; أبو الأديب: المؤامرة على أمتنا بدأنا بإبعادها عن كتاب الله | مجلة المجتمع

العنوان أبو الأديب: المؤامرة على أمتنا بدأنا بإبعادها عن كتاب الله

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 13-يوليو-1982

مشاهدات 91

نشر في العدد 579

نشر في الصفحة 12

الثلاثاء 13-يوليو-1982

  • بفخر أقول: حافظنا على الراية نظيفة بيضاء.

  • العدو الذي يحتل بيروت بعد القدس يحتل دمشق بعدهما ثم الأردن.

  • ‏قد يقوم الكبار بتمثيل خارطة دولية جديدة.‎

  • أبو عمار حذر من أن الخريطة السياسية سوف تتغير.

  • المؤامرة علينا ليست دولية فقط وإنما هي عربية أيضًا.

  • ضغط الأنظمة العربية على أمريكا شكلي ومن باب المجاملات.

  • بيغن وعد ريغان أن ينهي القضية خلال أربعة أيام ولم يفعل حتى الآن.

  • الموقف السوفياتي سلبي، وما كنا نسمعه من السوفييت لم ينطبق على أرض الواقع.

  • الصمود الفلسطيني واللبناني قلب معايير العدو الغازي

في إبان الحصار الذي ضربه العدو الصهيوني حول بيروت، وفي غمرة التساؤلات الكثيرة التي تطرح عن مصير المقاومة الفلسطينية، ومستقبل المنطقة، وتحت وطأة الخيبة المرة التي استحوذت على الشعوب التي أدركت صحة ما قاله فيليب حبيب عن الإجماع الدولي والعربي على الغزو الصهيوني..

في أثناء هذا كله فتحت المجتمع باب الحوار مع الأخ أبو الأديب (سليم الزعنون) معتمد حركة فتح في الكويت والخليج.

عندما يستقبلك في مكتبه تشعر بأنك أمام صديق تعرفه، لا مسؤول تقابله لأول مرة. 

متواضع لكن مع أنفة الفدائي، وهادئ أيضًا غير أن الحوار يكشف لك خلف الهدوء عن صلابة ثائر.. شيء واحد تشعر به عندما يودعك في نهاية الزيارة:

تريد أن تسأله من جديد؛ لأنه لم يقل لك كل شيء..

فهو يعتقد أن الوقت لم يحن بعد لذلك!

  • نحاول أن نبتلع هذه المأساة؛ لأننا لا نستطيع أن نفك ارتباطنا بالأمة العربية.

المجتمع: الأخ أبو الأديب: صرح عدد من مسؤولي منظمة التحرير الفلسطينية أن هناك مؤامرة على القضية الفلسطينية وعلى المقاومة. تشترك فيها أطراف عربية ودولية. فهل توضحون «للمجتمع» تصوركم لملامح المؤامرة؟

  • عند بداية الغزو الصهيوني لم نكن نتصور أن يكون هناك سكوت عن مناصرة الشعب الفلسطيني والشعب اللبناني. ومضت الأيام السبعة الأولى، ولم يتحرك أحد. رغم أننا دعونا العرب أولًا إلى أن يتحركوا. وبقيت الاتهامات ضمنية للواقع العربي، وكنا لا نريد أن نفجع بهذه الحقيقة، إلا أن فيليب حبيب عندما خرج عن الدور الدبلوماسي في إخفاء الحقائق. وقال: إن هناك إجماعًا عربيًّا وإجماعًا دوليًّا على نزع سلاح المقاومة الفلسطينية أدركنا أن المؤامرة ليست دولية فقط، وإنما هي عربية في نفس الوقت، والموقف العربي جزء منه متآمر على القضية الفلسطينية؛ لأنه يريد أن ينتهي من هذا الصداع الدائم بالنسبة له. وجزء آخر صامت يتفرج على الأحداث. وهو لا يمكن أن ‏نعفيه من المسؤولية، ومن المؤسف أن تصريح فيليب حبيب مر؛ حتى دون أن تنفيه الأنظمة العربية مجتمعة أو منفردة. لقد اجتمع مؤتمر وزراء الخارجية العرب في تونس ورغم انه اجتماع هزيل ‏تمثل ب ‎٨‏ وزراء خارجية والباقي سفراء إلا أنهم انفضوا دون أن يصدر عنهم على الأقل بيان ينفي ‏الاتهام الذي وجههه فيليب حبيب إلى الأنظمة العربية مجتمعة. ورغم هذا الواقع المؤلم إلا أننا كفلسطينيين لا نستطيع أن نفك ارتباطنا بالأمة العربية. ونحاول أن نبتلع هذه المأساة ونحاول أيضًا في الجانب العربي أن نستنهض الهمم ونجمع الإيجابيات من كل مكان، من أجل أن نخفف عنا هذا الواقع المؤلم، الذي تدخل فيه الثورة الفلسطينية والشعب اللبناني الشهر الثاني في صراع مع هذا العدو الأمريكي الصهيوني، دون أن يتحرك أحد لنجدتنا حتى هذه اللحظة.

