العنوان آثار معرفة صفات الله تعالى في قلب المؤمن
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 25-مايو-1976
مشاهدات 38
نشر في العدد 301
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 25-مايو-1976
معرفة الرب سبحانه وتعالى من أهم العلوم التي تساعد الإنسان المسلم على الثبات والاستقامة على أمر الله. فالعبد يجب أن يعرف صفات معبوده حتى يقدر مدى استحقاق هذا الإله المعبود لهذه العبادة. وهل هو الوحيد المستحق لها؟ أم أن هناك من يشاركه في هذه الأحقية. فالعرب في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم مثلًا كانوا يؤمنون بوجود الله وكانوا يؤمنون بأنه خالقهم ورازقهم سبحانه وتعالى والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۚ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (لقمان: 25)وقوله: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ۚ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ ( يس: 31). وقوله: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ (الزخرف: 9). فهذه الآيات تدل على أن العرب كانوا يؤمنون بأن الله هو خالقهم ورازقهم، ولكنهم لقلة معرفتهم إليهم إلا بواسطة أشخاص لهم حظوة قدره ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (الزمر: 67).
فهم شبهوا الله سبحانه وتعالى بملوك الدنيا الذين لم يكونوا يستطيعون الوصول إليهم إلا بواسطة أشخاص لهم حظوة ومنزلة لدى هؤلاء الملوك، فاتجهوا إلى الملائكة والصالحين قياسًا على ظنهمالخاطئفنحتوا التماثيل ونصبوا الأصنام وعبدوها لتقربهم إلى الله ولتنقل إليه مطالبهم. قال تعالى على لسان المشركين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ﴾ (الزمر: 3) أي الأصنام وما عبدوا من دون الله. فجهلهم بعلم الله سبحانه وتعالى وسمعه وبصره دفعهم إلى طلب الواسطة إليه فاتجهوا إلى الملائكة بنات الله بزعمهم- تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا- وإلى الصالحين لقربهم من الله ولرضاه عنهم ليشفعوا لهم عند الله تعالى فينصرهم على أعدائهم ويرزقهم من خيراته ويشفيهم من أمراضهم. فعبدوهم من دونه.
كذلك أوقعهم جهلهم بصفات الله تعالى بالشك والتكذيب بقدرته جل وعلا على البعث وإحياء الموتى. قال تعالى على لسان أحدهم: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ۖ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (يس: 78). وقال تعالى مخبرًا عنهم: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ (الإسراء: 49).
وهكذا في كل أمور الدين التي ردوها وكذبوها نجد أن السبب الرئيسي لذلكهو جهلهم بصفات الله تعالى وأسمائه. ومنهذا يتضح لنا مدى أهمية معرفة الربتبارك وتعالى وأثرها في اطمئنان القلبوهدوء النفس، وإذا ما اطمأن القلب لقضيةما استقام عليها حتى يأتي أمر يزعزع هذاالاطمئنان ويضعفه.
وكلما زادت هذه المعرفة زاد اطمئنان القلب، والدليل على ذلك قوله تعالى مخبرًا عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (البقرة: 260).. فإبراهيم عليه الصلاة والسلام لم يسأل الله شاكًا في قدرته على الإحياء ولكنه أراد أن يستزيد معرفة بالله وعلمًا بقدرته جل وعلا ليزداد إيمانًا واطمئنانًا.
وإذا عرف الإنسان صفات الله سبحانه وتعالى وأسماءه، فعلم أنه عظيم جبار قادر متكبر زادت خشيته له وهيبته منه. وإذا علم بأنه قوي، عزیز طلب العزة منه وحده واستعان به علی أعدائه ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران: 26). فالتسليم بمشيئة الله سبحانه وتعالى وتدبيره يخلق في النفس نوعًا من الاستقرار لا تعرفه النفوس الأخرى كما أنه يركز جهود الإنسان المسلم في المجالات المثمرة بعد أن اطمأن إلى أن لهذا الكون العظيم مدبرًا عليمًا حكيمًا، وإذا علم أنه خبير، سميع، بصير لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء» ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (يونس: 61). ﴿ يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ (لقمان: 16). وإذا علم العبد ذلك أيقن بأنه محاسب على كل أعماله صغيرها وكبيرها فيزداد حرصًا على فعل الخير ويزداد حذرًا من فعل الشر.
وإذا عرف أنه عليم وعلم مدى عظمة هذا العلم ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ (التوبة: 78) ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (فاطر: 38) ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (غافر: 19).
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (المجادلة: 7).
فإذا عرف هذا وعلم أن السر والجهر متساويان في علم الله سبحانه وتعالىازداد خوفه ورجاؤه وحاول أن تكون سريرة صدره مماثلة لأعمال جوارحه.
وإذا علم أنه غفور، تواب، رحيم، ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (النساء: 108) ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِن بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (الأعراف: 153) ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الزمر: 53). ومن عرف هذا لم ييأس من رحمة الله تعالى ومغفرته لم يعرف القنوط طريقًا إليه أبدًا ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الزمر: 53).
ومن علم هذه الصفات وآمن بها وجد نفسه أمام الله عظيم متصف بكل صفات الكمال منزه عن كل صفات النقص ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى: 11).
وهكذا كلما استزاد العبد معرفة بربه تبارك وتعالى كلما زاد اطمئنان قلبه وهدوء نفسه وزاد ثباته واستقامته على أمر الله.
زادنا الله علمًا بكتابه الذي فيه صفاته وبسنة نبيه صلى الله عليه وسلم إنه وولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل