العنوان آثار قرار المحكمة العليا على الاقتصاد الباكستاني
الكاتب محمد أسلم باجوا
تاريخ النشر الثلاثاء 25-يناير-2000
مشاهدات 62
نشر في العدد 1385
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 25-يناير-2000
أعلنت محكمة الاستئناف الشرعية التابعة للمحكمة العليا لباكستان يوم الثالث والعشرين من ديسمبر قرارها التاريخي باعتبار جميع الفوائد البنكية غير إسلامية ومعارضة للقرآن الكريم والسنة النبوية، وقد اعتبر إعلانالمحكمة أي مبلغ كبيرًا كان أم صغيرًا يؤخذ زيادة على أصل المال ربا دون النظر إذا ما استعمل الدين للاستهلاك أو في مشروع من المشاريع، كما أكد القرار أن الخطوات التي أعلنت في عهد الجنرال ضياء الحق لم تكن متماشية مع روح الشريعة الإسلامية، لقد حددت المحكمة للحكومة غطاء زمنيًا تطور فيه نظامًا ماليًا جديدًا ،كما وجهت المؤسسات المالية للاستمرار في أدائها الوظيفي وفق النظام المالي القائم حتى نهاية يونيو القادم لتبدأ بعد ذلك تغيير معاملاتها بما يتفق مع النظام المالي الإسلامي، وتضمن القرار أيضًا توقيف العمل بالقوانين التالية ابتداءً من الأول من مارس القادم:
1 - قانون الفائدة 1839م.
2 - قانون المدينين «أصحاب الأموال» لشرق باكستان لعام 1960م.
3- قانون المدينين لشرق باكستان لعام 1965م.
4- قوانين المدينين في البنجاب والسند وسرحد وبلوشستان لعام 1960م.
5- القسم رقم 9 من قانون الشركات البنكية لعام 1962م.
وقد قدمت المحكمة بعض الإرشادات التي تسهل على الحكومة تطبيق قرارها في ضوء الكتاب والسنة، فقامت بتوجيه الحكومة إلى تأسيس لجنة عليا تابعة للبنك المركزي ذات صلاحية كاملة تتحمل مسؤولية تنفيذ القرار، وتتكون اللجنة من علماء شريعة ومصرفيين واقتصاديين ومحاسبين، على أن تبدأ اللجنة مراجعة وتفحص البرنامج في مدة شهرين تبدأ من تاريخ صدور قرار المحكمة، وستقوم اللجنة بمشاورة علماء الشريعة والاقتصاديين والمصرفيين أصحاب الخبرات لتسلم تصورها في النهاية إلى وزارة القانون لعمل التشريعات اللازمة، كما طلبت المحكمة من وزارة القانون تأسيس لجنة تنفيذية تصوغ قوانين تحريم الربا وتضع الغطاء القانوني لآليات النظام الجديد.
مشكلات عالقة
سنتناول بعد هذا العرض السريع لقرار المحكمة تأثيره على الاقتصاد الباكستاني، وأول ما تقابلنا تلك الحقيقة الصعبة التي تؤكد تأسس اقتصادنا على النظام الاقتصادي الغربي والذي تأسس بدوره على فكرة الفائدة الربوية في الذي وضعه كينز وآخرون. هذا النظام السائد يعتبر معدل الفائدة أكثرالبواعث تأثيرًا على الادخار كما أن الاستثمار أيضًا مبني على معدل الفائدة ومعدل الربح المتوقع، وللتذكير فإن كل المؤسسات المالية الدولية تعمل بنظام الفائدة.
السؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل سيكون ممكنًا للحكومة العسكرية في باكستان أن تنفذ قرار المحكمة، خاصة أن الحكومة تحاول أن تنهض بالاقتصاد بمساعدة المؤسسات المالية الدولية؟
قبل الإجابة نضع ملاحظتين أمام القارئ:
1 - يعمل معهد بريتون وود الشهير على امتصاص اقتصادنا.
2- شروط الديون المحددة من قبل المؤسسات المانحة دمرت اقتصادنا الوطني.
كما نذكر أن الحكومة الحالية بدأت تواجه الأزمة الاقتصادية بوضع العديد من الخطط في مجال الاستثمار وإعادة جدولة الديون الخارجية وتطوير نظام الضرائب وتخفيض نسبة الفائدة لتشجيع المستثمر المحلي على الاقتراض لبناء مشاريع اقتصادية، ونتحدث أيضًا بشيء من التفصيل حول النظام المالي الإسلامي الذي أظن أن كثيرًا من علماء الشريعة الكرام في بلدنا هذا تنقصهم الإحاطة به ويعممون في الأحكام دون إدراك وافٍ لحقائق الأمور، إضافة إلى عادة طرح القضايا الثانوية مع أن الحاجة اليوم تكمن في تقديم النظام الاقتصادي الإسلامي بشكل موضوعي متكامل لمرحلة زمنية جديدة أطلق عليها عصر العلم.
في هذا العالم المتسابق يجب أن نقف على قاعدة راسخة من الفهم لديننا، ليس هناك شك في كمال الإسلام وشريعته، وأنه نهج متكامل للحياة، لكن الحاجة أن نقدمه للعالم بشكل يعكس هذا الوضوح والكمال، إن الاقتصاد بات أهم جوانب الحياة الإنسانية المعاصرة وحتى الحروب بدأت تتجه لتكون في الأسواق الاقتصادية بدلًا من ميادين القتال. عاطفتنا الجياشةنحو ديننا لم تعد كافية في إقناع العالم الآخر بضرورة بناء الاقتصاد الإنساني على عدمية الربا «الفائدة».
الإنسان نقطة البداية
كما ينبغي أن نقرأ أن عظمة الإسلام وكماله وكونه الحل لقضايا الإنسان تكمن في شموليته ومجموعه، فلن يأخذ الإسلام إلا من أحاط به من جميع جوانبه وليس في تجزيئه. إن النظام الاقتصادي الإسلامي لا يكون فاعلًا وعمليًا إلا في مجتمع إسلامي تأسس على أيديولوجية إسلامية.
لو قمنا بدراسة للقرآن الكريم لأجل هذا الهدف لخرجنا بنتيجة مفادها أن كل القرآن يؤكد على بناء فرد متميز، فنقطة المركز في الخطاب القرآني هي الإنسان نفسه، والإسلام يهتم ويقدر النوايا في العمل أكثر من العمل نفسه، وللتوضيح تذكر ما حدث مع سيدنا سعد بن أبي وقاص عندما كان واقفًا إلى جانب غنائم فارس وقد فتح المسلمون المدائن، فإذا بجندي بسيط يأتي ملثمًا ليضع في مال الغنيمة تاج كسرى فأوقفه سيدنا سعد ليسأله عن اسمه فأجاب الجندي المجهول بقوله: «الله يعرفني أكثر منك وإنما أردت بعملي هذا وجه الله تعالى»، إن ما أردناه هو التأكيد على أن الإسلام يركز على التغيير الداخلي كأساس للتغيير الخارجي، فبدون هذا المستوى من الأمانة لا أحد يتخيل تطبيقًا سليمًا وهادفًا للنظام الاقتصاديالإسلامي.
الفساد أكثر المشكلات التي تواجه اقتصادنا، ففي دراسة حديثة تمت في عهد الحكومة السابقة، أكدت أن بعض كبار المسؤولين يدرسون أبناءهم في مدارس تبلغ مصاريفها الشهرية أكثر من مرتبات أولئك المسؤولين، كل هذا نتيجة النظام الاقتصادي الغربي القائم على الفائدة. حتى في الغرب دراسات تقام لاختبار إمكان الاستثمار بدون نظام الفائدة، والذي أتمناه أن يعلنوا النتيجة المنطقية التي ستؤكد، ليس فقط إمكان الاستثمار بعيدًا عن الفائدة، بل إن الاستثمار البعيد عن الفائدة هو الحقيقي، أما في النظام الاستثماري الربوي، فإن الفائدة لا يمكن أن تنزل تحت مستويات محددة مع أن هذا النظام سبب كل المشكلات في النظام المالي الغربي، فنسبة نمو الدخل القومي وتوفير الوظائف والتصدير تعتمد على الاستثمار وفق التصور الغربي لا يمكن أن نزيد الاستثمار بعد بلوغ حد معين.
