العنوان الدعوة وفئة الشباب التجّار وكبار الموظفين
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 16-ديسمبر-1980
مشاهدات 75
نشر في العدد 507
نشر في الصفحة 15
الثلاثاء 16-ديسمبر-1980
في الكويت ومنطقة الخليج والجزيرة فئة عريضة من الشباب التجّار وكبار الموظفين، هذه الفئة التي مارست التجارة وكسبت الخبرات الاستثمارية، واحتكّت بعالم الاقتصاد في المنطقة وخارجها، وحققت نجاحات طيبة في هذا المضمار، كما أن منها من تدرّج في وظيفته الحكومية وأثبت جدارته الإدارية، وتأسست بينه وبين المسؤولين علاقة من الاحترام والثقة المتبادلة، حتى أصبح من كبار الموظفين وممّن يُعتدّ برأيه ويؤخذ به. هذه الفئة من الشباب التجّار الذي نجحوا في عالم التجارة والاقتصاد والاستثمار، وتلك الفئة التي أثبتت جدارتها الإدارية وأضحت من كبار الموظفين، ما نصيبها من الدعوة؟ الذي يحتك بهذه الفئة -وبشكل يومي- يلاحظ أنّها غير بعيدة عن مناخات العبادة، كما يلاحظ أن الخير وحب الله مبثوث فيها بدليل تجاوبها مع نداءات التبرعات الإسلامية تجاوبًا طيبًا، وغشيانها للمساجد وحرصها التام والصارم على إخراج الزكاة وصومها في رمضان. أليس من مصلحة الدعوة التوجه إلى هذه الفئة أيضًا بالإضافة إلى توجهها للجمهور من الناس؟ نعم من مصلحة الدعوة أن تستحدث البرامج الدعوية للعناية التامة بهذه الفئة الفعالة في المنطقة. ولكن هل أسلوب دعوة هؤلاء هو نفس أسلوب دعوة جمهور الناس؟ لا أعتقد أن أسلوب دعوة هذه الفئة من الناس ينبغي أن يكون نفس الأسلوب المتبع لدعوة عموم الناس، وذلك ناشئ من عدة ظروف وملابسات.
أولًا: إن مشاغل هذه الفئة كثيرة وبشكل يومي تستوعب كل الوقت المتاح لها.
ثانيًا: إن طبيعة المعالجات للقضايا الإسلامية التي تطرح في الندوات العامة والمحاضرات العامة، لا تشبع الاهتمامات التفصيلية الدقيقة التي تتوهج في نفوس هذه الفئة من الناس.
ثالثًا: إن المواضيع المطروحة للمعالجة وعناوينها في الندوات العامة والمحاضرات العامة، ليست هي المواضيع التي تحظى باهتمام هذه الفئة، فثمة مواضيع أخرى ذات طبيعة دقيقة أخرى، هي التي تستحوذ على اهتمام هذه الفئة.
إذا كان الأمر كذلك فينبغي على الدعوة أن تذهب إلى هذه الفئة حيثما تكون، ولا بأس في ذلك على الإطلاق، ولقد كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يذهب إلى صناديد ومشركي قريش، فيعرض نفسه عليهم ويدعوهم لدين الله، فكيف بهذه الفئة التي هي لا شك من إخواننا في الدين، ومن أهلنا وأبناء وطننا الواحد، ويجب أن تعقد لهذه الفئة المحاضرات والندوات، والتي تطرح فيها المواضيع الدقيقة التي تستحوذ على اهتمامها، كما أن أسلوب الطرح ينبغي أن يتواءم مع مقدراتها الذهنية ومستواها التعليمي، وأن تكون هذه الفئة على قدر العقول.
وإشراك هذه الفئة بالذات بالتحدث والإدلاء بالرأي أمام الجمهور المسلم، من أنجع الوسائل لتأسيس الصلة بها وتعزيز تلك الصلة. مهم جدًا أن يكون لهذه الفئة الطيبة من الشباب التجار وكبار الموظفين، دور في ترشيد برامج الدعوة في هذا البلد وفي الخليج والجزيرة.
ومهم جدًا استمالة وكسب هذه الفئة إلى جانب الدعوة إلى الله، وذلك يتطلّب استحداث برامج خاصّة بها -شكلًا ومضمونًا-، والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وهؤلاء أقوياء بعلمهم وخبرتهم وأموالهم والانتشار الاجتماعي الذي يتمتعون به، فعليكم بهم ففيهم الخير الكثير.
غرس العقيدة الإسلامية خير وسيلة لمكافحة انتشار الخمور
تطالعنا الصحف بين الفينة والأخرى بأخبار السكارى ومروّجي الخمر ومداهمة «المصانع» المحلية للخمر، ومن يتابع أخبار المدمنين المودعين في المستشفيات المحلية، يحمد الله ويتمنى لهم الشفاء والعافية والعودة إلى الحياة الطبيعية النظيفة الظاهرة. ونحن مع تقديرنا الكبير لجهود رجال الأمن في القبض على مروّجي الخمر ومستهلكيه، نجد لزامًا علينا هنا أن نبيّن أن الطريقة الناجعة في مكافحة انتشار الخمور في بلدنا الكويت، تكمن في تعضيد برامج التوعية الإسلامية الراشدة العلمية والعصرية، والاستفادة من المساجد في هذا الصدد.
إن المنع القانوني للخمر لن يحول دون انتشارها، هذا ما تقوله التجربة البشرية في الولايات المتحدة مثلًا. لقد أصرت الولايات المتحدة على تحريم الخمر سنة ۱۹۱۹م، وأصرّت على التحريم لمدة أربعة عشر عامًا كاملة، وحدث خلالها الشيء العجيب، بليون نشرة تشرح أضرار الخمر، «٤٠٤» مليون دولار مبالغ الخمور المصادرة، «١٦» مليون دولار غرامات، سجن ٥٣٢٣٣٥ شخص بتهمة تعاطي الخمر، إعدامات رميًا بالرصاص «300» شخص.
ومع كل هذا زاد عدد مصانع الخمر إلى عشرة أضعاف، ولكن بشكل سري!! وأصبحت تجارة الخمور المحظورة تجارة مربحة، سخرت الأساطيل والإمكانيات والقوى لصد الشعب الأميركي عن هذه العين الآسنة، ولكنه لم يرتدع لأن التكاليف-ومنها الامتناع عن الخمر، لا تبنى إلا على أساس الإيمان، وهكذا فعل الإسلام، بني العقيدة ورسّخها ثم جاء بالتكاليف، فحرمت الخمر ونجحت التجربة بآيات قليلات.
لقد حرّم الإسلام الخمر بالتدريج، لأن الناس كانوا مغرمين بحبها فلو حُرّمت في أول الإسلام، لكان تحريمها صارفًا لكثير من شاربيها عن الإسلام، ومن ثم جاء تحريمها أولًا في سورة البقرة على وجه فيه مجال للاجتهاد، فيتركها من لم تتمكن فتنتها من نفسه، ثم ذكرها في سورة النساء بما يقتضي تحريمها في الأوقات القريبة من وقت الصلاة، إذ نهى عن القرب من الصلاة في حالة السكر، فلم يبق لمن يصر على شربها إلا «الاغتباق» بعد صلاة العشاء، والصبوح من بعد صلاة الفجر لمن لا عمل له، ثم تركهم الله على هذه الحال زمنًا قوي فيه الدين، وكثرت الوقائع التي ظهر لهم بها إثمها وضررها، فحرمها تحريمًا لا هوادة فيه. وعندما نزلت الآية: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ ﴾ (المائدة: ٩١)، ما كان من عمر بن الخطاب وصحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعموم المسلمين في المدينة المنورة، إلا أن قالوا: انتهينا، انتهينا.
