; كيفية بناء شخصية الداعية المسلم الحلقة «۱» | مجلة المجتمع

العنوان كيفية بناء شخصية الداعية المسلم الحلقة «۱»

الكاتب بدر عبدالغفور

تاريخ النشر الثلاثاء 27-نوفمبر-1979

مشاهدات 88

نشر في العدد 460

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 27-نوفمبر-1979

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:

يقول الله عز وجل: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 104) 

 فالله سبحانه وتعالى يدعو لتكون هناك أمة تدعو إلى الخير. ومما لا شك فيه أن الدعاة إلى الإسلام هم عصب الحياة ودمها، وبهم تنهض الأمم، وعليهم تقوم الدعوات. وإن الداعية في هذه الأيام شُوهت معالم شخصيته، فلم يستطع الوقوف على أرض صلبة، فقلَّت حصيلة المدعوين وتشتت الجهود وضاعت.

وإن الدعاة لا بد لهم من معالم تبين وتنير لهم طريق دعوتهم، ولا بد للداعية أن يعي كيف تكون شخصيته، وكيف يستطيع أن يؤثر في المدعوين، ولن يستطيع التأثير فيهم إذا كانت شخصيته مهزوزة ومتأرجحة. 

من ذلك كان لا بد للدعاة من معرفة كيفية بناء شخصياتهم حتى يستطيعوا العيش مع الله دونما متناقضات مع أنفسهم ومع الواقع الماثل أمامهم.

وهذه محاولة متواضعة أُبين فيها بعون الله شخصية الداعية وكيفية بنائها، سائلًا المولى العلي القدير أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم. 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

كيفية بناء شخصية الداعية المسلم 

الشخصية الإسلامية:

إن الشخصية الإسلامية حجر الزاوية في بناء الحركة الإسلامية، ومن هنا كان الاهتمام بتكوين الشخصية الإسلامية قبل أي عمل آخر. وكما أن الحركة الإسلامية لا يمكن أن تنهض بدورها الكبير في قيادة الأمة بغير الدعاة والعاملين، كذلك فإن هؤلاء الدعاة لا يمكن أن يقوموا بالدورالخطير ما لم تكتمل شخصياتهم الإسلامية اكتمالًا طبيعيًّا سليمًا.

والشخصية الإسلامية تتكون من عناصر عدة، نذكر منها:

أولًا- العقلية الإسلامية:

إن العقلية الإسلامية إحدى مقومات الشخصية الإسلامية، وهي العقلية التي تنظر إلى الأشياء من خلال الإسلام وتحكم على كل الأمور بمنظار الإسلام، فيكون الإسلام بالنسبة إليها مقياس كل قضية، وحل كل مشكلة، وزمام كل أمر. 

ولتكوين العقلية الإسلامية لا بد من توفر العوامل التالية:

١- الفهم الصحيح للكتاب والسنة الذي من شأنه أن يقيم في ذهن الداعية الخطوط الأساسية للحياة الإنسانية كما يريدها الإسلام. 

٢- الإدراك الكامل لأهداف الفكر الإسلامي من حيث هو ضابط مسلكي وأخلاقي، دافع للعمل، جاعل سلوك الإنسان متقيدًا ومتكيفًا بحسية في الحياة الدنيا ونحو الآخرة.

۳- الاستيعاب الكافي والكامل لجوانب التصور الإسلامي دونما انحصار في جانب من الجوانب.

ثانيًا- النفسية الإسلامية: 

والنفسية الإسلامية ثاني مقومات الشخصية الإسلامية، بل هي الانعكاس الحسي لتفاعل الفكرة الإسلامية وأثرها في حياة الإنسان، فميول الإنسان وغرائزه مربوطة ارتباطًا وثيقًا بمفاهيمه وتصوراته الفكرية، ومن هنا كانت النفسية الإسلامية هي الكيفية التي يمارس الداعية على ضوئها غرائزه وميوله وحاجاته العضوية.

وبعد هذا فليعلم الداعية المسلم أن الأساس الذي يقوم عليه بناء شخصيته هو إيمانه بأن للكون خالقًا تفرَّد بصفات الكمال وتنزَّهَ عن مشابهة خلقه في ذاته وصفاته.

وتلك العقيدة هي مفرق الطريق الذي يميز بين المسلم وغيره، وعليها يتوقف عمله ويتحدد اتجاهه ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ﴾ (فاطر: 3) 1

وكذلك يعلم الداعية المسلم أن الله -سبحانه وتعالى- لم يخلق هذا الكون عبثًا ولا سُدى، لأنه لا يتأتى لمن اتصف بالكمال أن يكون عابثًا فيما خلق. 

﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (المؤمنون: 115) 2.

أخلاق الداعية المسلم:

إن الداعية المسلم يجب أن يكون حريصًا على الأخلاق الإسلامية الرفيعة، وإن يتمثلها في حياته الخاصة؛ حتى يكون قدوة للآخرين، ويكون من الذين يفعلون ما يقولون.

يقول سيد قطب -رحمه الله-: «أيما داعية لا يصدق فعله قوله فإن الكلمات تقف على أبواب الآذان لا تتعداها إلى القلوب، مهما تكن كلماته بارعة وعباراته بليغة، فالكلمة البسيطة التي يصاحبها الانفعال ويؤيدها العمل هي الكلمة المثمرة التي تحرك الآخرين إلى العمل» ٣.

والخلق الكريم هو دليل الإيمان وثمرته، ومن الواجب أن يتصف الداعية بالأخلاق الفاضلة ويستمد أخلاقه من القرآن كما كان الرسول عليه الصلاة والسلام، حيث تقول السيدة عائشة -رضي الله عنها- عندما سئلت عن خلقه -صلى الله عليه وسلم- فقالت: «كان خلقه القرآن».

«۱» فاطر آية ٣ 

«٢» المؤمنون ۱۱٥

«٣»الظلال جـ ٥ ص ٥١٩. 

أما أهم الصفات الأخلاقية التي ينبغي أن يتمتع بها الداعية المسلم لتكون شخصيته متكاملة خلقيًّا هي:

١- الإخلاص:

وهو أمر في أعماق القلب، لا يطلع عليه أحد إلا الله -تبارك وتعالى-، ولكنه يتجلى في أمور عديدة، وثمرته تبدو واضحة جلية في مجال الدعوة، ومن هنا نستطيع أن نفرق بين رجلين تساويا في أمور كثيرة، ولكنهما اختلفا في الإخلاص. وكما نعلم أن العمل لا يُقبل إلا إذا كان خالصًا وصوابًا، ويتجلى الإخلاص عند الداعية المسلم في أنه لا يريد من دعوته إلا وجه الله -تبارك وتعالى-.

٢- التورع عن الشبهات:

وهو أن يتورع الإنسان عن المحارم ويتحوط من الشبهات؛ وذلك امتثالًا لقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام...» «2»

٣- غض البصر:

وهو أن يغض الإنسان بصره عن محارم الله، فإن النظر يورث الشهوة ويستدرج صاحبه للوقوع في الإثم والعصيان؛ ولذلك حذرنا الله -تبارك وتعالى- من فضول النظر وحثنا على غض البصر، حيث يقول: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ (النور: 30) 2.

٤ - صون اللسان:

وهو أن يصون الإنسان لسانه عن فضول الكلام وفحشاء الحديث وبذاءة الألفاظ والتعابير وعن عموم اللغو والغيبة والنميمة، ولذلك نجد الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- يحذر معاذ بن جبل -رضي الله عنه- من ذلك ويقول له: «وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم» ٣.

ويقول الامام النووي: «أعلم أنه ينبغي لكل مكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام، إلا كلامًا ظهرت فيه المصلحة. ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة، فالسنة الإمساك عنه، لأنه قد يجر الكلام المباح إلى حرام أو مكروه، وذلك كثير في العادة، والسلامة لا يعدلها شيء.