المجتمع: نقلت بعض الصحف منذ شهرين أو أكثر أن الأخ أبو عمار يتوقع قيام دولة فلسطينية. ويتوقع في الوقت نفسه أن يكون هناك رسم لخارطة سياسية جديدة في المنطقة. فهل هناك ربط بين الأمرين في رأيك؟

  • ‏ليس صحيحًا أن الأخ أبا عمار قال قبل شهرين: إن الدولة الفلسطينية ستقوم، الأخ أبو عمار دائمًا متفائل، ويقول: إن الدولة الفلسطينية ستقوم في أقرب فرصة ممكنة. أما ما تحدث به الأخ أبو عمار -بحكم ما يتمتع به من شفافية سياسية من ناحية، وإيمان من ناحية ثانية، ودراسة واتصالات واسعة في أنحاء العالم؛ سواء العربي أو العالمي- فهو كان يتوقع أن هناك مآسي تنتظر العالم العربي. وإن التآمر سيصل إلى درجة أن ‏العدو في هذه المنطقة؛ سواء كان أمريكيًّا أو صهيونيًّا، سيتمكن من تحقيق أشياء، وهذه الأشياء ستؤدي إلى تغيير خريطة المنطقة.

‏ولقد حاول أن يحذر في جولاته المتكررة من أن ‏الخريطة ستتغير. إن هناك تمثيلًا لخريطة جديدة دولية، والحقيقة أن ما يجري الآن هو تغيير لخريطة المنطقة، وإسقاط لكل بلاد الشام في يد العدو الصهيوني وإعادة ترتيبها؛ لأن الذي يحتل بيروت بعد القدس يحتل دمشق بعدهما. ثم يحتل الأردن. ثم إن شارون الذي لم يتوصل حتى الآن إلى هزيمة الثورة الفلسطينية يعلن أنه عندما يصبح رئيسًا للوزراء؛ فإنه سيصدر أمرًا إلى الملك حسين بأن يتنحى عن العرش خلال ‎٢٤‏ ساعة. وهذا لن يحدث إلا إذا احتل الأردن. ويبدو أن التغيير ليس جغرافيًّا، بل هو تغيير حتى في جغرافية السكان. وفي توزيع السكان، وفي توزيع الرؤساء، وفي إصدار الأوامر للرؤساء!

المجتمع: في سياق الحديث ذكرت -أخ أبو الأديب- أن هناك تمثيلًا لخريطة دولية جديدة، والحقيقة أن الموقف السوفياتي من الغزو الصهيوني للبنان يوحي بمثل ذلك، فكيف ترون الدور السوفياتي في هذه الخريطة الجديدة؟

  • نأخذ على المواقف السوفيتي أنه كان سلبيًّا، في هذه المعركة التي حصلت، أو بشكل أدق أن ما كنا نسمعه من القادة السوفييت، في مناسبات متعددة. لم ينطبق على أرض الواقع.

‏عندما حصلت هذه المعركة كنا نتوقع أن يصدر إنذار كالإنذار الذي صدر سنة ‎١٩٥٦‏ من «بولغنين» ضد كل من بريطانيا وفرنسا.

المجتمع: يظل السؤال مطروحًا: هل تعتقدون أن هناك نوعًا من التفاهم على خريطة جديدة بين القوى العظمى؟

  • إن الواقع أن أمريكا "وإسرائيل" يتحكمان الآن في المنطقة بصورة منفردة، ويرسمان خريطة المنطقة أيضًا بصورة منفردة، وتريدان أن تثبتا للعالم العربي أن الاتحاد السوفيتي لا يقدم ولا يؤخر إذا ما أراد شيئًا في المنطقة.

‏المجتمع: القضية التي تستحوذ على الاهتمام الآن هي مسالة إجلاء الفلسطينيين عن بيروت والسؤال المطروح في الأذهان: ما هي الخيارات المتاحة للفلسطينيين الآن للخروج من حصار بيروت؟

  • الحقيقة أن الصمود الفلسطيني اللبناني الذي يدخل شهره الثاني قد قلب المعايير التي على أساسها دخل العدو الصهيوني الحرب، وأحرج العالم الغربي، وأحرج أمريكا نفسها في هذه المرحلة. وبدأ هناك تحول في العالم تجاه القضية ‏الفلسطينية، تمثل في وقف إطلاق النار الذي أرغمت عليه "إسرائيل" مؤخرًا، وفي المبادر الفرنسية. وفي تأكيد الاعتراف العالمي بمنظمة التحرير الفلسطينية. وفي بعض التحول الطفيف في الولايات المتحدة من خلال الضغط الشعبي هناك.‏

وهذا الصمود جعل "الإسرائيليين" في وضع متورط؛ لأنهم وعدوا ريغان في البداية أن ينهوا القضية خلال أربعة أيام. ثم وعدوه خلال سبعة أيام. وهم إلى الآن لا يستطيعون أن يقدموا لا للعالم ولا لأهل الضحايا "الإسرائيليين" في داخل "إسرائيل" ما هي الخاتمة لهذا الغزو؟

صحيح أننا نحن في حصار. ولكن "الإسرائيليون" أيضًا في ورطة. نحن على الأقل داخل بيروت المحاصرة نعرف أننا إما أن نموت شهداء، وبذلك تعيش القضية بموتنا. وإما أن نصل إلى حل مشرف. أما ما يقال عن استسلام مشرف وما هو غير مشرف.

نحن نقبل أي حل مشرف، من أجل مصلحة الـ (600) ألف من السكان المدنيين الذين يجب أن نهتم بأمرهم. العدو الصهيوني لا يستطيع الآن أن يقول لمن خططوا له أن يغزو لبنان. لماذا قام بكل هذا الغزو؟

إذا بقي رأس الثورة الفلسطينية سالمًا. وإذا بقيت الثورة الفلسطينية موجودة في لبنان حتى على المستوى السياسي أو العسكري الرمزي. 

وكذلك يقع "الإسرائيليون" في ورطة أمام شعبهم: ماذا فعلتم؟! ولماذا ضحيتم بكل هذه الضحايا إذا لم تقتلعوا منظمة التحرير الفلسطينية من الجذور؟! لذلك تلحظون الإصرار الصهيوني تجاه كل الحلول الوسط التي تقدم من هنا أو هناك بأنهم يرفضون أن يكون هناك وجود سياسي، أو عسكري، أو نوع من أنواع الوجود في بيروت أو في لبنان لمنظمة التحرير الفلسطينية. وفي المقابل نرفض إلا أن يكون لنا وجود في لبنان؛ لأن لبنان بلد عربي، ولأن لبنان حكومته الشرعية -ممثلة في الرئيس الوزان- تقبل وجودنا. والأقلية التي تحاول أن تستغل النصر الصهيوني المزعوم ليست هي التي يؤخذ برأيها؛ لأن الأغلبية هي التي تقبل وجودنا. بل تناضل معنا من أجل زوال هذا الغزو الصهيوني.

"الإسرائيليون" يعتقدون أننا نطيل أمد المفاوضات، ونماطل من أجل أن نكسب الوقت. نحن في الحقيقة لا نماطل، ولكن نحن والحركة الوطنية اللبنانية والزعامة الإسلامية الموجودة داخل لبنان نخوض معركة سياسية قاسية في ظل حصار وتهديد مستمرين، وفي ظل قصف مستمر من الجو والبحر والبر. ولكن ندير معركتنا السياسية بكل مهارة ونقدم من الحلول الوسط ومن الصيغ ما يتناسب مع ظروف؛ حفاظًا على المدنيين الموجودين داخل بيروت.