الإسلام وتحديد أسعار البضائع
بقلم الدكتور: عبد الله النفيسي
التسعير هو أن تتدخل الدولة في فرض الأسعار وفي تحديد مقدار الربح، ونحن في الكويت بأمسّ الحاجة لهذا التحديد. والأصل في المعاملات في التشريع الإسلامي أن تكون حرّة، أي لا يجوز للدولة أن تتدخل في إرادة المتعاقدين، وهذا هو رأي الجمهور، إلا أننا نلاحظ أن المصلحة العامة للمسلمين أحيانًا تقتضي التسعير، لأن التجار كثيرًا ما يتلاعبون بالأسعار فيحتكرون السلع الموجودة في الأسواق، ثم يفرضون سعرًا لا يبيعون بأقل منه، وعندئذ يضطر الناس إلى الشراء، وهذا لا شك احتكار واستقلال، وإن قواعد الشريعة وأحكامها العامة تبيح للدولة في مثل هذه الحالة، أن تتدخل لتمنع هذا الاستغلال، ولتحمي مصالح الجماعة الإسلامية أمام استغلال تلك الطبقة من التجار، من أجل هذا ذهب مالك -رحمه الله- إلى جواز التسعير لدفع الضرر عن الناس. يقول ابن القيم في كتابه: الطرق الحُكمية: «وعلى صاحب السوق الموكل بمصلحته أن يعرف ما يشترون به، فيجعل لهم من الربح ما يشبه، وينهاهم أن يزيدوا على ذلك، ويتفقّد السوق أبدًا، فيمنعهم من الزيادة على الربح الذي جعل لهم، فمن خالف أمره عاقبه وأخرجه من السوق، وهذا قول مالك في رواية أشهب، وإليه ذهب ابن حبيب، وقال به ابن المُسيّب»، ويقول د. محمد فاروق النبهان في كتابه القيّم «الاتجاه الجماعي في التشريع الاقتصادي الإسلامي»: «ومما لا شك فيه أن التسعير واجب إذا اقتضته مصلحة الجماعة، لأن التسعير المنهي عنه هو تدخّل الدولة حيث لا حاجة لتدخلها، أي عندما يبيع التجار بضائعهم بثمن المثل، وعندئذ يعتبر تدخل الدولة لا فائدة منه، أما إذا كان التجار جشعين ومستغلين، وهددوا بهذا الجشع مصلحة الأمة، فعندئذ يختلف الحكم، وهذا ما عبّر عنه ابن القيم بقوله: التسعير منه ما هو ظلم محرّم، ومنه ما هو عدل جائز، فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على بيع بثمن لا يرضونه، أو منعهم مما أباح الله لهم فهو حرام، وإذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعارضة بثمن المثل، ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ الزيادة على عوض المثل، فهو جائز بل واجب» الطرق الحكمية ص ٢٩٩، كذلك انظر الحسبة في الإسلام لابن تيمية ص ١٤. ويقول ابن القيم أيضًا: «ومن أقبح الظلم.. أن يلزم الناس إلا ببيع الطعام أو غيره من الأصناف إلا ناس معروفون، فلا تباع تلك السلع إلا لهم، ثم يبيعونها هم بما يريدون، فلو باع غيرهم ذلك منع وعوقب، فهذا من البغي في الأرض والفساد والظلم، يُحبس به قطر السماء وهؤلاء يجب التسعير عليهم ألا يبيعون إلا بقيمة المثل، ولا يشتروا إلا بقيمة المثل بلا تردد في ذلك عند أحد العلماء، فالتسعير في مثل هذا واجب بلا نزاع، وحقيقته إلزامهم بالعدل ومنعهم من الظلم» انظر الطرق الحكمية لابن القيم ص ۲۸٦، كذلك انظر الحسبة في الإسلام لابن تيمية ص ١٥٩. ويضيف د. النبهان: «وهكذا يتبين لنا أنه يجوز للدولة الإسلامية، بل يجب عليها أن تتدخل في الشئون الاقتصادية فتمنع الاحتكار، وتبيع الأموال المحتكرة بثمن المثل رغمًا عن أصحابها، وتقوم بتحديد الأسعار إذا أساء التجار في معاملاتهم للناس، دفعًا للأضرار التي تلحق المجتمع من جراء ترك الأسعار مطلقة دون تحديد، لأن مصلحة الجماعة مقدمة على مصلحة الأفراد، وإن النصوص التي تمنع التسعير معللة بألا تؤدي حرية الأسعار إلى الإضرار بالناس، فإذا أدت تلك الحرية إلى الإضرار فعندئذ لا خلاف بين العلماء على ضرورة التسعير». ص. ٣٨٤.