العنوان مفارقتان في مصر وفلسطين. لكن المضمون واحد.. آفاق الحرية لاحت.. وساعة التغيير نحو الكرامة دقت
الكاتب أسامة أبو رشيد
تاريخ النشر السبت 28-مايو-2005
مشاهدات 65
نشر في العدد 1653
نشر في الصفحة 24
السبت 28-مايو-2005
على الأنظمة أن تدفع في اتجاه التغيير الإيجابي وإلا انكسرت في وجه طوفان جارف
تحرك الطابور الخامس للتشنيع على الإخوان بعد تصريحات رايس
النظام المصري لا يبحث عن قبول شعبي بقدر ما يبحث عن هيمنة ولو كره الشعب
مفارقتان سياسيتان شهدهما هذا الشهر في الفضاء العربي، إلا أنهما على الرغم من ذلك ذواتا مضمون واحد، الحديث هنا يتعلق بالانتخابات البلدية الفلسطينية في مرحلتها الثانية والتي جرت يوم الخميس ٥ مايو 2005 والتي فازت حركة فتح بأغلب مجالسها في حين فازت حركة حماس بأغلب أصواتها.
أما الثانية فتتمثل في مظاهرات الإخوان المسلمين في مصر يوم الجمعة 6 مايو 2005 والتي قمعها الأمن بقوة السلاح. المفارقة أنه في الحالة الأولى وجدنا حزب السلطة في حركة فتح التي عينت لجان الإشراف على الاقتراع ومواعيده والمناطق التي يجري بها -بما يناسبها- في كل مرحلة هي من يشتكي اليوم من حدوث تزوير متهمة بعض أعضاء لجان الإشراف بالتواطؤ مع مرشحي حركة حماس وتحديدًا في غزة، وهو الأمر الذي أفضى -كما تزعم فتح- إلى فوز حماس في بعض معاقل فتح التقليدية أو التي افترضت أنها لها تقليديًا. فكان مثلًا أن خسرت في رفح بنتيجة ساحقة وهي المدينة ذات الكثافة السكانية التي تفوق بقية المدن السبع الأخرى في قطاع غزة مجتمعة والتي جرت فيها الانتخابات البلدية في المرحلة الثانية.
صدمة من النتائج
قادة فتح المصدومين من نتائجهم المخيبة في بيت لحم وقلقيلية وغزة.. إلخ. وهم الذين اختاروا المناطق التي ستجري فيها الانتخابات في المرحلتين الأولى والثانية من أصل ثلاث في الانتخابات البلدية بدقة وعناية وحذر، بحيث تكون في مناطق نفوذهم وثقلهم أو ما كانوا يظنون كذلك. فوجئوا بأن السحر انقلب على الساحر وبأن وزن حركتهم قد انكشف شعبيًا، خصوصًا بعد سنوات من التردي والفساد، وظهور قيادات ورموز منتفعة وطفيلية لتمثلها وانقطاعها عن نبض الشارع الفلسطيني وهمومه وتحول قادتها من ثوار ومقاومين إلى حملة «VIP».
وبدل أن يلجؤوا إلى البحث في أسباب وعلل هذا التراجع الرهيب في الرصيد الشعبي وجدناهم يلجؤون إلى أساليب «الزعرنة» و«العربدة»، حيث قاموا بإحراق بعض صناديق الاقتراع في الضفة الغربية عندما رأوا أن الأمور لا تسير في تلك المناطق لصالحهم أو إلى إطلاق الرصاص والخروج في مظاهرات مسلحة واحتلال مواقع لجان الإشراف على الانتخابات، كما حدث في قطاع غزة.
الغريب هنا وعلى العكس من الحال في مصر، أن حزب السلطة هو من يدعي أن التزييف وقع ضده، في حين أنه هو من يتحكم في كل مفاصل اللعبة وكان آخر ما وصل إليه الحال في قطاع غزة في الشأن الانتخابي أن نجحت حركة فتح الحزب الحاكم في الضغط على القضاء الفلسطيني يوم الأربعاء ١٨ مايو ٢٠٠٥ لإلغاء نتائج انتخابات رفح وإعادتها جزئيًا.
أما في السياق المصري فإن المعارضة هي من تشكو القمع ضدها وتزوير إرادة الجماهير والشعب المصري لصالح الحزب الوطني الحاكم الذي هو حزب تحالفات مصلحية، أكثر من كونه حزبًا أيديولوجيًا ومؤسساتيًا، فما حدث يوم الجمعة -من قمع وبطش بحق الآلاف من أبناء جماعة الإخوان المسلمين المصرية والذين نزلوا إلى الشوارع في عدد من المحافظات والمدن المصرية واعتقال ما يزيد على ٢٥٠٠ شخص منهم من ضمنهم قياديون في الجماعة وعلى رأسهم الدكتور عصام العريان أمين اتحاد الأطباء العرب والعضو السابق في مجلس الشعب وصاحب الحضور الإعلامي والشعبي الكبير- يؤكد أن النظام المصري لا يبحث عن قبول شعبي بقدر ما يبحث عن هيمنة، ولو كره الشعب.
مظاهرات الإخوان كانت سلمية، ولم تطلق فيها عبارات تحد للنظام مع أن هذا من حق المواطن، كما أنها رفضت التدخل الأجنبي في شأن مصر ودعت للإصلاح السياسي لمصلحة مصر أولًا وأخيرًا، ولكن كل هذا بالنسبة للنظام خطوط حمر لا لأنه يهدد الأمن القومي للبلد وإنما لأنه يسقط هيئة نظام هي ساقطة أصلًا، ولذلك فإن قتل متظاهر وجرح العشرات واعتقال المئات أمر يهون أمام إظهار عدم التهاون ضد مثل هذه المظاهرات.
وضوح الرسالة
وهذه الدعوات لا تحتاج إلى تأويل فالرسالة واضحة، وهي أن الانتخابات مقبولة، وأصوات الشعب ستحترم وذلك فقط في حال ما صوتت لحزب السلطة. وإلا فليضرب برأي الجماهير بل وبالشعب نفسه عرض الحائط إن تجرأ وقال الرموز لا يريدها وتحكم باسمه: كفاية.
في الحالة المصرية تبدو الصورة أكثر درامية أو ربما كوميدية، فقد جرد النظام أفلام أبواقه ليتهم الإخوان المسلمين وحركة كفاية وكل المعارضين للتمديد للرئيس «الضرورة» أو لنجله «الفلتة»، لاتهامهم بأنهم يتلقون الدعم من أمريكا، بل وصل الأمر إلى اتهام الإخوان -من قبل بعض الكتاب الذين لا يحترمون مصداقيتهم- بأنهم ينسقون مع الولايات المتحدة في هذا الشأن ويتآمرون على أوطانهم واصفين الإخوان بأنهم ربيبة الاستعمار البريطاني القديم والإمبريالية الأمريكية الحديثة!
المضحك المبكي، أن الرئيس نفسه صرح منذ أكثر من عام لصحيفة نيويورك تايمز خلال زيارته للولايات المتحدة أن وجود نظامه مصلحة أمريكية، حتى لا يصل الإخوان المسلمون إلى الحكم أكثر من ذلك. لم يخف الزعيم «الضرورة» أنه رغم قيام مؤسسات دولته يقمع الإخوان منذ أوائل خمسينيات القرن الماضي أي منذ ثورة الضباط الأحرار وإلى الآن إلا أنه لو جرت اليوم انتخابات حرة فإنهم سيجلسون على كرسيه، وعندها فعلى الأمريكيين أن يتعاملوا مع «البعبع» الإخواني!
ولكن يبدو أن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في المنطقة لم تعد تهتم بحسابات حلفاء الأمس، وقد صرحت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندليزا رايس قبل شهرين تقريبًا لصحيفة واشنطن بوست بأن الإدارة الأمريكية تود أن ترى تغييرًا في مصر وتسييل الانسداد السياسي فيها، حتى ولو كان ثمن ذلك وصول الإسلاميين إلى الحكم، هنا جن جنون النظام الحاكم وتحرك طابوره الخامس للتشنيع على الإخوان بأنهم صنيعة أمريكا وأداتها للمس بـ «استقلال» البلد وسيادته على الرغم من أن الإخوان رفضوا أصلًا لقاء وفد أمريكي إلا بإذن وحضور ممثلين عن الخارجية المصرية، وهو الموقف الذي أظن أن الإخوان أخطؤوا فيه، حيث كان ينبغي أن يلتقوا الوفد ويسمعوا منه ويعرفوه أيضًا بمواقفهم، بدل أن يمارس النظام نفسه رسم صورتهم وتشويهها لدى صانع القرار الأمريكي، أما إذا أبى الإخوان إلا رفض لقاء الأمريكيين لحسابات شعبية وسياسية فليس أقل من ألا يؤسسوا رفضهم بإعطاء شرعية المؤسسات دولة هرمة ومهترئة تحولت إلى مؤسسات حزب.
الأغرب من ذلك كله أن أبواق النظام المصري التي حملت على الإخوان المسلمين واتهمتهم بلعب دور الخنجر الذي يمزق السيادة المصرية، لم تلق بالًا لتصريحات رئيس وزراء النظام الدكتور أحمد نظيف الذي صرح بالحرف الواحد للصحف المصرية يوم الأربعاء ١١ مايو ٢٠٠٥ أي قبل زيارته لواشنطن «يصعب عليَّ أن أهضم فكرة أن الإدارة الأمريكية تريد تغيير النظامين المصري والسعودي، فهي تنظر بشكل إيجابي للرئيس مبارك والإصلاحات الحقيقية». ترى من يرهن نفسه للخارج ويطلب رضاه النظام أم المعارضة المصرية؟
تحرك غير مسبوق
التظاهرات الأخيرة وهذا الحراك غير المسبوق نشط إطارًا كان موجودًا ولكنه كان حاملًا، وأعاد للجماعة المصرية ألقًا ورونقًا كانت في أمس الحاجة إليهما، خاصة بعد أن بدا أن أطرافًا أخرى -أصغر حجمًا وأقل تأثيرًا، وبالتأكيد دون شعبية الجماعة وعمقها الجماهيري بمراحل-بدأت تمسكك بزمام المبادرة كلا التيارين الإخوانيين حماس وإخوان مصر أدركوا أهمية آليات التأطير السياسي والتنشيط الحركي.
وأريد أن أختم بهذه العبارة المعبرة للفيلسوف الألماني ريختر في وصفه لمنطق الأنظمة الدكتاتورية في تعاملها مع شعوبها ونظرتها لوظيفتها ودورها كموضوع لا ذات: لقد أدان الشعب الحكومة، أفلا يكون من الأسهل أن تحل الحكومة الشعب وتبحث عن شعب غيره؟!
لقد أراد الفلسطينيون والمصريون والعرب كلهم التغيير، فإما أن تستجيب الأنظمة وإما أن تغير شعوبها ولكن الخبر المحزن لهم أن شعوبهم ستنجح في نهاية المطاف في تغييرهم.
فآفاق الحرية قد لاحت، وساعة التغيير نحو الكرامة قد دقت، وعقاربها تقترب من لحظة التحرر أو الفوضى التي لن تبقي ولن تذر، فإما أن تكون الأنظمة دافعًا في اتجاه التغيير الإيجابي وإما أن تنكسر حتمًا في وجه طوفان جارف.