علاوة على ما ذكر، فإن أكثر من مائة مؤسسة مالية في العالم تعمل بدون ربا، عندما نقوم بالنظر في القرآن الكريم نجد الصرامة الواضحة عند الحديث عن الربا، والنظام الربوي يقوم على استغلال إنسان لإنسان آخر، فهناك مليارات من الناس تعيش في ظروف بائسة بسبب الربا، وهناك دول من بينها باكستان تعتبر ضحايا على المستوى الدولي للربا.
ملاحظات على النظام الاقتصادي الإسلامي
حق الملكية مكفول للأفراد.
الإسلام لا يحد من ملكية الفرد إلا فيما يتعارض مع مصلحة الجماعة.
للفقراء حق في مال الأغنياء غير الزكاة.
الزكاة نوع من العبادة المالية.
مداولة المال ورفض الاحتكار من أسس الاقتصاد الإسلامي.
الإسلام لا يجيز لفرد أن يستغل آخر.
النظام الإسلامي يختلف عن النظام الرأسمالي والنظام الاشتراكي.
المساواة دعوة شاملة له في النظام الإسلامي.
آثار القرار
الآن ننظر لأثر قرار المحكمة العليا على اقتصادنا الوطني في المستقبل البعيد والمستقبل القريب. إن مديري الاقتصاد والمال الجدد جاؤوا من المؤسسات المالية الدولية من أمثال وزير المالية الحالي شوكت عزيز، وهؤلاء لن يشعروا بأفضلية القرار للاقتصاد الباكستاني.
بعض المانحين الدوليين أبدوا استياءهم من القرار، فمن الطبيعي ألا تقبل المؤسسات المالية الدولية بسهولة قرار المحكمة. أيضًا من الحقائق المؤلمة أن أكثر زعماء هذا البلد ينطلقون من روح الفكر الغربي، إن تبني الأسلوب الغربي في جميع مناحي الحياة صار علامة التطور في باكستان مما يجعل عملية تنفيذ القرار في شكله وروحة صعبة حتى في حالة وجود رغبة عند الحكومة، كما أنه من المتوقع أن يقطع المانحون الدوليون مساعدتهم، إضافة إلى ما سيمارسونه من ضغوط على الحكومة للتخلص من القرار، بوضوح فإن الحكومة ستواجه صعوبات عديدة عند تطبيقها للقرار، لكن ليس أمامها خيار آخر إلا البدء في التنفيذ، فهي عمليًا تتعرض لضغوط دولية لأجل التوقيع على اتفاقية منع التجارب النووية.
على الحكومة أن تواجه ضغطًا من الخارج وآخر من داخل البلاد، غير أنهما في اتجاهين متعارضين، هذه الآثار القريبة ربما ظهرت للبعض أنها سلبية ولكن الصورة تكتمل إذا تصورنا الآثار البعيدة للقرار، والتي أعتقد أنها ستكون إيجابية، إن النظام الربوي أحد أهم العوائق في طريق الحياة الإسلامية في باكستان، والنظام المالي الحالي هو الذي وزع الثروة في البلاد فحصلت نسبة 80% من السكان على أقل من 5% من الدخل القومي. إن قرار المحكمة يفرض على علماء الشريعة أن يقوموا بمساعدة الحكومة ويعلموا الناس لنتمكن من تطبيق قرار المحكمة التاريخي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل