; آفاق في الثورات العربية الجديدة.. رؤية نهضة مصر « أم الدنيا » تطوير أدوات الدين في المجتمع المصري للنهضة إعادة إحياء دور الأزهر الشريف (۲) | مجلة المجتمع

العنوان آفاق في الثورات العربية الجديدة.. رؤية نهضة مصر « أم الدنيا » تطوير أدوات الدين في المجتمع المصري للنهضة إعادة إحياء دور الأزهر الشريف (۲)

الكاتب ا. محمد سالم الراشد

تاريخ النشر السبت 30-يوليو-2011

مشاهدات 75

نشر في العدد 1963

نشر في الصفحة 44

السبت 30-يوليو-2011

استكمالاً لما سبق من حلقات فإننا نتابع رؤيتنا عن كيفية تأسيس الأولوية الثالثة تحرير قوة الدين لإطلاق المشروع المدني للنهضة وشرحنا في ست حلقات تصورنا حول تحرير مفهوم المرجعية الإسلامية للدستور وذلك أن تثبيت المادة الثانية في الدستور المصري كان إجماعاً إسلامياً وطنياً وتاريخياً منذ دستور ۱۹۲۳م، كما أن هذا المطلب هو شعبي وبتوافق قبطي، إضافة إلى كونه مطلباً وطنياً وحضارياً.. وسعياً منا لاستكمال هذا المحور في تحرير قوة الدين لإطلاق المشروع المدني للنهضة، سنستمر في عرض الاتجاهات المهمة في ذلك.

وقد ناقشنا في العدد الماضي الاتجاه السادس، وهو إعادة إحياء دور الأزهر الشريف، وفي هذا العدد نتابع دور الأزهر في الإصلاح ونشر الدعوة.

في الفترة التي تم فيها تأميم الأزهر الصالح النظام السياسي في مصر، فإن دور الأزهر كمؤسسة إصلاحية ودعوية وجامعة إسلامية قد تراجع، كما أدى تردي الأوضاع السياسية والإدارية والمالية للأزهر إلى تراجع مخرجات التعليم في الأزهر الشريف مما أثر على رسالته في الحياة فانخفض أداء الدعاة فيه، وتراجعت قدراتهم وإمكاناتهم، وفي هذا العدد نتناول دوراً مهماً من أدوار الأزهر الشريف ينبغي أن يتم العناية به في ضوء نهضة مصرية جديدة، وهو الدور الإصلاحي والدعوي والتبشيري.

فمن ذلك:

أولا: إصلاح مدخلات التعليم الديني

 التأسيس وتخريج مخرجات أزهرية ذات شخصية دعوية وعصرية قادرة على مواجهة متغيرات الأوضاع الحياتية والسياسية والاجتماعية والعولمية، وهذا ما يتطلب حملة إصلاح شاملة في عناصر العملية التعليمية ومصادرها في الأزهر، وتأسيس مناهج دينية جديدة والاهتمام بالتخصصات اللازمة والخادمة لحاجة المجتمع المصري وحاجة الدين فيه، وكذلك المتطلبات الدينية في المجتمعات الإسلامية.

ثانيا : إصلاح مناهج الدعوات التكفيرية ومواجهة التطرف

منذ مقتل «السادات، والشيخ الذهبي وانتشار تيارات التطرف الديني على المستوى الفكري والسلوكي والأمني، وخسارة المجتمع لأجيال من الشباب المخلصين، وإن كانوا مخطئين في أفكارهم وفهمهم للدين الإسلامي، فهؤلاء الشباب ومعهم محاضن دعوتهم أصابتها جرثومة التشدد والتطرف وأساءت إلى الدين الإسلامي فكراً وعقيدة. لقد كانت نتائج معارك التطرف الحكومي في مقابلة معارك التطرف الديني في مصر أن امتلأت سجون مصر بالآلاف من المعتقلين وقتل الشباب في المعارك المتبادلة بين الطرفين، وتكبد الاقتصاد المصري خسائر مالية، وأثر ذلك على المستوى المعيشي للشعب المصري، وحيث إن التيار المعتدل المتمثل في الأزهر الشريف قد تم تقييده ومنعه من أداء دوره فقد تكلمت لغة السلاح بدلا من لغة الحوار.