ولكن هناك خط أحمر لا نتجاوزه لا يمكن أن نسمح لعدونا الصهيوني أن يفرض علينا هذا التجاوز، لا نقبل عملية ترحيلنا من لبنان وهو الشيء الذي تطرحه أجهزة الإعلام الأمريكية والصهيونية. بل هو الشيء الذي ترسل أمريكا من أجله السفن البحرية. هذا الأمر صدر لإضعاف روحنا المعنوية، أو لدفعنا للتنازل عن كرامتنا جميعًا في لبنان. وعن كرامة الأمة العربية في لبنان، وعن شرف القضية الفلسطينية التي وجدت لتبقى. ولذلك إذا اقتضى الأمر أن نقاتل إلى آخر رجل؛ حفاظًا على بقاء منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان وفي بيروت، فإننا سنقاتل إلى آخر قطرة من دمنا. سواء استيقظ العرب أم لم يستيقظوا؛ لأننا قررنا أن نقدم أمثولة في الجهاد وأمثولة في النضال للأجيال القادمة؛ كي تنتقل الراية نظيفة بيضاء، وتستمر في الجهاد، وتأخذ بالثأر. ونحن متيقنون أنه إذا كان هذا الجيل لا يستطيع أن يصل إلى أهدافه، فإن واجبه أن يوصل الراية للجيل القادم وألا يقطع خيط الجهاد بأي شكل من الأشكال.

المجتمع: يرى بعض المراقبين أن "إسرائيل" خدعت الكل حتى أمريكا في تطوير أهداف غزوها للبنان. المراقبون هؤلاء يعتقدون أن "إسرائيل" كانت تنوي القيام بعمل عسكري محدود تمهيدًا لفرض حالة استسلام تصاغ بمعاهدة سلام مع أطراف أخرى متمة لكامب ديفيد. ويعتقدون أيضًا بأن "إسرائيل" تجاوزت هذه الخطة عندما وجدت الظروف متاحة لها أكثر مما توقعت. فطورت أهداف الغزو، وتابعت طريقها حتى بيروت فما رأيكم في هذا؟

  • هذا التحليل صحيح بالنسبة لكل الأطراف ماعدا أمريكا. وقد يكون الصمت العربي الذي مكن "إسرائيل" من أن تصل إلى الأربعين كيلو مترًا من أسباب الهزيمة التي جعلت "إسرائيل" تعلن عن هدفها الثاني وهو القضاء على الثورة الفلسطينية. إلا أن هناك حقيقة ثلاثية متفقًا عليها بين أمريكا "وإسرائيل" والطرف الماروني في لبنان، هذه الحقيقة هي إنشاء دولة مسيحية، تحكمها الطائفة المارونية وبشير الجميل بالذات كرئيس جمهورية؛ ليخضع القوى الإسلامية وينزع سلاحها، حتى لو استعمل طريقة القتل والذبح على غرار الدولة الصهيونية. ففيها 20% من اليهود الغربيين يحكمون 80% من اليهود الشرقيين. أغلبهم من العرب الذين كانوا يعيشون في البلاد العربية. وكذلك في لبنان 20% من المارونيين سيحكمون المسلمين بطوائفهم المختلفة والمسيحيين غير الموارنة، وهذه الدولة ستكون سياجًا "لإسرائيل" في الشمال وستحقق ما قاله بيغن: «إننا نريد أن نشكل مثلثًا للسلام وفقًا لمعاهدة كامب ديفيد أطراف هذا السلام: مصر "وإسرائيل" ولبنان على البحر الأحمر المتوسط».

المجتمع: لماذا يبدي القادة الفلسطينيون ارتياحهم للتحرك الفرنسي الأخير، ويصفون الموقف الفرنسي بأنه إيجابي وجيد؟!

  • الموقف الفرنسي الأخير بالنسبة للموقف السابق الذي وقفته مع "إسرائيل" يعتبر تقدمًا من حيث المبدأ عن الموقف السابق هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى نحن في هذه المعركة نبحث عن الدعم من أي جانب جاء ونحثه ليؤيد قضيتنا.

المجتمع: الملاحظ أن فرنسا لها مصالح متميزة في لبنان، وتريد أن تلعب دورًا معنيًا ومهمًا في الأزمة اللبنانية لذلك جاء السؤال: هل هناك مبادرة فرنسية محددة يرتاح إليها الفلسطينيون مثلًا؟!

  • لا.. ليس هناك شيء، بالعكس نحن بعد قدوم ميتران تراجعت السياسة الفرنسية عن المواقف التي كان يقفها ديستان رئيس الجمهورية السابق، وكنا نريد أن يعيد السياسة الفرنسية إلى سابق عهدها، وشعرنا بكثير من الامتعاض لسياسة ميتران وتصريحاته في "إسرائيل"، ولذلك عندما لمسنا تغيرًا نوعيًا في السياسة الفرنسية تجاه الغزو الصهيوني تذكرنا موقف الجنرال ديغول بالنسبة لقضيتنا، وشجعنا هذا الاتجاه، وليس هناك أكثر.

المجتمع: لماذا لم تفعل الدول العربية على الأقل -الحد الأدنى الذي تستطيع فعله لإنقاذ الفلسطينيين واللبنانيين ودعمهم؟! 

  • والله هذا هو الذي يحيرنا كثيرًا أن هناك بعض الإجراءات التي قد تكون شكلية أو بسيطة، كان بالإمكان أن تقوم بها الأمة العربية والأنظمة العربية، مثل سحب السفراء أو سحب الودائع. وهذا أضعف الإيمان، ولكن عندما طرح عليهم هذا الأمر الحبيب «بورقيبة» إذا بالوفود تتجه إلى المطار وينفض الاجتماع. إذا أسأنا الظن، فإن فيليب حبيب هو الذي أجاب على هذا السؤال بقوله: إن هناك إجماعًا عربيًا ودوليًّا في هذه المعركة التي يقوم بها العدو الصهيوني. وإذا أحسنا الظن فمن المؤسف أن الأمور يبدو أنها رتبت خلال السنة الماضية بالشكل الذي يقف العالم العربي فيه مشدوهًا وغير قادر على أن يفعل شيئًا، أو كالشخص مسلوب الإرادة. الأمور يبدو أنها رتبت بحيث إنه لا يوجد هناك دولة عربية إلا والنزاع قائم بينها وبين دولة عربية أخرى. الحرب العراقية الإيرانية أحرقت الأخضر واليابس، وجعلت معظم الدول القادرة على التأثير في الجانب الأمريكي أسيرة للموقف الأمريكي، وإذا أضفنا إلى ذلك أن سلاح النفط أصبح سلاحًا علنيًا وليس سلاحًا لنا؛ لأن أمريكا وأوروبا اختزنتا من النفط ما يكفي لثمانية عشر شهرًا، وأصبحت بعض الدول العربية وعلى رأسها ليبيا لا تجد من يشتري نفطها. لذلك عندما تتوجه إلى دولة عربية أو أكثر أن تقوم بضغط على أمريكا، فإن هذا الضغط سيكون شكليًّا؛ لأنه كيف تضغط دولة عربية على أمريكا إذا كانت قبل أسابيع تقول لأمريكا: لا أجد غيرك حاميًا لي إذا ما حصل خطر عليَّ؟! وبالتالي ما يصدر عن الدول العربية تجاه أمريكا يدخل في باب المجاملات.

المجتمع: إذا تركنا ردود فعل الحكومات، ونظرنا إلى ردة فعل الشعوب العربية، وقارنا بين ردة الفعل الشعبية على العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 وبين ردة الفعل الشعبية على الغزو الصهيوني والتواطؤ الدولي والعربي؛ وجدنا بونًا شاسعًا بين ردة الفعل تلك وردة الفعل هذه... من المسؤول عن تخدير هذه الأمة وتبليد مشاعرها؟

  • يبدو أن عالمنا العربي لم يبتل فقط بالزعامات العربية التي قادته خلال هذه الفترة، ولكنه ابتلي أيضًا بأنه خلال 26 سنة السابقة قد أصبح عدد دوله ضعف العدد السابق. وكلما زاد عدد الدول زاد تنفيذ المخطط المرسوم؛ لتجزئة العالم العربي بعد تجزئة العالم الإسلامي، من أجل الوصول بهذه المنطقة إلى العجز الكامل، وعدم تمكينها من تطوير مواردها الطبيعية كالنفط، ولكي يستطيع هذا الكيان الغريب- الكيان الصهيوني- أن يكون كلب الحراسة للعالم الغربي قادرًا على امتصاص أو تمكين العالم الغربي من امتصاص خيرات هذه الأمة العربية.

