم عن مناهل الثقافة الإسلامية، وبانقراض الجيل الأول منهم تلاشت الصورة الأولى لمقدمهم، وما كان يصاحبها من روايات تذكي في نفوسهم عوامل الحنين، وتغذي عواطفهم بروح الجهاد ودفع الظلم الذي وقع عليهم وقادهم إلى هذا المصير.. شيئًا فشيئًا تباعدوا بحكم فقدانهم لمقومات الثقافة والتوعية عن فطاني الوطن الأم. 

ولم تكن في سيام حينذاك من معاهد التربية والتعليم سوى المعابد البوذية، ولم يكن المعلمون فيها سوى الرهبان؛ فخشيت الأغلبية مــــــن المسلمين المبعدين من ارتياد هذه المعاهد خوفًا على مستقبل أولادها، فانطووا على أنفسهم ورفضوا كل ثقافة غير إسلامية، ولما رفعت القيود التي فرضها البغاة والمعتدون عليهم، يممت أفواج من النشء المسلم شطر فطاني لطلب العلم، وكان لهذا المسلك أثره في الحفاظ على إسلامهم، ومن هنا يمكن الاستنتاج بأن الثقافة كانت سببًا في البقاء على إسلام أحفاد الأسرى المبعدين أو المرحلين، ولكن أثرها في ترسيخ الروابط بينهم وبين فطاني كان ضعيفًا ولا شك أن هذا مرده إلى تأثير البيئة الجديدة.

وإذا كانت الأغلبية انطوت على نفسها ورفضت بدافع الخوف والشك من قبول الثقافة السيامية، فإن القلة التي لم تتحفظ في الأخذ بهذه الثقافة وجدت أمامها الطريق مفتوحًا لشغل المناصب والتقرب من الحكام، وشكلت هذه القلة مركز القيادة والزعامة على الأغلبية، ونافسها في ذلك أحفاد المهاجرين من الهند وإيران. 

ويمكن القول بأن الفريق الذي بهره بريق المناصب قد ابتعد عن دينه، وتحطمت الحواجز بين أفراد هذا الفريق وبين البوذيين، فلم يجدوا حرجًا في نكاح البوذيات ومصاهرة البوذيين، فنالوا ثقة الحكام وأصبحوا بمثابة الجسر الذي عبرت وتعبر عليه الحكومات المتعاقبة لتنفيذ مخططاتها بفطاني، فهم يحملون أسماء إسلامية وينتسبون إلى أسر إسلامية، ولكن دماءهم ومشاعرهم سيامية عنصرية، أحيوا دعوى الجاهلية وأصبحت «الشعار» لعقيدتهم.. 

فالوطنية تُقدّم على الدين 

والجهاد من أجل الأرض يقدم على الجهاد من أجل العقيدة، ولفظة.. مسلمو تايلاند.. هي السمت المميز لهم عن الارتباط بعوامل الأخوة والمشاركة مع أبناء الأقطار الأخرى. وإرضاء الحكام من وجهة نظرهم خير من البقاء على أبناء دينهم.

وإن المتأمل في أحوال هذا الفريق لو اعتبر بما يراه من عاقبة أمرهم في الدنيا لعلم بأن الدنيا ما هي إلا حياة الغرور، فبعضهم يموت بنياشينه وألقابه فلا يشهده مسلم في لحظة الاحتضار، ويلقى بجثمانه بأحد المعابد وتتم المراسيم المعهودة وهي حرق جثته كما يفعل بالكفرة البوذيين.

والبعض الآخر لا يدري أهله عنه شيئًا حتى في حال حياته.. لقد انغمس في الشهوات وترك جماعة المسلمين وقبع بجوار زوجته أو خليلته البوذية. 

والبعض منهم تقام عند موته الاحتفالات الوثنية فتصبح الصلاة عليه غير صلاة الجنازة المعهودة، فبدلًا من دعاء إخوانه المسلمين يُستبدل بصور من حداد الكافرين على موتاهم، فلا ترى إلا الزهور تلقى على قبره، والشفاه تتمتم بتضرعات إلى آلهة المشيعين من الأحجار والأشجار والشياطين «أن تحف الآلهة روح المتوفي فلا تحل في جسد كلب أو خنزير».

إن الدارس لأحوال المجتمع المسلم في العاصمة بانجكوك يرى عجبًا.

فكم من أسر ذابت في خضم المجتمع البوذي بحكم التهافت على المناصب وإيثار العاجلة على الآجلة، فلم يبقَ من أفرادها أحد من المسلمين. 

وكم من فتيات مسلمات اقترنَّ ببوذيين فلم يعد يربطهنَّ بدينهنَّ الإسلامي أي شيء.

وكم من أفراد انسلخوا بحكم شهواتهم من مجتمعهم الإسلامي، فتركوا ذرية هم إلى الكفر أقرب منهم إلى الإيمان.

والمشاهد لأحوال هؤلاء وهؤلاء يتعجب.. أي أمر دهى الإسلام في هذا البلد؟ أهكذا تناسى هؤلاء ما جرى لأجدادهم؟!

أهكذا تهون عليهم عقيدتهم؟! 

أهكذا يبلغ بهم حب الأرض والطين؟!

ولهذا لا غرابة في هيمنة «الأذناب» على شئون المسلمين، «فاتحاد الجمعيات الإسلامية» الذي يشكل في ظاهر اسمه أكبر تجمع للمنظمات والمراكز الإسلامية، نشأ على أساس المساومة على قضية فطاني، فكان موضع رعاية حكام بانجكوك وليس له من نشاطه الإسلامي أي أثر وهذا الاتحاد في حكم العدم. 

«والمركز الإسلامي في بانجكوك» قام بإيعاز من الحكام على أساس غير إسلامي، وتبرعت له الحكومة التايلاندية بأربعة ملايين من التيكالات التايلاندية، أي بما يعادل مائتي ألف دولار أمريكي، هي من إيراد أوراق اليانصيب رئيس مجلس إدارته الحالي بوذي. «ومؤسسة الأيتام» التي تسعى لجمع التبرعات لها من الدول العربية امرأة دخيلة على الإسلام لا تعرف من أحكامه شيئًا، لا يبلغ عدد الأطفال المسلمين في هذه المؤسسة أكثر من عشرة في المائة ١٠٪. 

و«جمعية الشبان المسلمين» و«جمعية الطلاب المسلمين التايلانديين» يتركز نشاطهما على خدمة أهداف الحكومة، فالمعسكرات التي تجمع بين أبناء الجنسين المشتركين بهاتين الجمعيتين لا تقام إلا في فطاني والولايات الإسلامية المجاورة؛ بحجة النهوض بمستوى القرية، ولذلك تدعم الحكومة التايلاندية نشاط هاتين الجمعيتين. 

هذه هي ألمع الجمعيات العاملة بالعاصمة والإقليم الأوسط في دولة تايلاند، فهل أدرك المسلمون في العالم حقيقة ما يراد بالإسلام في تايلاند؟ 

هناك جمعيات إسلامية كثيرة لها أهداف مخلصة للإسلام والدعوة.. وهناك المساجد وهناك المدارس، ولكنها تحتاج إلى العون والمساعدة، ولكن الدول العربية تبخل في إنقاذ الإسلام في تايلاند ولا تهتم بقضية فطاني؛ لأنها لا تعرف الجذور التاريخية لهذه المشكلة العويصة، والزائر لتايلاند لا يغادر العاصمة.. وكم من وفود إسلامية زارت بانجكوك ولم تقم بزيارة فطاني، وكيف يطمئن الزائر إلى المعلومات التي يتلقاها أو يسمعها من العاملين بالدعوة الإسلامية ببانجكوك وغالبيتهم على هذا الوصف الذي ذكرته؟ 

ولم نرَ خلال عشرين عامًا سوى وفد رابطة العالم الإسلامي، حيث كان في ضيافة حكومة تايلاند ولكنه لم يمكث سوى يومين فقط. 

لقد سمعنا أن حكومة دولة الإمارات العربية «أبو ظبي» تبرعت لنا بمبلغ ٤٠٠ مليون تيكال تايلاندي للنهوض «بالمستوى الثقافي لأبناء مسلمي فطاني»، فهل هذا الأمر حقيقة؟ 

إن المنظمات والمؤسسات المعادية للإسلام والتي تتخذ صورًا ظاهرها خدمة الأغراض الإنسانية تتغلغل في أوساط المسلمين وتركز عليهم ولها إمكانات مادية ضخمة تحقق لها النجاح. 

فلماذا لا تتحرك الدول العربية وتسعى للمحافظة على المدارس الإسلامية والمؤسسات الإسلامية في قطاني قبل أن يدركها المصير الذي آلت إليه الجماعة المسلمة في أقطار مجاورة؟ 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ (الرعد: 11).

                                                     * * *

إن مأساة فطاني لم تقتصر على حدود إقليم فطاني فقط بل تجاوزته فشملت المسلمين في تايلاند، فالغالبية من مسلمي تايلاند من أحفاد الأسرى الفطانيين.. ولكنك إذا نظرت إلى المسلم في فطاني والمسلم في بانجكوك تجد بينهما فرقًا شاسعًا في الفهم والهدف.. فلقد أحدث التأثير السيامي أو التايلاندي أثره. 

وعندما تزور تايلاند سوف يدعوك أحد الإخوة لزيارة رئيس الجماعة الإسلامية في تايلاند، ويطلقون عليه اسم «شيخ الإسلام»، وهو رجل ناهز التسعين من عمره لا يدرك من رسالة الإسلام سوى حضور المآتم والحفلات وقراءة الأدعية عند افتتاح المحلات، كما يفعل البوذيون الذين يحرصون على دعوة أحد الرهبان عند افتتاح محلاتهم التجارية، أما عن شئون الإسلام الأخرى فالشيخ لا يعرف عنها شيئًا، ويعتبر كل ما يقدم إلى المسلمين فضلًا وكرمًا من الحكام. 

وقد ألقى بمهام منصبه إلى كريمته التي تعمل سكرتيرة له، فهي في الحقيقة التي تباشر جميع أعماله وأصبح أبوها ظلًّا لها. 

وهي امرأة نشيطة ذكية استطاعت أن تحافظ على منصب أبيها، رغم المحاولات الكثيرة لخلعه من قبل أفراد يرفعون شعار «الإصلاح والتجديد» ولكنهم أخطر على الإسلام؛ لأنهم لا يريدون للمسلمين خيرًا من وراء خلعه، بل يطمحون إلى مراكز تقربهم من الحكام وتجعل مصير المسلمين بأيديهم.. 

كما أنها استطاعت منافسة وزارة الداخلية التي نظمت لجانًا للتوعية، اختارت لها بعض المثقفين من مسلمي بانجكوك للقيام بمهمة توعية المسلمين في فطاني.. وهذه اللجان تركز على ربط المسلمين بفطاني بالحكام في بانجكوك أكثر مما تركز على التوعية الإسلامية، فقد اعتبرت ابنة شيخ الإسلام هذا العمل مزاحمًا ومنافسًا لعمل والدها لأن هذا الأمر من اختصاصاته؛ فسعت بشتى الوسائل إلى أن تمكنت من إيقاف نشاط هذه اللجان، وقد تتعجب من تحكم هذه المرأة المثقفة ثقافة عصرية بعيدة كل البعد عن الإسلام في الاستئثار بهذا المنصب الكبير، ولكن يزول عجبك وتتلاشى دهشتك عندما تطلع على ما يجري داخل المجتمع المسلم ببانجكوك.

ومن هنا يمكن القول بأن الدعوة الإسلامية في تايلاند تحتاج إلى إخلاص مكين وفهم سليم وعمل دائب وصبر كثير، وترفع عن الشهرة والجاه، وإيمان بأن نجاح الدعوات لا بد أن ينصهر في بوتقة المحن والصعوبات.. ولا يخلو مجتمع مسلم في أية بقعة من الأرض من وجود رجال مخلصين، والمسألة تتوقف على التربية والتوجيه والإعداد والتخطيط. 

وإن قضية فطاني لا تحتاج إلى براهين وأدلة على أنها أرض مغتصبة يختلف شعبها كلية عن شعب تايلاند، من ناحية العقيدة والجنس واللغة والعادات.. ولقد اعترف رئيس الوزراء السابق عند زيارته لفطاني في الشهر الثالث من هذا العام بأن شعب فطاني هم جزء من شعب الملايو، ويختلف عنا في اللغة والعادات والجنس والدين.

وإذا كان الأمر كذلك فإن تقرير مصير فطاني لن يتم إلا بواسطة الفئة المثقفة ثقافة دينية، والتي تربت ونشأت في أحضان الإسلام والتزمت بآدابه وأحكامه، ولم تستطع شتى محاولات القهر والإغراء من التأثير عليها أو إذابة عزمها. 

هذه الفئة لها دور صامت في داخل أرض الصراع لا خارج الحدود وداخل القاعات والصالات. 

وبلوغ الآمال يحتاج إلى الوقت والعمل والدعم والتعاون.

فهل أدرك حكام المسلمين واجبهم تجاه قضايا العالم الإسلامي وتجاه إخوة لهم في الدين والعقيدة يجاهدون في شتى الميادين لأشرف الغايات وأنبل المقاصد؟

اللهم نصرك الذي وعدته لعبادك المؤمنين.

الرابط المختصر :