وبعد أحداث 11 سبتمبر ۲۰۰۱م؛ بدأت الهجمة الثانية العالمية على الإسلام والمسلمين بحجة مواجهة الإرهاب والمقصود الإسلام وذلك بسبب تصرف ذلك التيار المتطرف التكفيري، ودخلت أمة العرب والمسلمين في مواجهة مع تيار متطرف أيديولوجي آخر في الولايات المتحدة تقوده الإدارة الأمريكية منذ عهد «بوش الابن إلى هذا اليوم وتسببت في ملايين من القتلى وملايين من الجرحى والأسر المشردة في أفغانستان والعراق والدول العربية، كل ذلك بسبب أن الفكر المتطرف والفعل السياسي والعسكري والأمني المتطرف الآخر قد سيطر على الحالة العامة للعالم، وخصوصاً في العالم العربي. إن قيام الأزهر الشريف بدوره في تصحيح مفاهيم الجماعات الإسلامية المتطرفة والتي تظهر في أفكار الجهاد الخاطئ والتكفير المنبوذ لهو مهمة تاريخية وجهادية وحيوية للأمة، وهو أحد المهام الرئيسة، والتي يجب أن يناط بها الأزهر الشريف في حلته الجديدة في عهد نهضة مصر، وتسهيل هذه المهمة بإيجاد قنوات اتصال مباشر مع الشباب في الجامعات والمدارس والإعلام لنشر الفكر الوسطي المعتدل بما يحفظ الأمة في مسارها ويرشدها للتوجه الصحيح في التعامل مع الأحداث، وإن إنشاء منتدى الحوار للجماعات الإسلامية والأزهر قد أصبح لازما ومهمة ضرورية.

ثالثاً: تجديد الخطاب الديني

إن دور الأزهر فيما هو مقدم عليه من مسؤوليات يتضمن أن يقوم بإعادة صياغة الخطاب الديني وتجديد هذا الخطاب المعتمد على الأصول الإسلامية والمستفيد من الحياة الإنسانية المعاصرة، بما يخلق ترشيدا للعمل والاتجاه السياسي والاجتماعي والاقتصادي في مصر والتجمعات الإسلامية، ويفتح آفاق التقدم الحضاري، ويرفع من منسوب التفاعل العولمي مع الإنسانية. وقد أصبح العالم كله يحتاج اليوم إلى الإسلام فهو القيمة الحقيقية التي يفتقدها البشر بعد حروب وأزمات سياسية وعسكرية واقتصادية طاحنة. إن هذا الخطاب الديني هو بمثابة دستور عملي للاستنارة به في مسار الدولة المصرية الحديثة وعلاقاتها الخارجية، وخطاب يستفيد منه المسلمون في تواصلهم الحضاري مع الأمم والشعوب الأخرى، وتفاهم مع قوى العالم المتقدم والمتغلب بقوة التفوق العسكري والمدني.

إن وضوح الإسلام وغاياته وبساطة فكرته وحيويته وكماله وعدله وتوازنه، كل ذلك يشجعنا ويشجع الأزهر ليوفر لنا خطاباً عالمياً حضارياً ﴿وإن هَذِهِ أَمَتُكُمْ أَمَةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبَّكُمْ فَاعْبُدُونِ ﴾ (الأنبياء ۹۲).

رابعا : إصلاح الطرق الصوفية

منذ ثورة يوليو ١٩٥٢م، نظرت السلطة السياسية بمصر إلى الطرق الصوفية كقوة قادرة على مواجهة التنظيمات الإسلامية ومنذ أن تم أيضاً تأميم الصوفية عام ١٩٧٦م الصالح النظام السياسي بالقانون المنظم للطرق الصوفية رقم (۱۱۸) والذي أدخل ممثلين عن خمس وزارات منها الداخلية في المجلس الأعلى للطرق الصوفية، لذا فإن الطرق تمارس نشاطها تحت بصر السلطة ورضاها وبما توجهه إليها وخصوصاً حظر التدخل في السياسة وممارستها عند الصوفيين، وفي المقابل لا مانع من تجيير أصوات الجمهور الصوفي عن طريق رؤساء الطرق لصالح جسم السلطة السياسي.

وتشكل الطرق الصوفية وأعضاؤها بنية حيوية في المجتمع المصري بنشاطاتهم الخيرية والدعوية ولكن تسكين التصوف في مؤسسة تخدم النظام، ولا تعالج الجهل والخرافات والشطحات الفكرية والاعتقادية وتذهب بطاقة جزء كبير من الشعب إلى مسارب النشاط الذاتي غير العملي وربما المنحرف في بعض تلك الأنشطة، يهدر هذه الطاقات ويعبث بها، وربما يفجر أزمة صراع بينها وبين الجماعات الإسلامية الأخرى.

لذا، فإن دور الأزهر هو أن يقوم بإرشاد هذه الجماعات الصوفية، وأن تلتزم بالقانون بما أن لها قانوناً ينظمها بأن تستقي مناهجها وتعتمد طرقها من الأزهر الشريف وبهذا يمكن إعادة التصوف إلى مشربه الصافي، مع ضمان عدم استغلاله من أطراف داخلية في النظام السياسي. ومن جهة أخرى، فإنه بسبب بنية التصوف الدينية بدأت تيارات التشيع تنشط من خلالها بما يشكل خطورة في منهجها ومسارها، وتستغل العاطفة الجياشة من حب آل البيت لأغراض سياسية وعقائدية شيعية، لذا فإن مراقبة هذه الطرق شرعيا وتصويب أفكارها وسلوكها لمهمة عاجلة للأزهر الشريف.