«١» متفق عليه

«٢» النور آية ٣٠

«٣» رواه الترمذي

٥ - الحياء:

وهو أن يكون الإنسان حييًّا في كل أحواله دون أن يمنعه ذلك من الجرأة في الحق.  ومن الحياء عدم التدخل في شؤون الآخرين، وغض البصر، وخفض الجناح، وعدم رفع الصوت، والقناعة وما شابه ذلك من خصال. ولقد رُوي أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان أشد حياء من العذراء في خدرها. وكان يقول -صلى الله عليه وسلم-: «الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. والحياء شعبة من الإيمان»1.

٦- محاسبة النفس:

وهي أن يقوم الإنسان نفسه حتى يعرف ما لها وما عليها ولا يدعها تسترسل في الحقوق استرسالًا، فيضيعها ويهملها. وأيضًا فإن زكاتها وطهارتها موقوف على محاسبتها، فلا تزكو ولا تطهر ولا تصلح إلا بمحاسبتها، فبمحاسبتها يطلع على عيوبها ونقائصها فيمكنه السعي في إصلاحها.

٧ - ملاطفة الخلق:

هي معاملتهم بما يحب الإنسان أن يعاملوه به من اللطف، ولا يستخدم معهم العنف والشدة والغلظة ولا يكون ذلك عن ضعف فيه، حتى يتجمعوا حوله ويحبونه ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: 159) ٢. 

يقول ابن القيم رحمه الله: «فإن معاملة الناس بذلك- يقصد اللطف: إما أجنبي فتكسب مودته ومحبته، وإنما صاحب وحبيب فتستديم صحبته ومودته، وإما عدو ومبغض فتطفئ بلطفك جمرته وتستكفي شره» «۳»

وبعد أن علمنا بعض صفات الداعية المسلم فإنه ينبغي عليه أن يتمسك بها ويكون بارزًا بها في المجتمع، فلرُب تصرف حسن من الداعية يهدي به الله شخصًا إلى الإسلام. ولا شك أن التصرف الحسن يفوق الكلام الحسن في تأثيره، ونحن نعيش في مجتمع كله ينظر إلى هذا الداعية المسلم ويريد أن يأخذ منه أو يأخذ عليه، فحرَى بنا نحن الدعاة ألا نترك ولا فجوة صغيرة يأخذ منها المشككون والمثبطون فرصة للطعن في الإسلام، لأن المجتمع الذي نعيش فيه لا يرحم وأقل خطأ يصدر من الداعية يرجعون العيب والنقص إلى الإسلام وليس إلى هذا الشخص.

ويجب أن يفهم كل داعية بأن عليه أن يكون شخصًا متميزًا عن غيره بسلوكه وأسلوبه، فلا يكون من الذين يطيلون شعورهم تقليدًا للآخرين ولا يلبس الملابس الضيقة ولا يكون من المسرفين في التزين. وأن يتميز بمخالطته للناس فيكون اجتماعيًّا لا يميل إلى الصمت دائمًا عند مخالطته للمجتمع. وأن يزن الأمور وزنًا جيدًا. ويكون ميزانه الدائم الذي لا يخطئ هو الإسلام، فيقيس الأشياء بالإسلام فما صوَّبه الإسلام فهو الصواب وما خطَّأه الإسلام فهو الخطأ، ولا يخلط الهوى والنفس في مقياسه لأن ذلك يفسد المقياس فيبعده عن الحق ويقربه للباطل.

«١» متفق عليه

«٢» آل عمران آية ١٥٩

«٣» المدارج جـ ٢ ص ٥١١

النواقص عند الداعية وعلاجها:

۱- الناحية الروحية:

ينبغي للداعية المسلم أن يرتفع بنفسه البشرية ويسمو بها إلى مرتبة التعلق بالآخرة والتطلع إلى ما عند الله والهمة العالية والعمل والإخلاص ابتغاء وجهه تعالى، وتزكية النفس وفق منهج الله وهدى رسوله عليه الصلاة والسلام «ما زاغ البصر وما طغى».

ويكون الارتفاع بالناحية الروحية بأن يوجِد الذاتية القوية عن طريق وضوح الغاية التي من أجلها خُلق «غاية العبودية والخضوع المطلق لله»، وأن يطمئن للعمل الذي يقوم به، ويتبين همم السلف رضوان الله عليهم، ويتدرج في أخذ نفسه بالعبادات والتكاليف الشرعية مع ملاحظة الدوام عليها، وأن يعيش عيشًا جماعيًّا ويستحضر الأجر عند العمل، ويصاحب ذوي الروحانية العالية. ويوجد له فترات خلوة يعيش فيها مع نفسه، ويلتزم بالصيام والقيام والأوراد من ذكر وقرآن ودعاء ويستشعر الغربة في هذا المجتمع، ويعيش مع آيات الله ويتذكر الموت ويستحضر معاني الآخرة.  ويقوم بأعمال البر بأنواعها المختلفة ويحاسب نفسه ويقلل من الجدال والمراء والمزاح والذهاب إلى الأماكن التي تقسي القلب.

٢- الناحية الفكرية والثقافية:

ينبغي للداعية المسلم أن يلم بالعلوم والأفكار وتجارب السابقين والمحدثين المدونة في مصادرها المختلفة، والتي يقتنع الأخ بفائدتها وجدواها لخدمة دعوته. ويكون الارتفاع بالناحية الفكرية والثقافية عند الداعية بأن يحرص على فهم القرآن وتدبر آياته وحفظه وكذلك الحديث الشريف. وأن يعين وقتًا مناسبًا في اليوم للقراءة مع الالتزام به. وأن يحرص على حضور المحاضرات العامة والدروس النافعة ويدونها أو يسجلها ويحتفظ بها، وأن يكوِّن مكتبة خاصة به متعددة المصادر ويعمل على ترتيبها دائمًا، وأن يحرص على قراءة المجلات الإسلامية وتصفح الجرائد اليومية والاستفادة منها، ويستمع إلى نشرة الأخبار من الإذاعة حتى يكون ملمًّا بما يدور حوله في المجتمع والعالم الخارجي، وأن ينوِّع في قراءته ولا يصطبغ بنوع واحد من القراءة، وأن يتعود على الكتابة والإنشاء لإتقان التعبير، وأن يلم في معرفة الكتب والكتاب وتنقيتهم. ويحرص على مجالسة أهل العلم والتقوى والاستفسار منهم والتباحث معهم في الموضوعات التي تتعلق بالإسلام. وأن يكثر التحدث في معلوماته حتى تتركز في ذهنه فلا ينساها، وأن يتعود على البحث والتنقيب عن أي مسألة من المسائل لمعرفتها وفهمها فهمًا جيدًا وعدم الاكتفاء بالسؤال، وبذلك يكون قد أتم الناحية الثقافية والفكرية عنده.

٣- الناحية الجسدية:

وهي أن الداعية المسلم يقوم بأعمال كثيرة، وهذه الأعمال تحتاج إلى تنظيم للجهود وتنسيق بينها. 

ولكي تتم مثل هذه الأعمال فإنه ينبغي للداعية أن يكون لديه استعداد طبيعي وفطري واستعداد علمي. وحتى ينجح في أعماله يجب أن تكون لديه رحابة صدر وحسن تصرف، وأن يكون لبقًا كيِّسًا ومرنًا في حدود الشرع، وأن يستعين بمن لديهم خبرة في عمل ما، وأن يتصف بالحزم والجدية ولديه قدرة على الإقناع وشجاعة ومبادرة، وثقة بالنفس، ويكون دقيقًا منظمًا ذا بصيرة نافذة، ويتصف بالعدالة والإنصاف. وأن يتحلى بضبط النفس ويكون قدوة صالحة لمن حوله في المجتمع، وبذلك يكون قد أتم الناحية الجسدية عنده.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل