العنوان أبي كما عرفته- وزن الأمور والرجال بميزان الشرع
الكاتب شيخة عبدالله المطوع
تاريخ النشر السبت 03-مارس-2007
مشاهدات 57
نشر في العدد 1741
نشر في الصفحة 43
السبت 03-مارس-2007
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت- تصف رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم منتصرًا من مظلمة ظُلمها قط، ما لم يُنتهك من محارم الله شيء، فإذا انتُهك من محارم الله شيء كان من أشدهم في ذلك غضبًا، وما خُير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه».
كلما قرأت هذا الحديث ازداد إعجابي بشخص رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ، وكيف أنه جعل رضا الله وغضبه ميزانًا يزن به سائر أموره، ونهجًا ينتهجه طوال حياته، فكان لا يغضب إلا لله، ولا يرضى إلا لما يرضاه، ولا يعادي إلا لله، ولا يحب إلا في الله، ولا يبغض إلا في الله، ولا يقاتل إلا في سبيل الله، ولا يتم جميع أموره إلا بأوامر الله وتوجيهه، عز شأنه وتبارك اسمه.
وكان والدي -يرحمه الله- يقتبس من نور النبوة، ويهتدي بهدي من كان سراج الأمة وهدى ورحمة للعالمين، كان يحكّم شرع الله في كل صغيرة وكبيرة، وفي كل خاطر ألمَّ به أو طارئ طرأ له، حتى أحداثه اليومية والمتكررة كان يعرضها على شرع الله، فإن كانت مما يرضيه -سبحانه- سارع إلى ذلك الأمر وبادر، وإن كانت مما يغضبه سبحانه، انتهى عن ذلك الأمر وأحجم، وفي كل أمر نسأله أو طلب نطلبه كان يسألنا: «حلال أم حرام»؟ «جائز أم غير جائز»؟ وكأنه يعلمنا أن نضع رضا الله وغضبه نصب أعيننا، وأن ندرك أن ذلك هو أسمى أهدافنا وغاية مطلبنا.
ولا أزال أذكر أننا إذا أردنا موافقة والدي -يرحمه الله- على أمر ما، كنا نبحث عن كل ما يتصل بموضوعنا من آيات قرآنية وسيرة نبوية مؤيدة لما جئنا به، ونضعها كالمقدمات والمداخل التي نكسب بها ود أبينا بعد رضا خالقنا، ونفوز -بعد ذلك- بمطلبنا.
خذ لذلك مثلًا: أردت ذات يوم أن أذهب مع أخواتي في الله، في رحلة نرفه بها عن أنفسنا، وكنت أعرف رأي والدي المسبق في هذه الأمور، وأنه لا يستحسن أن ترافق ابنته زميلاتها في الذهاب وفي الإياب، حرصًا وخوفًا عليها، فما كان مني إلا أن جمعت الأحاديث والآثار المتعلقة بموضوعي، مثل: «روحوا عن القلوب ساعة بعد ساعة، فإن القلوب إذا كلّت عميت»، وما شابه ذلك من ضرب الأمثلة، والابتداء والانتهاء بآيات قرآنية، مع الدعاء لله -تعالى- بالتوفيق في ذلك، وكان لي ما أردت وسارع أبي بالموافقة، بعد أن رأى أن هذا الأمر لا مخالفة شرعية فيه.
وكان -يرحمه الله- ينتقدني في بعض الأمور، ويضيف تعليقاته في أمور أخرى لا تعجبه، فإذا بينت له أن هذا الأمر جائز، وذكرت له رأي الشرع فيه استدرك بسرعة قائلًا: «إذا كان هذا رأي الشرع فلا يمكن لي أن أضيف شيئًا، ليس بعد كلام الله ورسوله كلام».
وعلى العكس من ذلك إذا رأى أن أحدًا انتهك محرمات الله، أو أساء إلى دين الله، أو تعدى على شرع الله، رأيته يغضب غضبًا شديدًا «وكأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم»، ولا تأخذه في الله لومة لائم في النصح والتوجيه والإنكار بكل ما يستطيع من وسائل، والكل يشهد له بذلك، وبتصريحاته وتوجيهاته الصادقة والصريحة.
وكان ذلك أيضًا ميزان حبه للأشخاص، فمن كان مطيعًا لله ورسوله، ترى والدي يفرط في حبه وتكريمه، ومن كان على عكس ذلك، كان -يرحمه الله- يمقته ويبغضه، وينفر حتى من ذكر اسمه.
وكما أخبر رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم عن ربه -عز وجل- أنه «إذا أحب عبدًا كان سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها»، فما ذلك إلا لأنه جعل رضا الله هو رضاه، وغضبه هو غضبه، فبات يرى بنور الله، ويسمع بسمع الله تعالى.
جعلنا الله وإياكم ممن يسير على نهج الصالحين المتقين المحسنين الذين يرددون قول الله -تعالى-: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (سورة آل عمران: ٨).