; آفات على الطريق (۲۲) (۳) من (۳).. طريق العلاج من المراء أو الجدل | مجلة المجتمع

العنوان آفات على الطريق (۲۲) (۳) من (۳).. طريق العلاج من المراء أو الجدل

الكاتب أ.د. السيد محمد نوح

تاريخ النشر الثلاثاء 26-أبريل-1994

مشاهدات 83

نشر في العدد 1097

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 26-أبريل-1994

 

في الحلقة الماضية استعرض الدكتور السيد نوح أسباب الوقوع في المراء أو الجدل، ثم عرض لبعض طرق العلاج والوقاية من الوقوع فيه، وها هو في هذه الحلقة يستكمل عرض طرق العلاج:

3- إشعار الغير بالاحترام والتوقير حتى مع اختلاف الفكر وتعارض الرأي؛ فإن ذلك من شأنه أن يقضي على الإصرار أو العناد المتمثل في المراء أو الجدل. وحسبنا أن النبي صلى الله عليه وسلم رد على عتبة بن ربيعة لما جاء رسولًا من قبل قريش يريد إثناءه صلى الله عليه وسلم عن دعوته عن طريق الاحتواء بواسطة الدنيا ممثلة في الشرف والسؤدد والوجاهة والملك والمال، والمداواة من الأمراض والعلل إن كانت هي مصدر ما يحدثهم به من شؤون الوحي؛ رد عليه صلى الله عليه وسلم في أدب واحترام وتوقير، مع اختلاف فكر ورأي كل واحد منهما عن الآخر بقوله: «قل أبا الوليد أسمع منك، أفرغت أبا الوليد؟» الأمر الذي كان سببًا في امتصاص ما عند عتبة من إصرار أو عناد أو ما نسميه بالمراء أو الجدل، حتى إذا سمع آيات من كتاب الله وفي آخرها إنذار بالعذاب على نحو ما وقع لعاد وثمود؛ خاف وأمسك بفم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «ناشدتك الله والرحم إلا ما أمسكت، فإني أخشى أن تنزل عليّ هذه الصاعقة» (1).

ثم عاد إلى قومه يطلب منهم أن يخلوا بين النبي وبين ما يقول؛ إذ لا يمكن أن يكون ما سمع من قول البشر. وحسبنا أيضًا موقف الشيخ حسن البنا -رحمه الله- من كثير من مخالفيه ومعارضيه من أبناء عصره، ولا سيما الدكتور طه حسين، حيث كان يمنحهم مع اختلافه معهم حقهم من الاحترام والتقدير؛ الأمر الذي قطع عليهم طريق المراء أو الجدل.

إذ يذكر المعاصرون للشيخ حسن البنا أنه لما نشر طه حسين كتابه: «مستقبل الثقافة في مصر»، وضمنه ما يجب أن تتجه إليه الثقافة في مصر من ضرورة الأخذ بالحضارة الغربية خيرها وشرها، حلوها ومرها؛ هاجت الدنيا وماجت وتناولت أقلام النقاد الكاتب بين قادح ومادح، ولم يكترث طه حسين بكل ما كتب، وصمم على وضع آرائه في الكتاب موضع التنفيذ باعتباره مستشار وزارة المعارف (التربية والتعليم الآن). وهنا اتصل بعض الغيورين من أصدقاء الشيخ حسن البنا به وطلبوا إليه أن يكتب نقدًا للكتاب، ورد الشيخ حسن البنا بأنه لم يطلع على الكتاب لضيق وقته وكثرة الصوارف، وألحوا عليه في ضرورة قراءة الكتاب وبيان كلمة الإخوان قبل أن يوضع الكتاب موضع التنفيذ؛ لا سيما وأنه سيؤدي إلى تغيير جذري في سياسة البلد الثقافية. ولم يكتفوا بذلك، بل أخبروه أنهم حددوا موعدًا لبيان ذلك في دار الشبان المسلمين وطبعوا الدعوات، وكان الموعد بعد خمسة أيام.

يقول الشيخ حسن البنا: ولم أكن أستطيع التحلل من مواعيد كنت مرتبطًا بها في خلال هذه الأيام الخمسة، وعليه فما كنت أجد وقتًا لقراءة هذا الكتاب إلا فترة ركوبي الترام في الصباح إلى مدرستي وفترة رجوعي منها في الترام -وكان يعمل في مهنة التدريس-. وقدر الله وأتيت على الكتاب من أوله إلى آخره لأنه لم يكن كبير الحجم، وكنت أضع علامات بالقلم الرصاص على فقرات معينة، ولم تمض الأيام الخمسة حتى كنت قد استوعبت الكتاب كله. وفي الموعد المحدد ذهبت إلى دار الشبان فوجدتها على غير عادتها غاصة، والحاضرون هم رجالات العلم والأدب والتربية في مصر. ووقفت على المنصة واستفتحت بحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله، وبجانبي الدكتور يحيى الدرديري السكرتير العام للشبان المسلمين، ورأيت الكتاب كله منطبعًا في خاطري بعلاماتي التي كنت علمتها بالقلم الرصاص.

قال: وبدأت أول ما بدأت فقلت: إنني لن أنقد هذا الكلام من عندي وإنما سأنقد بعضه ببعض، وأخذت -ملتزمًا بهذا الشرط- أذكر العبارة من الكتاب وأعارضها بعبارة أخرى من نفس الكتاب. ولاحظ الدكتور الدرديري أنني في كل مرة أقول: يقول الدكتور طه في الكتاب في صفحة كذا، وأقرأ العبارة بنصها من خاطري، ثم أقول: ويناقض الدكتور طه نفسه فيقول في صفحة كذا، وأقرأ العبارة بنصها أيضًا من خاطري. فاستوقفني الدكتور الدرديري وطلب إليّ أن أمهله حتى يحضر نسخة من الكتاب ليراجع معي النصوص والصفحات لأنه قرأ الكتاب ولم يلاحظ فيه هذا التناقض، وكأنه لم يقرأ العبارات التي يسمعها الآن. وجيء له بالكتاب وظل يتابعني فيجد العبارات لا تنقص حرفًا ولا تزيد حرفًا، ويجد الصفحات كما أحددها تمامًا؛ فكاد الدكتور الدرديري يجن، كما ساد الحاضرين جو من الدهشة والذهول، والكل يتجه -كلما قرأت من خاطري عبارتين متناقضتين- إلى الدكتور الدرديري كأنهم يسألونه: أحقًا هذه العبارات في الكتاب؟ فيقول الدكتور الدرديري في كل مرة: بالنصوص والصفحات. وهكذا حتى انتهى الكتاب وانتهت المحاضرة وقام الجميع وفي مقدمتهم الدكتور الدرديري بين معانق ومقبل.

يقول الشيخ حسن البنا: ولما هممت بالانصراف رجاني الدكتور الدرديري أن أنتظر برهة لأنه يريد أن يسر حديثًا، واقترب مني وأسر في أذني سرًا تعجبت له؛ قال: لما نشرنا عن موضوع محاضرتك وموعدها اتصل بي الدكتور طه حسين وطلب إليَّ أن أعد له مكانًا في هذه الدار يستطيع فيه أن يسمع كل كلمة تقولها دون أن يراه أو يعلم بوجوده أحد، فأعددنا له المكان وحضر المحاضرة من أولها إلى آخرها ثم خرج دون أن يراه أو يعلم به أحد. وفي اليوم التالي طلب الدكتور طه حسين من أحد موظفي وزارة المعارف -وكان على صلة وثيقة بالشيخ حسن البنا- أن يرتب له اجتماعًا مع الشيخ حسن البنا في أي مكان بحيث لا يكون معهما أحد، وبحيث لا يعلم بهما أحد، وليكن هذا المكان في بيته أو بيتي أو في مكتبي هنا. ووافق الشيخ حسن البنا ورأى أن يكون الاجتماع في مكتبه بالوزارة، وتم الاجتماع وبدأه الدكتور طه حسين بقوله: لعلك يا أستاذ حسن لا تعلم بأنني حضرت محاضرتك وبأنني كنت حريصًا على حضورها وعلى الاستماع إلى كل كلمة تقولها؛ لأنني أعرف من هو حسن البنا، وأقسم لك لو أن أعظم عظيم في مصر كان في مكانك ما أعرته اهتمامًا. قال الشيخ حسن البنا: فشكرته ثم سألته عن رأيه في المواضع التي وجهت النقد إليها في الكتاب وهل لديه من رد عليها؟

قال الدكتور طه حسين: ليس لي رد على شيء منها، وهذا نوع من النقد لا يستطيعه غيرك، وهذا هو ما عنّاني مشقة الاستماع إليك، ولقد كنت أستمع إلى نقدك لي وأطرب... وأقسم يا أستاذ حسن لو كان أعدائي شرفاء مثلك لطأطأت رأسي لهم، لكن أعدائي أخساء لا يتقيدون بمبدأ ولا بشرف. إن أعدائي هم الأزهريون، وقد ظنوا أنهم يستطيعون أن يمحوا اسمي من التاريخ، وقد كرست حياتي لإحباط مكايدهم، وهأنذا بحمد الله في الموضع الذي تتقطع أعناقهم دونه... ليت أعدائي مثل حسن البنا! إذن لمددت لهم يدي من أول يوم (2). أرأيت كيف يصنع الاحترام والتقدير للآخرين حتى مع اختلاف الفكر وتباين الرأي؟ إنه يمتص من نفوسهم المراء أو الجدل على النحو الذي نطق به هذا المثال.

4- تدبر نظرة الإسلام إلى المراء أو الجدل، وذلك بدوام النظر في الآيات والأحاديث الواردة في كتاب الله وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم حول هذه الآفة؛ فإن لذلك دورًا كبيرًا في علاج النفس بل حمايتها من المراء أو الجدال.

5- تحري العيش في وسط سليم من المراء أو الجدل؛ فإن ذلك يعين النفس بل يحفظها من الوقوع في غوائل هذه الآفة.

6- قيام الأمة وولي الأمر بواجبهما نحو هذا الصنف من الناس كل بما يتناسب مع طاقاته وإمكاناته؛ فالجميع ينصحون وينكرون بألسنتهم، وولي الأمر يتولى التعزير إن اقتضى المقام ذلك، والأمة تعتزل وتقاطع حتى تستقيم حال هؤلاء. وقصة عمر مع صبيغ بن عسل برهان عملي على صحة ما نقول؛ إذ تحكي كتب التاريخ أن صبيغ بن عسل جعل يسأل عن متشابه في القرآن في أجناد المسلمين حتى قدم مصر، فبعث به عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب. فلما أتاه الرسول بالكتاب فقرأه فقال: أين الرجل؟ أبصر لا يكون ذهب فتصيبك مني العقوبة الوجيعة.

فأتي به فقال عمر: سبيل محدثة (أي بدعة جديدة). فأرسل إلى رطائب من جريد فضربه بها حتى ترك ظهره دبرة (أي قرحة)، ثم تركه حتى برئ، ثم عاد له، ثم تركه حتى برئ، فدعا به ليعود فقال صبيغ: إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلًا جميلًا، وإن كنت تريد أن تداويني فقد والله برئت. فأذن له إلى أرضه، وكتب إلى أبي موسى الأشعري ألا يجالسه أحد من المسلمين. قال أبو عثمان النهدي: فلو جاءنا ونحن مئة لتفرقنا عنه. وقال زرعة: رأيت صبيغًا كأنه بعير أجرب يجيء إلى الحلقة ويجلس وهم لا يعرفونه، فتناديهم الحلقة الأخرى: عزمة أمير المؤمنين عمر! فيقومون ويدعونه. فاشتد ذلك على الرجل فكتب أبو موسى إلى عمر أن قد حسن أمره، فكتب إليه عمر: أن ائذن للناس بمجالسته (3).

7- مجاهدة الآباء والأمهات أنفسهم كي يتطهروا من هذه الآفة إن كانوا مصابين بها؛ فإن عجزوا مع أنفسهم فليكن ظهورها في أضيق الحدود وبعيدًا عن أعين الأبناء لئلا تتسرب العدوى إلى هؤلاء، فيكونون من الدعاة إلى الشر والضلالة، يحملون إثم أنفسهم وإثم من اقتدى بهم؛ إذ يقول صلى الله عليه وسلم: «... ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا» (4).

8- علاج أو مداواة النفس من الإعجاب بل الغرور بل التكبر على نحو ما جاء في طريق الخلاص من هذه الآفات في الجزء الأول؛ فإن النفس إذا سلمت من هذه الآفات تداوت أو عولجت من كل ما يترتب عليها من آثار، ولا سيما المراء أو الجدل.

9- البعد عن الاشتغال بعلوم الجدل والمناظرة، وإذا كان لا بد من الاشتغال بهذه العلوم فليكن بعد التحصن والتحصن الشديد بكتاب الله وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإنهما عصمة وأمان من كل شر أو فتنة.

10- التحرك من خلال منهج يسد الفراغ، ويعمل الطاقات، ويربط النفس بربها باريها ومالكها والمتصرف فيها، حتى لا توجد لحظة فراغ تستغل من قبل شياطين الجن والإنس في تدنيس النفس بهذه الآفة. ولا سبيل لذلك بصورة تامة دقيقة إلا في حضن جماعة مسلمة جامعة لصفات وضوابط الجماعة المسلمة حقًا.

11- مجاهدة النفس وتعويدها على الجرأة والشجاعة في الاعتراف بالخطأ وقبول الحق من الغير وإن كان مراء؛ إذ الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، والمهم هو ظهور الحق بغض النظر على لسان من ظهر هذا الحق؛ فإن مثل هذه المجاهدة تساعد كثيرًا في علاج بل سلامة النفس من هذه الآفة.

12- تذكر العواقب والآثار المترتبة على المراء أو الجدل؛ فإن المرء إذا أدرك العواقب الضارة والآثار المهلكة لأي عمل من الأعمال امتنع عن الإتيان بهذا العمل خشية أن تصيبه هذه العواقب وتلك الآثار.

13- الاستعانة التامة بالله عز وجل عن طريق ذكره الدائم المستمر بالعقل وباللسان وبالقلب وبالجوارح وبالسلوك؛ فإن الله بيده مقاليد السماوات والأرض، وهو سبحانه يعين من استعان به ولجأ إليه إن كان صادقًا في هذه الاستعانة وفي هذا اللجوء. قال تعالى: ﴿قُلْ مَنۢ بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍۢ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ (المؤمنون: 88-89)، ﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ﴾ (البقرة: 152).

14- دوام النظر في سير السلف وكيف كان بعدهم عن المراء أو الجدل، بل كراهيتهم ومقاطعتهم لمن ابتلوا بذلك، ولكن بعد الإرشاد وبذل النصيحة.

15- معاملة من يخالفوننا في الرأي على أن رأينا صواب يحتمل الخطأ، وأن رأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب؛ فإن المعاملة بهذه الصورة من شأنها أن تستل الأحقاد من الصدور، وأن تقضي على المراء أو الجدل.

16- رؤية الكلام على أنه من العمل؛ فإن من يرى كلامه من عمله يقل كلامه إلا فيما يعنيه، وبذلك يغلق باب واسع من أبواب المراء أو الجدل.


الهوامش

(1) انظر: سبل الإرشاد في سيرة خير العباد لمحمد بن يوسف الصالحي 2/ 447 - 450 بتصرف كثير.

 (2) انظر: الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ. 1/ 239 - 242.

 (3) انظر: تهذيب تاريخ دمشق لابن بدران 6/ 385 وعنه نقل الطنطاويان في أخبار عمر ص 190، 191.

 (4) الحديث أخرجه البخاري مختصرًا في الصحيح «الترجمة» كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب إثم من دعا إلى ضلالة أو سن سنة سيئة 9/ 137، ومسلم في الصحيح: كتاب العلم باب من سن سنة حسنة أو سيئة، ومن دعا إلى هدى أو ضلالة 4/ 2060 رقم 16 (2674). وأبو داود في السنن: كتاب السنة باب لزوم السنة 4/ 201 رقم 2609، والترمذي في السنن كتاب العلم باب ما جاء فيمن دعا إلى هدى 5/ 43 رقم 2674، وابن ماجه في السنن المقدمة باب من سن سنة حسنة أو سيئة 1/ 130- 131، وأحمد في المسند 2/ 397- 505 كلهم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعًا به وبنحوه، وأوله كما في مسلم: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا».... الحديث.

(*) أستاذ الحديث وعلومه بكلية الشريعة. جامعة الكويت.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 22

119

الثلاثاء 11-أغسطس-1970

الصورة العربية عند الغرب

نشر في العدد 31

124

الثلاثاء 13-أكتوبر-1970

المساواة المطلقة مفهوم خاطئ

نشر في العدد 31

123

الثلاثاء 13-أكتوبر-1970

حضارة أم جاهلية؟