العنوان الاقتصاد الإسلامي.. مفاهيم ومرتكزات
الكاتب د. محمد أحمد صقر
تاريخ النشر الثلاثاء 02-مارس-1976
مشاهدات 70
نشر في العدد 289
نشر في الصفحة 15
الثلاثاء 02-مارس-1976
أية عملية بناء فكري أو اجتماعي تستلزم القيام بعملية مسبقة تستهدف هدم كل ما يتعارض مع عملية البناء الجديدة. ولا ضير في ذلك على الأقل من الناحية المنهجية- ما دام الباحث الاجتماعي وفيًا للمنطلقات المذهبية التي تشكل إطار تفكيره أو تكون أدوات تحليله، شريطة أن يعلن عن موقفه منذ البداية دون أدنى لبس أو غموض.
وفي هذا البحث محاولة لنقد جوانب من النظرية الاقتصادية المعاصرة، ثم طرح أفكار أولية قد تصلح كمقدمة لوضع منهج للبحث في الاقتصاد الإسلامي.
والأمل أن تبذل محاولات جادة ومتكاملة لإعادة بناء نظام اجتماعي واقتصادي جديد، في الوقت نفسه الذي تجري فيه عملية بناء أدوات النظام التحليلية العلمية في مجالات العلوم الاجتماعية، وفي مقدمتها علم الاقتصاد. لأن هذا البناء ليس أمرًا لازمًا لتجميع خيوط الرؤيا في المجتمعات الإسلامية سواء في المجال الأكاديمي أو في مجال السياسة الاقتصادية وبناء المؤسسات بل إنه لازم وبنفس القدر لإرجاع العلوم الاجتماعية وبالذات علم الاقتصاد في المجتمعات غير الإسلامية إلى مجالاتها الحقيقية وإعادة صياغتها من جديد لتخدم الأغراض المثلى والنافعة حقًا للإنسان(۱).
مفاهيم ومرتكزات
يجدر بنا أن نضع في البداية تعريفًا لعلم الاقتصاد، يبرز ماهيته دون الدخول في جدل لفظي استنفد جزءًا غير قليل من حيز الأدب الاقتصادي. ويمكن تعريف علم الاقتصاد بأنه العلم الذي يبحث في كيفية إدارة واستغلال الموارد الاقتصادية النادرة لإنتاج أمثل ما يمكن إنتاجه من السلع والخدمات لإشباع الحاجات الإنسانية- من متطلباتها المادية- التي تتسم بالوفرة والتنوع، في ظل إطار معين من القيم والتقاليد والتطلعات الحضارية للمجتمع. وهو أيضا العلم الذي يبحث في الطريقة التي يوزع بها هذا الناتج الاقتصادي بين المشتركين في العملية الإنتاجية بصورة مباشرة (وغير المشتركين بصورة غير مباشرة) في ظل الإطار الحضاري نفسه (۱).
إذن مهمة علم الاقتصاد تنصب على:
1- تحقيق أنسب قدر مستطاع من الإنتاج المادي المقبول اجتماعيًا وذلك عن طريق الاستغلال الأمثل للموارد.
2- توزيع هذا الإنتاج للوصول بالرفاهية الإنسانية إلى أفضل قدر مستطاع، ولا بد مرة أخرى من التأكيد على أن هذا الإنتاج- وهذا التوزيع- لن يحققا هدفهما- وهو الرفاهية- دون الاستناد إلى نظام القيم ومعايير للقياس.
الإنسان من خلال الرؤيا الإسلامية:
التعادلية السلوكية:
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن.. ما موقف الإسلام من المسألة الرئيسية- الإنتاج؟ ومن ثم موقفه من قضية الرفاهية الاقتصادية؟.
هل الإسلام يتخذ موقفًا سلبيًا أو إيجابيًا من قضية استغلال الموارد أم أنه يتخذ موقفًا يتسم بالحياد واللامبالاة؟.
إن الإجابة على هذا السؤال يمكن استخلاصها من النظرة الكلية للإسلام وبالأخص نظرته إلى الإنسان.
الإنسان في المنطوق الإسلامي مجموعة من الطاقات والقدرات. ولكن الإنسان الذي يستحق أن يكون إنسانًا شكلًا ومضمونًا لا بد أن يكون له موقف إيجابي حيال تلك الطاقات والقدرات، وذلك لا يتحقق إلا باستغلال إمكاناته أمثل استغلال وبصورة متوازنة. ولا نقصد هنا بالتوازن حالة الصمت والسكون. وإنما يقصد بالتوازن تلك الحالة التي تتمخض عن حركة دفع إيجابية فاعلة ومتعددة الاتجاهات، ولكنها في الوقت نفسه حركة واعية مدركة.
إنه لا يكفي أن نستغل الطاقات الإنسانية حتى يتحقق التقدم والرفاهية بل لا بد من أن تصاحب عملية الاستغلال عملية أخرى تتمثل في الوعي المدرك. ذلك لأن بعض الطاقات الإنسانية. على ما هي عليه من تعدد وتنوع وقابلية للتمدد والانكماش، إذا لم توجه في مرحلة استغلالها بصورة منضبطة ومحددة كمًا وكيفًا. انقلبت الطاقات الإنسانية في مجموعها إلى طاقات متصارعة ومتناقضة ومتعارضة بصورة تخل جذريًا بالمحصلة والثمرة النهائية لتلك الطاقات والقدرات.
ويورد القرآن الكريم نصوصا كثيرة تبرز خاصية التوازن تلك نذكر قليلًا منها: إذ ورد في قوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (القصص:77) (1).
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الجمعة:9-10) (۱) وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ (الإسراء:29) (۲) وأقوال الرسول- عليه الصلاة والسلام- كثيرة في هذا المعنى منها قوله- عليه السلام-: «إن أشرف الكسب كسب الرجل من يده» (۳) وقوله: «إن من الذنوب ما لا يغفره إلا السعي في طلب الرزق» (٤) وقوله: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد تعمله في سبيل الله أو القائم الليل الصائم النهار» (٥) وقوله: «إن لبدنك عليك حقًا وإن لربك عليك حقًا وإن لأهلك عليك حقًا فأعط كل ذي حق حقه». (6)
في ظل هذا المفهوم للتوازن الذي أبرزه الإسلام بكل وضوح ودون أدنى غموض تتحول جميع طاقات الإنسان- التي قد تبدو النظرة السطحية العارضة عليها أنها متعارضة- إلى طاقات حيوية فاعلة متعارضة تتكامل وتنمو وتردف حصيلة طاقة منها الطاقات الأخرى تمامًا كما يتكامل الليل مع النهار لتستمر دورة الحياة، فالنهار ليس نقيضًا لليل في منظور نظرية التوازن الحياتية.
وطاقات الإنسان يمكن تقسيمها إلى قسمين رئيسيين هما الطاقات الروحية وهي طاقات عليا. والطاقات المادية أو شبه المادية. وعبقرية الوجود الإنساني السوي هي كيف يمكن إطلاق سراح كل هذه الطاقات لتحقيق الخير للإنسان كفرد له ذاتيته وكمجتمع مترابط.. لكن مفهوم الخير في الإسلام مفهوم ممتد يتعدى المحسوس من الحياة، بل يتجاوز أمد الحياة الدنيا كلها ليستوعب الحياة ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (البقرة:201) (7)
وتقسيم الحياة إلى مادة وروح هو تقسيم يخدم غرض التحليل لا أكثر، بينما نظرة الإسلام للمادة في الأصل ليست أنها نقيض للروح بل مكملة لها، فروح الإنسان تكمن في جسد مولدي، والنمو في ذات الفرد وفي بيئته الاجتماعية إنما يعتمد أصلًا على استغلال أمثل لكل ما أودع الله في النفس والجسم والعقل والروح والمحيط الطبيعي استغلالًا يكمل بعضه بعضًا.
ومن هنا نصل إلى موقف الإسلام من النشاط الاقتصادي.
النشاط الاقتصادي والإسلام:
درج الاقتصاديون على تقسيم الطيبات التي يحتاجها الإنسان إلى نوعين: 1- طيبات حرة.
2-طيبات اقتصادية.
الطيبات الحرة:
الطيبات الحرة أو ما يعرف باسم السلع والخدمات غير الاقتصادية، هي تلك التي يحصل عليها الإنسان في أي أرض وتحت أي سماء بلا مقابل كالهواء والماء وأشعة الشمس وما شابه ذلك. فالهواء لا تنتجه مصانع كروب في ألمانيا. ولا يخضع توزيعه على بني البشر لقرارات الأمم المتحدة، ولا تتحكم في مقاديره الدول النووية الكبرى، ولكنه خاضع بشكل كامل ودائم إلى مشيئة الخالق- سبحانه-. ولعل من حكمته- عز وعلا- أن يجعل هذه الطيبات التي لا تقوم الحياة أصلًا بدونها في مجالات الإنتاج والاستهلاك بعيدة عن عبث الإنسان. لعله يتوجه بجهده إلى ما يقدر عليه وهو الإنتاج الاقتصادي وكي تظل قوة الإنسان وجبروت الطغاة محدودة، وبحيث لا يساء استغلال هذه الطيبات في حالات عدم التوازن. فلو أن فردًا أو حزبًا أو دولة كانت لأي منهم سيطرة على هواء العالم لأصبح بالمقدور إفناء الإنسان. بل الحياة لها في لحظة من لحظات الضعف والانفعال وعلى أية حال فإن هذه الطيبات تتسم بالوفرة.
الطيبات الاقتصادية:
أما الطيبات الاقتصادية فهي التي لا بد للإنسان أن يعمل فيها قدراته الذهنية والعلمية والجسمية والفنية، حتى يتمكن من الحصول عليها. فإذا أراد الإنسان تقصير أمد المسافة بين نقطتين جغرافيتين فلا بد له من استخدام وسائل مواصلات أكثر تقدمًا مما كان يستخدم سابقًا، کالسيارة مثلًا وإنتاج السيارة يحتاج إلى مهارات شتى. وموارد عديدة مادية وبشرية. وقس على ذلك المصنوعات الأخرى والزراعات المتنوعة الأخرى والزراعات المتنوعة.
ومن المهم التنبه إلى أن الإنتاج الاقتصادي للطيبات لا يمكن أن يبدأ أصلًا إذا لم توجد الطيبات الحرة كالهواء والماء، والمناخ. فمهما ترقى الفن الإنتاجي وزادت كثافة رأس المال وازدادت إنتاجيه عنصر العمل، فإن الإنتاج لن يوجد ما لم تكن الطيبات أو الموارد الحرة في حالة ملائمة، وبالأصح في حالة رضى وقناعة.
وتتسم الطيبات (والموارد) الاقتصادية بالندرة النسبية. وهذه الندرة هي التي تجعل إنتاجها عملية شاقة وممتعة في آن واحد. إما أنها شاقة فلان بذل الجهد من أي نوع، عمل شاق في حد ذاته. وكونها ممتعة فلأنها تأتي نتيجة ووفاقًا للجهد. وهذه المشقة هي التي تدفع الإنسان إلى بذل الجهد للإنتاج. بمعنى لو أن كل الطيبات كانت حرة وافرة، تأتي بدون بذل جهد إنساني، لما استشعر الإنسان قبلها، ولما أصبح لحياته أي نصيب إيجابي.
وإذن اقتضت حكمة الخالق- سبحانه- أن تقصر عرض الطيبات الحرة على مجال محدود بحيث لا تسد بصورة مباشرة جميع احتياجات الإنسان، وهو ما ألزم الإنسان بصورة موضوعية بأن يكد ويكدح. ويتعلم ويطور منه الإنتاج وأساليب حياته وبصورة رياضية:
(غذاء + كساء+ سكن+ مصنوعات وأدوات تيسير طيبات حرة)
إنتاج الطيبات الاقتصادية من صميم العقيدة الإسلامية:
قلنا: إن إنتاج الطيبات الاقتصادية يتطلب بذل الجهد الإنساني واستخدام الموارد الاقتصادية النادرة، ولكن الأمر ما زال بحاجة إلى مزيد من إلقاء الأضواء للتعرف على رأي الإسلام حول هذه القضية الجوهرية.
يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الجاثية:12-13) (1) ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ۗ﴾ (لقمان:20)(2). ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ (فاطر:39) (3)
إذن واجب الإنسان إعمار الأرض وإشادة حضارة فوقها. لكن هذا السعي لإنتاج الطيبات (الاقتصادية) لا يعتبر عملًا دنيويًا صرفًا بل يعتبره الإسلام واجبًا دينيًا أو مكملًا للواجب الديني» (٤)
ولرب قائل إن هذا الموقف إزاء إنتاج الطيبات الاقتصادية إنما جاء نتيجة لمواقف مسبقة ولتحيز في تفسير النصوص لتتلاءم مع وجهة النظر تلك. وللرد على مثل هذا الظن نطرح دليلًا آخر نستلهمه من أحد الخمسة التي بني عليها الإسلام ألا وهو الزكاة. والزكاة (٥) التي أمر بها الإسلام. هي النتيجة الحتمية للموقف الإيجابي الذي يتخذه المسلم حيال قضية الإنتاج أو النشاط الاقتصادي النافع. فكأن إيمان المسلم لا يكتمل إلا إذا حقق إنتاجًا اقتصاديًا يسد حاجاته أولًا ثم يزيد عن ذلك، ويتوافر فيه النصاب، ثم يزيد عن النصاب أو يتحقق فائض من الإنتاج أو الدخل الفائض هو «مطرح الزكاة».
وتأثير الزكاة على الإنتاج يتخذ صورتين إحداهما سلبية. والأخرى إيجابية أما التأثير السلبي فلأن الزكاة تقتطع جانبًا من الثروة أو الدخل أو المدخرات الفردية، أو من كلها معًا. وهي بذلك تعيق النمو وتشكل تهديدًا للتكوين الرأسمالي «انظر: موضوع الزكاة ضمن هذا البحث في صفحات تالية من هذا البحث. فهنالك تتبدى إيجابيات الزكاة في شتى جوانبها»
وأما التأثير الإيجابي للزكاة فيتمثل في كونها أداة لتوسيع قاعدة الملكية أو الدخل أو تحسين مستوى العيش، وهي بذلك تصبح عنصر عون وتقدم لمن لا يملكون في المجتمع، أو لمن حلت بهم ضوائق مالية مؤقتة كالغارمين. والذي يعنينا هنا بالنسبة للجانب الإيجابي للزكاة هو تأثيرها على الحوافز الإنتاجية.
إن إخراج الزكاة في حقيقته عمل تعبدي يقصد به وجه الله- سبحانه-، وذلك لتحقيق المزيد من العدل الاجتماعي. إذن فالعمل المنتج أو تكوين الثروة وتوسيع القاعدة الإنتاجية هو أيضًا عمل تعبدي يقبله الله.
فالله طيب لا يقبل إلا طيبًا. وهكذا فإن الزكاة وسيلة للقربى إلى الله، ويترتب على ذلك أن يكون العمل- والإنتاج الذي ينتج الفائض الاقتصادي هو بالضرورة وسيلة للقربى إلى الله. (۱)
وكلما زاد العمل المنتج وارتقى كلما اتسع وعاء الزكاة- وزادت حصيلتها- وازداد المرء تقربًا إلى الله. وهذا معناه أن النمو الاقتصادي والاستغلال المتعاظم.
(1) الملك الآية ١٥
(1) الجاثية الآية ١٢-١٣
(2) لقمان الآية ٢٠
(3) فاطر الآية ٣٩
(4) هنالك مدرسة للتنمية الاقتصادية ترى أن النمو الاقتصادي والاجتماعي يتوقف أساسًا على عوامل نفسية وأنثروبولوجية، وهذه بدورها تعتمد على العادات والتقاليد السائدة، وإذا كان الناس يرغبون في التنمية، وقيمهم الثقافية والعقائدية تتقبلها فإن مسار التنمية لا بد من أن يأخذ مجراه. أما إذا لم يتوافر هذا الشرط فإن وجود عناصر التنمية الأخرى خاصة الوفرة في رأس المال (لأغراض التمويل) لن يقدم شيئًا، ويعتبر بروفسور (إيفرت هيجن) الأستاذ بجامعة بأمريكا من أبرز رواد هذه المدرسة وقد قام بدراسات ميدانية حول سلوك الناس في بورما: انظر كتابه:
(5) هنالك تحليل أشمل للزكاة في موقع آخر من هذا البحث وإنما اقتصرنا هنا على إبراز دور الزكاة في دفع عجلة التقدم الاقتصادي وكحافز على استثمار الطاقات.
(6) لا غرو أن الإنتاج المباح هو عمل طيب يصبح وسيلة للتقرب إلى الله بناء على اعتقاد مسبق- أي حسن التوجه والتوكل عليه- سبحانه- ولكن إنفاق الدخل قد يكمل صورة العمل أو الإنتاج الاقتصادي المقبول عند الله أو يلغي الأثر السابق. ومعنى هذا أنه لا بد أن يتم الإنتاج والاستهلاك في إطار قاعدة الحلال.
للموارد الاقتصادية والإنسانية، ليس في الحقيقة نقيضًا للإيمان والسمو الروحي بل هو في هذا الإطار يصبح ركيزة لا غنى عنها.
وهكذا تغدو فلسفة الزكاة إطارًا حركيًا للنمو الاقتصادي في ظل الاقتصاد الإسلامي فالنمو الاقتصادي حسب هذا الإطار، يتوقف على مدى تغلب الجانب الإيجابي، أي جانب المزيد من الإنتاج والاستثمار والمخاطر في مجالات جديدة على الجانب السلبي الذي يتمثل فيما تقتطعه الزكاة من الإنتاج.
وليس ثمة برهان على ذلك أروع في إبراز المعنى الحركي للزكاة وتأثيرها على الحوافز الإيجابية من قول الرسول الكريم: «اتجروا في مال اليتيم حتى لا تأكله الزكاة». إذ المهم ليس الجانب السلبي للزكاة- أي إنقاص الثروة بل الأهم هو تشغيل الأموال والموارد الإنتاجية، لإنتاج فائض يحفظ الأصل- المنتج- وينميه ويبقى الزكاة جدولًا يصب في المجتمع.
سبق أن الإسلام يتخذ موقفًا إيجابيًا لاستغلال الموارد الاقتصادية وزيادة الإنتاج وأن تعطيل الموارد وتركها دون استغلال لا ينسجم مع معطيات الاقتصاد الإسلامي. (1)
دور القيم في النظام الاقتصادي:
يتطلع كل نظام اقتصادي إلى تحقيق أهداف مادية معينة، كالوصول بالإنتاج إلى أقصاه الممكن. أو يكون الهدف تحقيق مزيد من العدالة الاجتماعية وذلك بإعادة توزيع الدخل بين فئات المجتمع حتى ولو أدى هذا إلى أن يكون الإنتاج الكلي المتحقق للمجتمع أقل مما يمكن أن يكون عليه فيما لو أهملت قضية العدالة الاجتماعية. وقد يكون الهدف توسيع قاعدة الصناعات الصغيرة في الريف وفي المدن الصغرى حتى لو كان اتباع مثل هذه السياسة سيعطي إنتاجًا كليًا أدنى مما لو تم الإنتاج في نطاق وحدات إنتاجية كبيرة مركزة.. إلخ هذه الأمثلة.
وكل هذه الأهداف ومثيلاتها يستلهمها النظام الاقتصادي من القيم السياسية والفلسفية والأخلاقية والقانونية والدينية التي يدين بها المجتمع. فالنظام الاقتصادي لأي مجتمع يلبي احتياجات ذلك المجتمع من خلال الرؤيا الحضارية لذلك المجتمع.
فالنظام الاقتصادي إذن هو جزء لا ينفصم من النظرة الكلية للأشياء- وبالطبع للإنسان دوره- التي للأشياء- وبالطبع للإنسان دوره- التي استقرت في وجدان الأفراد المهيمنين في أي مجتمع وعقولهم ونفوسهم.. والتي تشكل بدورها المؤسسات التي يعمل من خلالها النظام الاقتصادي لتحقيق الأهداف التي يرتضيها ذلك المجتمع. ومن هنا كان ارتكاب الخطأ عند الحكم على أية قضية في أن يتساءل امرؤ: هل هذه الخطوة في صالح المجتمع من الناحية الاقتصادية؟ لا يمكن تبرير تلك الخطوة أو عدم تبريرها إذا لم يكن المحلل أو العالم الاجتماعي على دراية تامة وبصورة جلية بطبيعة القرارات المسبقة والمواقف العقائدية والفلسفية التي اتخذت حول هذه الخطوة. عند ذاك يصبح التساؤل في موضعه ودور الخبير أو العالم الاجتماعي مفيد وبناء.
وباختصار لا يمكن تبرير أو عدم تبرير أي خطوة أو سياسة اجتماعية من زاوية اقتصادية محضة فحسب. إن ثمة قيمًا ومواقف اجتماعية هي بالضرورة المنطقية والواقع الاجتماعي أرقى وأعز وأنفذ بكثير من القيم الاقتصادية وهي في مجموعها التي ترسم المسار الاجتماعي كله بما فيه المسار الاقتصادي. والتحليل الاقتصادي لا يستطيع إلا أن يعمل من خلالها.
(1) هنالك العديد من الشواهد تبرز حرص الإسلام على تشغيل الموارد وعدم تعطيلها. ولقد حض الرسول- صلى الله عليه وسلم- على إحياء الموات: فمن أحيا أرضًا ميتًا فهي له وليس لمحتجز حق بعد ثلاث سنين والأرض الموات هي أرض لا ينتفع منها أحد، واستغلالها يعود بالربح على الفرد وعلى المجتمع- في شكل دخول فردية للعمال المشتغلين في استصلاحها والذين يقومون ببعض الموارد الاقتصادية اللازمة للاستصلاح، وفي شكل زكاة تفرض على غلاتها وعلى العاملين فيها. ويلاحظ هنا واقعية أسلوب الاستغلال فلقد أمهل من يحيى الأرض أو-الحكر- ثلاث سنين والمقصود بهذه المدة هو أن تتاح الفرصة لواضع اليد لتلمس سبل الاستغلال وتدبير رأس المال والموارد الأخرى اللازمة، والتخطيط لمرحلة الإنتاج حتى يصبح الاستقلال ممكنًا وعملًا اقتصاديًا مربحًا، وحادثة عمر بن الخطاب مع بلال بن الحارث المزني معروفة إذ طلب منه عمر أن يتنازل عن الأرض التي لا يستطيع استغلالها، فأبى بلال بحجة أن الرسول الكريم منحة الأرض. فكان رد عمر: «إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لم يقطعك لتحجز عن الناس، وإنما أقطعك لتعمل، فخذ ما قدرت على عمارته ورد الباقي». والملاحظ هنا إصرار عمر على استغلال الأرض وإلا أخذ ما لم يستغل منها وأعطى لمن هو قادر على استغلالها على أعظم كفاية وأن هذا الهدف كان وراء منح الأرض.