ففي تقرير الإسلام الديمقراطي المدني، صنفت المراكز البحثية الاستشارية للحكومة الأمريكية الصوفية في خانة الإسلام المعتدل، ودعت الغرب والحكومات العربية والإسلامية إلى تشجيعها ورعايتها وهذا مما يحتم على النظام السياسي الجديد في مصر التعاون مع الأزهر لإعادة وظيفة الطرق الصوفية، وإصلاح شأنها بما يخدم الأمة المصرية ويسدد حركتها للخير والصفاء والنقاء.

خامسا : التعاون مع الجماعات الإسلامية الدعوية والحركية

ستظل حركة الإخوان المسلمون كبرى الجماعات الإسلامية، والتي أسسها الإمام البنا - يرحمه الله - عام ۱۹۲۸م، والجماعات السلفية، والجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة المحمدية، والتي أسسها الشيخ محمود خطاب السبكي عام ۱۹۱۲م، وهو من علماء الأزهر بالإضافة إلى جماعة أنصار السنة المحمدية التي أسسها الشيخ محمد حامد الفقي، وهو أيضاً أحد علماء الأزهر.. هذه الجماعات الثلاث هي الجماعات الرئيسة التي يقوم عليها الحراك الديني الرئيس في المجتمع.

وبالرغم من تأسيس جماعات أخرى تفرعت من هذه الجماعات بشكل مباشر أو غير مباشر؛ فإن تلك الجماعات هي مصدر الطاقة الحيوية للإسلام مع الأزهر الشريف في المجتمع المصري.

ومنذ سقوط الخلافة الإسلامية وذهاب ريح الكيان السياسي للإسلام، ظلت تلك الجماعات، وعلى رأسها الأزهر الشريف الحصن الحصين للدعوة الإسلامية، وبذلت في ذلك النفوس والأوقات والأموال.. وبالرغم من اختلاف طرق واستراتيجية وأساليب العمل بين تلك المؤسسات والجماعات الدعوية إلا أنه غالبا ما سيطرت روح التعاون بينها لذا يأتي زمان النهضة الجديدة في مصر ليفرض على الأزهر الشريف أن يكون الأخ الأكبر لهذه الجماعات، ويوحد جهودها ويؤلف فيما بينه وبينها عهداً وميثاقاً من التعاون، يقوم على التفاهم والتناصح والبذل، وتأسيس خطة عملية لإطلاقها في المجتمع المصري لاستنهاض همته بالإسلام وتعزيز روح العمل، والبذل للمجتمع المصري ومعالجة مشكلاته والمساهمة في نهضته وعمرانه وأن يزيد هذا الميثاق أواصر الأخوة والتعاون والعمل كل فيما يخصه ويحسنه ويقوم بمهمته المنوطة به إما في بحر السياسة أو بر الدعوة أو فضاء الخير. 

سادسا : الرسالة الدعوية العالمية. 

إن تخلف الأزهر الشريف عقوداً من الزمن عن أداء مهمته في إرسال الدعاة وتأسيس المعاهد الأزهرية التعليمية في أفريقيا وآسيا وأوربا والأمريكتين وبين الشعوب الإسلامية المستقلة حديثاً أو بين الأقليات المسلمة في مختلف دول العالم. هذا التأخر أدى إلى أن تقوم جهات خيرية ودعوية بمجهوداتها المتواضعة في هذا المجال، ولكن الخطر هو التغلغل التنصيري والشيعي في أفريقيا وأمريكا الجنوبية والدول الآسيوية المستقلة، وبين الأقليات وبين المسلمين في أوروبا بما ينذر بتنصير وتشييع المسلمين، وللأسف فإن التشيع الجديد تقوده إيران لمآرب سياسية من أجل إحداث انقسام داخل المجتمعات الإسلامية والأحداث التي حدثت في بعض الدول الأفريقية مؤخراً تدل على انزلاق المجتمع المسلم فيها إلى الاحتراب والتمزق. إن وجود عالم أزهري في أي بلد أفريقي الكاف لإيقاف مهمة عشرات بل مئات من المنصرين ومن دعاة التشيع، وقد أصبحت مهمة الأزهر الشريف بالغة الأهمية في عالم يستغل الدين لمصالحه، ولو على حساب تمزيق المجتمعات. لذا، فإن تنشيط البعثات الأزهرية إلى تلك الدول وإنشاء المعاهد والجامعات الأزهرية مهمة عظيمة يتقلد مسؤوليتها الأزهر الجديد في عهد نهضة مصر

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل