العنوان أثيوبيا_ معركة الانقلابات المؤجلة
الكاتب عبيد الأمين
تاريخ النشر الثلاثاء 06-يونيو-1989
مشاهدات 93
نشر في العدد 919
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 06-يونيو-1989
منغستو أغرق الجيش في وحل الانقسامات والنزاعات الإقليمية، مما جعل الولاء الوطني في درجة أدنى من الولاء للعقيدة الماركسية التي لا يعرفها الجنود.
شهدت العاصمة الأثيوبية أديس أبابا في
منتصف الشهر الفائت أحداثًا عاصفة كادت أن تودي بنظام هيلامريام إلى ذمة التاريخ،
وفيما يبدو أن قيادة الحركة الانقلابية كانوا على ثقة تامة بأن نظام منغستو قد فقد
مبررات وجوده كما فقد إيمان المدافعين عنه ولهذا اعتمدت قيادة الحركة الانقلابية
على إحداث قناعة لدى وزير الدفاع هيلا جيورجيس هايتا مريام النخلي عن حمايته
للنظام وعندما رفض الوزير كان مصيره القتل ولعل فكرة انتزاع السلطة بواسطة «حماة
النظام» لا تبدو مستغربة لدى قيادة الحركة الانقلابية فهي فضلًا من إنها الأسلوب
المستخدم بواسطة منغستو لبسط سلطاته ضد القيادات السابقة كما أنها تعد خطوة
تتويجية للجهود التي أحكمت الحركة حلقاتها حتى يصفى النظام، وأنصاره بدقة وسرعة
متناهية لا سيما وإن الحركة تتخوف من آثار التنازع حول السلطة في وقت تشهد فيه
الأقاليم الشمالية والشمالية الوسطى والشرقية والجنوبية حركات انفصالية أو حروب
إقليمية ولذا فمن الأفضل أن تدار معركة التغيير وسط إجماع عسكري وإن لم يكن في
مستوى القواعد فلا أقل أن يكون في القيادة العسكرية العليا.
غير أن المفاجأة التي لم يتوقعها قادة
الحركة الانقلابية أن وزير الدفاع لم يكن هو الوحيد الرافض لمنطق التغيير وإنما
هناك جهرة لا يستهان بها دخلت في مقاومة دامية ضد ذلك المنطق وقتلت على إثرها رئيس
الأركان الجنرال مريد نيقوسي وقائد سلاح الطيران الجنرال أمها دستا واعتقلت عددًا
من قيادة الحركة من بينهم وزير الصناعة والقائد السابق لسلاح الطيران الجنرال
فانتاي بيلامي وبذلك انشطرت خطة التغيير وفقد عنصر نجاحها القائم على المبادأة
وسرعة الانقضاض وعند عودة هيلامريام الذي قطع زيارته لألمانيا الشرقية وجد أن جيوب
الانقلاب تركزت في أسمرا عاصمة أرتيريا ولم تعد طلعات الطيران العسكري ذات جدوى
بعد افتقادها للقيادة إن أخبار أديس أبابا تؤكد بإن منغستو هيلامريام قد أعاد بسط
نفوذه على أثيوبيا لكنها في الوقت نفسه تشكك في استمرار هذا النفوذ في المستقبل
القريب وفشل المحاولة لن يشكل نقطة إيجابية لطرف واحد بقدر فتحة لمداخل احتجاجية
شعبية وعسكرية تؤكد عدالة دعوى التغيير بل وحتميتها.
تشوهات هيكلية:
لقد ورث نظام منغستو أوضاع
الامبراطورية الحبشية «الشائخة» فأثيوبيا التي أضفى عليها هيلامريا لقب «الجمهورية
الاشتراكية» لم تنزع حلة الامبراطورية عنها ولا نزوعها العرقي الطائفي فهي ما زالت
دولة تخضع لحكم أقلية عرقية- قبيلة الأمهرا- تستحوذ على 85% من الثروة والسلطة
والقيادة العسكرية ولا تشكل وسط القوميات الأخرى أكثر من 20% ونظام هيلامريام ذو
اللافتات الشعبية الاشتراكية يؤكد أحقية الأمهرا في القيادة والأدهى من ذلك أن
منغستو هيلامريام ونظامه يقتفي إثر أسلافه الأباطرة في عدم الاعتراف بحقوق
القوميات الأخرى فهو يحارب من أجل سيادة اللغة الأمهرية والثقافة الأمهرية التي
جعلت من امبراطورها السابق هيلاسي لاسي «أسد يهوذا» وهنا نشبت مشكلة الثقافات
والعقائد والقوميات، فالمسلمون يشكلون في امبراطورية الحبشة 65% بدون مسلمي
أرتيريا وهناك عدة حركات تقود الثورة في داخل التجمعات الإسلامية منها حركة تحرير
أرمو الإسلامية وحركة تحرير أوغادين وفي أرتيريا استطاعات القوات الأرتيرية أن
تفرض سيطرتها على أكثر من 80% من أرتيريا وتقيم نظامًا متكاملًا له مؤسساته
الإنتاجية ويوفر لمواطنيه الخدمات التعليمية والصحية والإدارية بالإضافة إلى
تكوينه لجيش مقاتل قوامه أكثر من 45 ألف تتوزعها الجهات الأرتيرية داخل الأراضي
المحررة ولقد قادت سياسة استفراد الأمهرا بالسلطة إلى ثورة النغراي وهي قومية ظلت
تمارس لقرون استقلالية واسعة لسلطاتها في السابق وقد قضى على مملكتها قوات الخليفة
عبد الله التعايش في 1888 عندما قتلت مليكها يوهناس وبذلك استطاع متليك وبمساعدة
من الدول الأوروبية أن يبسط سلطاته على التغراي وفي أوائل العام الحالي استطاعت
الجبهة الشعبية لتحرير التغراي أن تستولى على عاصمة التغراي «ماكيل» دون أن تطلق
رصاصة واحدة بعد أن استسلمت القوات الحكومية والتي كانت تتألف من 20 ألف جندي
وأثرت قيادتها على أن تطأطئ رأسها في ذلة وانكسار بدلًا من الانتفاخ الكاذب في ظل
سلطة منغستو إن الفشل الذي منيت به قوات
منغستو طيلة فترات حكمه الممتد منذ عام 1977 على الجبهة الأرتيرية وجبهة التغراي
وهي هموم تخص العسكر كما أنه يكتوي بنيرانها أما النصر فهو ملك خالص للحزب الشيوعي
الحاكم ولزعيمه منغستو هيلامريام أن كانت هناك ثمة نصر ويبقى التطلع الدائم تحد
التعددية الثقافية والسياسية من أجل الحفاظ على الأمن القومي وهو ما يدعو لإقامة
تكوين جديد يستوعب تلك التطلعات.
مشكلة إقليمية:
إن مشكلة العسكر في أثيوبيا لسيت قضية
تحمل وزر الهزائم الداخلية التي نكست حوزات أقوى الجيوش الأفريقية والبالغ تعداده
250 ألف فالنظام الاشتراكي لأثيوبيا لم يكتف بالعدوات القومية التقليدية الموروثة
وإنما أضاف إليها سلسلة نزعات وحروب إقليمية مع كل من الصومات في الشرق والسودان
في الغرب وهنا يجد العسكر أنهم منقسمون في جهات عدة فضلًا عن أنهم يدافعون عن
مبادئ لا يؤمنون بها كما إنها لا تمت إلى
الثقافة الأمهرية بصلة فنظام منسغتو أهال أكوامًا من الحواجز بينه وبين دول
الجوار وذلك بتبنيه لسياسة عدوانية تؤثر التدخل في شؤون الغير ولا تتورع في زرع
المشاكل وإيواء الحركات الانفصالية كما هو واقع الحال مع حركة التمرد في الجنوب
السوداني وهي أوضاع تثير نقمة الدول المجاورة كما أنها تزيد من العزلة الدولية
بالإضافة إلى أن تكاليفها المالية تضاعف من انخفاض المستوى المعيشي للشعب ومن ثم
زيادة الأعباء الضرائبية في بلد يعاني من التخلف الاقتصادي والحضاري ويعتبر دوليًا
من أكثر دول القارة فقرًا وتقول أرقام الإحصاء إن 750 مليون دولار تلتهمها سنويًا
المجهودات الحربية. إن الشعب الأثيوبي يعاني نفسيًا واجتماعيًا من غياب شبابه
الذين إما أن يكونوا قد حصدتهم آلة الحرب أو إنهم في الطريق إليها فما من بيت إلا
وهو يعايش تلك المأساة الاجتماعية وفي ظل أوضاع مثل تلك لا بد أن يتحرك سلاح
الطيران وتتمرد قيادته والقيادات العليا في الجيش وإذا ما أضفنا إلى ذلك أن النظام
افتقد حليفه الرئيسي بعد مجيء غورباتشوف إلى السلطة فقد كان الإتحاد السوفياتي
قديمًا- قبل «البيريسترويكا» يشد من عضد نظام منغستو ويعده أحد حلفائه الرئيسيين،
أما قد تبدلت القيادة والمناهج السوفياتية فقد أضحى منغستو وحيدًا في العراء لا
يجد من يفرد عليه ظله بعد أن قرر الروس استجماع ظلالهم ومدها في حدود الممكن
«المرشد» بالوفاق الدولي.
زارع الشر:
إن الإحن- كما يقولون- تلد المحن وإحن
منغستو قد فرخت المصائب والهوائل فالتصفيات التي شهدتها القيادات العسكرية منذ أن
جاء العسكر إلى الحكم في عام 1974 كان منغستو يمثل عمودها الفقري إن لم يكن يقوم
بدور الرأس المدبر، فقد تمت تصفية جماعة أمان عندوم في عام 1974 كما صفى جماعة
تغرى بنتي في عام 1977 وبذلك تأهل لقيادة القبضة القوية وتقدر الجماعات العسكرية
التي سحقها منغستو وهو في طريقه إلى الاستفراد بعرش «الامبراطورية» بـ 30 ألف
عسكري وسياسي وهذه الدموية التي تميز بها نظام منغستو هي ذاتها التي سوف لن تحول
غدًا عن مصيره المحتوم غير أن هناك بعض الخيوط في نسيج اللعبة الدولية تتقاطع مع
نظام منغستو بالرغم من صفاته الدموية... وهي التي قد تساعد في بقائه حتى تتمكن من
إعادة تشكيل الخريطة السياسية في القرن الأفريقي، فالإتحاد السوفياتي بالرغم من
نصيحة غوربتشوف إلى منسغتو بإعادة علاقاته مع الغرب ودعواه له بإن يخرج من المأزق
الأرتيري والتخلي عن الاشتراكية الماركسية الصارمة إلا أن الإتحاد السوفياتي لا
يريد بديلًا «ليبراليًا» غربيًا خالصًا وربما يتطلع الروس إلى نظام اشتراكي معتدل
«بيروسترويكا» دون أن يكون على رأسه مغنستو وإذا استبعدنا الأنباء التي تقول بإن
هناك دورًا للإتحاد السوفياتي في افشال حركة الانقلاب الأخيرة فإنه مما لا شك فيه
أن السوفيات يرغبون في بقاء منغستو وإلا فإنه كان بإمكانهم عرقلة عودته من ألمانيا
الشرقية ومن جانب آخر فإن التأكيد ذاته ينطبق على موقف الغرب من منغستو فبالرغم من
كراهية الغرب إلى نظامه إلا أن الغرب لا يرضى أن تضيع وحدة أثيوبيا ولهذا فربما
يسعى الغرب إلى إبعاد منغستو عندما يرى أنه لا يملك القدرة على الحفاظ على وحدة
التراب الحبشي. وتبقى الخطوط الداخلية رهينة برضا لعبة الوفاق الدولي وأطماع
الكبار في القرن الأفريقي غير أن شدة الوطأة التي يجدها الشعب والجيش في أثيوبيا
ربما لا تنتظر حتى تأخذ الأذن بالتغيير فمنغستو قد زرع كثيرًا من الشر لا بد أن
يتذوق بعض كؤوسه.