المؤامرة -أخي الفاضل- كبيرة منذ البداية كان هناك كتاب يجمع هذه الأمة، ويدفعها إلى أن تتمسك بكامل ترابها، وتدافع عن كل أنحائها، وبدأ التآمر لإبعاد هذا الكتاب عن هذه الأمة، ثم كانت هناك خلافة إسلامية حتى ولو ضعفت في بعض الأحيان؛ كانت تستطيع أن تنهض لكي تتمسك بحقوقها، كما حصل عندما قام صلاح الدين الأيوبي بطرد الصليبيين من بلاد الشام ومن فلسطين بالذات. المؤامرة كانت على الكتاب الذي يجمع هذه الأمة، فجاءت المؤامرة الثانية بالتآمر على الخلافة العثمانية؛ لتجزئة العالم الإسلامي، وفعلًا جزئ العالم الإسلامي إلى أكثر من ثلاثين دولة لا زالت بعضها تقيم علاقات من الكيان الصهيوني. ثم جرى الوصول إلى خطوة أخرى وهي تجزئة العالم العربي من أجل الاستفراد بفلسطين، وعرضها في ظروف تؤدي إلى اغتصابها، وللأسف إن هذا منذ بداية هذا القرن 1900 حتى 1917، تم إنجاز الأول وهو تمزيق العالم الإسلامي. 

ومنذ سنة 1916 إلى يومنا هذا تم تمزيق العالم العربي؛ بحيث اغتصبت فلسطين. الشعوب العربية كانت تتفاعل بشكل جيد مع الأحداث. نتذكر التجاوب مع ثورة الجزائر. نتذكر رفض حلف بغداد، نتذكر حرب السويس قبلها. ولكن من المؤسف أن الزعامات التي وصلت إلى كراسي الحكم تحت شعارات مختلفة، كانت سنة بعد سنة تكرس السلطة في أفراد معدودين من مؤسسات عسكرية الطابع. أو من أحزاب تستأثر بالسلطة. وبالتالي غلبت الجماهير العربية والقوى العربية الفاعلة والخيرة على أمرها. إن استبداد الحكام العرب في حكم شعوبهم أدى إلى أن تصبح الشعوب غير قادرة على أن تقوم بشيء، وهذا يفسر ما قاله الأخ أبو عمار في برقية له إلى العقيد القذافي: إن مظاهرات تأييد للشعب الفلسطيني قامت في كل البلدان الأوروبية، بينما لم نسمع في الوطن العربي مظاهرة تأييد للشعب الفلسطيني، رغم مرور أكثر من شهر على جهاده، اللهم إلا إذا استثنينا من الوطن العربي إخواننا في الأرض المحتلة، وطبعًا هؤلاء ثاروا؛ لأنهم استطاعوا أن يثوروا، لأن الحاكمين عليهم ليسوا عربًا!

المجتمع: حديثك عن المؤامرة لإبعاد الأمة عن كتابها، يحملنا إلى سؤال آخر... ألا تعتقد أن المقاومة الفلسطينية قد وقعت في خطأ كبير عندما لم تستمسك بالتصور الإسلامي للصراع مع العدو الصهيوني، وأثرت أن تطرح قضيتها من خلال مفاهيم سياسية جزئية، كمسألة الحقوق الوطنية المشروعة، أو حق الشعب في تقرير مصيره.. أو غيرها من المقولات التي هي في الحقيقة جزء صغير في الرؤية الإسلامية، ويخيل إلينا أن الثورة الفلسطينية كانت ستمد بروافد هائلة من الدعم لو حافظت على الطابع الإسلامي لنضالها.

  • جيلنا في الخمسينيات هو الذي بدأ يتململ من أجل أن يشكل حركة ثورية تكون بمثابة خطة اعتراضية على ما قاله «دالس» من أن «مهمتنا في المنطقة هي وضع أعصاب العرب على أعصاب اليهود في ثلاجة إلى أن ينتهي الجيل الذي يطالب بفلسطين» فانطلاقتنا كانت عملية إنقاذ. وعندما نحاسب مجموعة من الشباب بطريقة المحاسبة التي وردت من سؤالكم، علينا أن نضع أنفسنا في مكانها. ونقدر الظروف التي كانت موجودة عند انطلاق هذه الفئة. وعلى ضوء ذلك نستطيع أن نقرر ما إذا كانت هي أخطأت أو أصابت. لو كنا نحن في وسط دول إسلامية. وضربنا على هذه المفاهيم بطرح مفاهيم أخرى، لكان يمكن أن يوجه إلينا هذا العتاب. ولكننا نحن كنا في دوامة دول عربية. ترفع شعارات قومية، وضمن أنظمة وصلت إلى الحكم عن طريق انقلابات عسكرية. رافعة شعار تحرير فلسطين، وأمام هذه المفاهيم القومية التي تتناقض بشكل عام مع المفاهيم الإسلامية في المنطقة؛ لم نشأ -كعدد قليل- أن ننهج نهجًا مختلفًا عن كل ما هو مطروح في المنطقة -لكي نجنب أنفسنا هذا الصراع الدامي حول الشعارات المطروحة. فمثلًا كان مطروحًا أن الوحدة هي طريق العودة إلى فلسطين. والوحدة العربية لو كنا نعتقد أنها تتحقق من مدى منظور؛ لمشينا مع الأنظمة العربية أو مع الأحزاب العربية، ولكننا شعرنا أن هذا الشعار سيبقينا إلى أكثر من مائة سنة دون أن يتحقق. فرفعنا شعارًا يقول العودة هي طريق الوحدة؛ أي أن علينا أن نرفع شعار الجهاد من أجل فلسطين. وإذا ما أمن به جميع العرب وجاءوا من دولهم كافة يحملون هذه العقيدة إلى المسجد الأقصى في عملية تحرير تسيل فيها الدماء العربية من كل الجنسيات. فإن هذا هو الذي يوحد العرب. وهناك طرح آخر كنا نهتم به كثيرًا، وهو أن "إسرائيل" تريد أن تجعل القضية قضية حدود بينها وبين الدول العربية، وبالتالي فهي تعمل على مر الأيام إلى توقيع معاهدات الصلح مع الدول العربية كل على حدة. وكانت القضية قضية حدود، فأعدناها قضية وجود أي أن هناك (3,5) مليون "إسرائيلي" و (3,5) مليون فلسطيني، وهؤلاء "الإسرائيليون" جاءوا من خارج الأرض. وهكذا ترى أننا خرجنا بمفهومين يختلفان عن المفاهيم القومية المطروحة من أجل أن نعيد إلى قضيتنا إلى الوجود ونجعل منها قضية حية.

بالنسبة لمفاهيمنا بمنظمة التحرير الفلسطينية نحن نقول ليست الدائرة العربية وحدها المعنية بتحرير فلسطين فقط؛ بل يجب أن يكون معها دائرة إسلامية ودائرة تشمل العالم.

نحن ندعو باستمرار إلى أن يأتينا الدعم من العالم الإسلامي، وأبو عمار له أكثر من 6 أيام يدعو لعقد مؤتمر إسلامي، أو مؤتمر لوزراء الخارجية، ولم يتجاوب إلى الآن سوى 10 دول. 

المجتمع: ما هي الخيارات الممكنة للخروج من حصار بيروت؟!

  • لو كانت "إسرائيل" قادرة على حسم الأمور؛ فهي بحاجة كما جاء في بعض التقارير -إلى أضعاف العدد، ويجب على أن تضحي بكثير من رجالها، وبدون استعمال الدبابات وهي القرى المحصنة التي يستعملونا. وأما الإصرار "الإسرائيلي" بأن الرجوع عن بيروت دون اقتلاع منظمة التحرير الفلسطينية هو بمثابة هزيمة لحكومة بيغن، ومن وسط هذه الظروف تقوم المفاوضات من أجل إيجاد مخرج. ونحن كفلسطينيين لو كنا وحدنا في لبنان لفضلنا أن نخوض معركة ضد العدو "الإسرائيلي"، حتى لو قضي علينا جميعًا؛ لأننا قبل أن يقضي علينا لابد لنا من أن نقضي على عدد هائل من العدو، ولكن وجود عدد من المدنيين يقدر بـ 600 ألف في بيروت يجعلنا نأخذ كثيرًا من الحذر... ولذلك من الاقتراحات التي طرحت علينا أن تأتي إلينا قوات متعددة الجنسيات من فرنسا -من أمريكا- لفض الاشتباكات والفصل في المنطقة التي ستصبح فارغة إذا ما تنفذ أمران: الأمر الأول: الانسحاب "الإسرائيلي"، والأمر الثاني: انسحاب الفلسطينيين إلى المخيمات. وهذا الفراغ تشغله قوات دولية قد تكون فرنسية أو أمريكية، وتريد "إسرائيل" أن تأتي هذه القوات لتحقق جلاء الفلسطينيين نهائيًّا. بينما يريد الجانب الآخر الفلسطيني واللبناني أن تفصل بين القوات "الإسرائيلية" المنسحبة والقوات الفلسطينية المنسحبة إلى المخيمات. وبعد ذلك يتم تسوية باقي الأمور بين الفلسطينيين واللبنانيين. أما العدو الصهيوني فيجب عليه أن يغادر الأراضي اللبنانية مباشرة، وألا يتدخل بين الشعبين الفلسطيني واللبناني، وأن العرب قادرون على أن يحلوا هذه المشاكل عن طريق عقد مؤتمر قمة، لذلك نحن نقول: إنه في حالة قدوم أي قوات دولية سواء كانت قوات فرنسية أو أمريكية، إذا كانت بهدف تأمين القوات "الإسرائيلية" في لبنان، فهذا أمر مرفوض، ونعتبره تكميلًا للغزو. وإذا كانت هذه القوات قادمة لفض الاشتباك؛ فإننا نرحب بها.

المجتمع: كيف ترون مستقبل المقاومة الفلسطينية من خلال الخيارات المتاحة المحدودة لها وضمن ظروف خيبة الأمل الكبيرة التي منيت بها نتيجة موقف الأنظمة العربية ومواقف الأصدقاء؟!

  • بالدرجة الأولى اهتمامنا الأول كيف نخرج من هذه الأزمة بأقل قدر من الخسائر، ودون أن نعرض استمرارية الثورة للانقطاع، كما يريد العدو الصهيوني، ولكن أيًّا كانت النتائج التي سنخرج منها في بيروت، فمما لا شك فيه هناك مسلمات أصبحت يقينية: إن الثورة الفلسطينية عقيدة. وفكرة ثابتة مستقرة في ذهن كل شبل فلسطيني، وكل طالب فلسطيني، وكل مقاتل فلسطيني، وهؤلاء جميعًا موجودون من خلال برنامج الثورة خلال ثمانية عشر عامًا ماضية في كل جزء من أنحاء المعمورة؛ حيث يوجد تجمع فلسطيني، والثور الفلسطينية سوف تعيد تنظيم نفسها من أجل الوصول إلى أهدافها؛ لأنه لابد من رسم سياسة جديدة على ضوء المتغيرات، وسيكون هناك تخطيط دقيق، وسيكون هناك دراسة متأنية في مجال التحالفات ومن مجال التجارب السابقة؛ لأن الخارطة الحقيقية أو العملية اختلفت كثيرًا عن الخارطة النظرية التي كانت في ذهن الثورة حول الأصدقاء والأعداء، وأعتقد أن النخبة الفلسطينية التي ستقود المسيرة ستأخذ بأساليب العمل السري أكثر من أساليب العمل العلني. وستضع أسسًا جديدة متجددة لاستمرار النضال؛ لأن هذا النضال لا يمكن أن ينتهي بأي شكل من الأشكال.

المجتمع: الأخ أبو الأديب ما دمت قد ذكرت المستقبل وأشبال المستقبل الفلسطيني، فهل توجه كلمة في نهاية هذا اللقاء للأشبال الفلسطينيين الذين يقفون على الدرب في انتظار المرحلة الجديدة.

  • أقول بفخر: إن الراية التي حافظنا عليها نظيفة بيضاء خلال الثمانية عشر عامًا السابقة لا زالت راية بيضاء وطنية، ستنتقل إلى الجيل القادم ليحمل المسؤولية، وليستمر في مسيرة الجهاد، وليكمل ما بدأه الآباء بعقيدة: أن هذه المعركة طويلة الأمد؛ لأن الخصوم فيها أعتى الخصوم. وعليهم أن يؤمنوا بأنهم لا يعملون لأنفسهم، فكما عمل الآباء من أجل أن يعيش أبناؤهم مرفوعي الرؤوس من أجل عودة فلسطين للعالم العربي والعالم الإسلامي، وقد طهرت من دنس الصهيونية والإمبريالية الأمريكية.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 500

92

الثلاثاء 07-أكتوبر-1980

دعوة للأنظمة العربية

نشر في العدد 1600

155

السبت 08-مايو-2004

ماذا بعدما ترجل البطل؟