العنوان ميلاد الرسول ﷺ.. وإخوانه الأنبياء(2)- أبو العرب.. إسماعيل عليه السلام
الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 29-مارس-2008
مشاهدات 59
نشر في العدد 1795
نشر في الصفحة 54
السبت 29-مارس-2008
إن قصته تنطق بالقدرة الإلهية العظيمة التي لا يقف أمامها شيء، ولا يعترض طريقها عقبة مهما بلغت ذلك لأن ميلاده كان في ذاته معجزة ونعمة وفضلًا، فقد ولد هذا الغلام الزكي مرتين مرة وقد بلغ أبوه الخليل عليه السلام من العمر ستا وثمانين سنة، ولد بعد أن ظل الخليل ببلاد بيت المقدس عشرين سنة بلا ولد.
وها هو يسأل الله تعالى الذرية الصالحة ولا ييأس من روح الله الذي لا يعجزه شيء. ويستجيب سبحانه له وهو القريب لمن دعاه القائل: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ ﴾ (البقرة: ١٨٦) وإذا بالبشارة العظيمة التي تمناها إبراهيم عليه السلام منذ زمن بعيد تحط رحالها في بيته، بعد أن طرق أبواب السماء بالدعاء الخالص قائلًا: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾(الصافات: 100) ويأتيه الجواب من رب العالمين: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ (الصافات: 101) ليكون إسماعيل الولد البكر لإبراهيم، ويصير بذلك أكبر أبنائه أما الميلاد الثاني فحين نجاه الله من الذبح وحال بين السكِّين وبين حلقه أن تقطعه، وفداه القادر الرحيم يذبح عظيم، فكان حياة ومولدًا جديدًا للذبيح، وجائزة لأبيه الخليل إبراهيم.
البشارة.. والميلاد
ولد إسماعيل عليه السلام في أرض بيت المقدس في مدينة الخليل، أمه السيدة هاجر التي قدمت من مصر مع السيدة المؤمنة «سارة» زوجة سيدنا إبراهيم بعد أن أعطاها لها ملك مصره، وأمه هاجر هذه هي الصبور الشاكرة لله المؤمنة به المتوكلة عليه الآخذة مع التوكل بأسباب العيش، كما تعلم من قصتها معه، وهو رضيع وسعيها الطلب السقيا بين الصفا والمروة، وقد وهبتها سارة لإبراهيم لتكون سرية له عسى أن تقر أعينهما منها بالولد الذي حرما منه معًا، ولا عجب في ذلك فإن سارة أول امرأة آمنت به وقد كانت عقيمًا لا تلد، لكنها كانت تحمل بين جوانحها قلبًا مُحبًّا لزوجها إبراهيم. وكذلك لجاريتها هاجر، فكان لها ما أرادت وصار الحلم حقيقة، وإذا بالبشارة تطرق مسامعهما وتغمر بالفرحة قلبيهما فيزدادا من الله صلة وقربا وله شكرا وحبًّا، قال تعالى ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ (الصافات: 101).وكان فيما بعد البشارة ميلاد ذلك الغلام الذي سيصير أبا للعرب جميعًا. ويكون من ذريته سيد الخلق وخاتم الرسل محمد.. إنه إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، قال القرطبي في تفسيره: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ أي إنه يكون حليما في كبره فكانه بشر بيضاء ذلك الولد: لأن الصغير لا يوصف بذلك فَكَانَتْ الْبُشْرَى عَلَى السنة الملائكة، وقال ابن كثير: وهذا الغلام هو إسماعيل عليه السلام: فإنه أول ولد بشر به إبراهيم عليه السلام وهو أكبر من إسحاق باتفاق المسلمين وأهل الكتاب، بل في نص كتابهم أن إسماعيل عليه السلام ولد ولإبراهيم عليه السلام ست وثمانون سنة وولد إسحاق وعمر إبراهيم عليه الصلاة والسلام تسمع وتسعون سنة، وعندهم أن الله تبارك وتعالى أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده وفي نسخة أخرى بكره فأقحموا ههنا كذبًا وبهتانًا إسحاق ولا يجوز هذا لأنه مخالف لنص كتابهم وإنما أقحموا إسحاق لأنه أبوهم وإسماعيل أبو العرب.
إسماعيل، أبو العرب
إنه أبو العرب جميعًا كما ذكر الرسول: كل العرب من ولد إسماعيل بن إبراهيم (الجامع الصغير)، وهو أول من تكلم باللغة العربية الفصحى ففي الحديث ألهم إسماعيل هذا اللسان العربي إلهامًا(الحاكم). وقد تعلمها من العرب العارية الذين نزلوا عندهم بمكة من جرهم. والعمالقة وأهل اليمن فنطق بها واضحة مبينة، وروي في ذلك أن رسول الله ﷺ قال: أول من فتق لسانه بالعربية المبينة إسماعيل، وهو ابن أربع عشرة سنة (الجامع الصغير).
وذكر علماء النسب وأيام الناس أنه أول من ركب الخيل، وكانت قبل ذلك وحوشًا فأنسها وركبها (قصص الأنبياء)
دروس وعبر
إن قصة سيدنا إسماعيل عليه السلام لا يكفي أن تسرد في بضع كلمات على وريقات صغيرة، فهو أعظم من ذلك.. لكن فقط لنا وقفة معه ومع سيرته نأخذ منها العبرة ونعيها، كما قال تعالى ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ ﴾ (يوسف: ۱۱۱).
ومن هذه الدروس
-الإيمان بقدرته التي لا يعجزها شيء وأهمية الدعاء، والإكثار منه في السراء والضراء.
-حب الولد قطرة جبل الإنسان عليها لا يختلف فيها أحد مهما كانت مكانته ومنزلته، وجواز ثمني الولد الصالح والأخذ بأسباب ذلك بالطرق المشروعة.
-حب الزوجة لزوجها وإيثاره على نفسها، وحب الخير لكل الناس كما كان من سارة، وعون الزوج على طاعة أوامر الله كما كان من هاجر مع إبراهيم.
-الصبر على فراق الأحباب إذا كان في طاعة الله أو ابتلاء وقدرًا، وكذلك الصبرعند وقوع البلاء والمحن.
-حسن التوكل على الله والثقة في وعده وعدم الركون على الأسباب وحدها، فالله هو خالقها ومسخرها لنا.
-بيان منزلة خلق الحلم الذي وصف الله به إسماعيل عليه السلام وامتدحه به وكذا صدق الوعد والوفاء به مع الله ومع النفس ومع خلقه وعباده.
-أمر الأهل بالصلاة والزكاة وسائر أعمال البر والصبر على ذلك، وبر الوالدين والتعاون معهما على طاعة الله وعمل الخير.
-الإخلاص لله تعالى في العمل وعدم الاغترار به وطلب قبوله والخوف من رده.
-أهمية اللغة العربية لغة أبينا إسماعيل ونبينا محمد ﷺ وبها نزل القرآن الكريم وهذا يكفي لحبها وتعلمها وتعليمها والتحدث بها.
عدم نبذ ما كان عليه الآباء بالكلية بل يؤخذ منها ما يصلح وينفع في المكان والزمان لتتواصل الأجيال. اتخاذ القدوة الحسنة من أنبياء الله ورسله والتخلق بأخلاقهم..