العنوان أحب البقاع إلى الله تعالى المساجد.. كيف نعيد دورها الحضاري؟
الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 08-ديسمبر-2012
مشاهدات 51
نشر في العدد 2030
نشر في الصفحة 50
السبت 08-ديسمبر-2012
- حرص النبي ﷺ على تأسيسها وبنائها كأول عمل بالمدينة لتكون محل العبادة والمدرسة والجامعة لكل المسلمين.
- الشيخ محمد الغزالي : ساحة للعبادة ومدرسة للعلم وندوة للأدب وقد ارتبطت بفريضة الصلاة التي تعد صفوف المصلين فيها لباب الإسلام.
- خطبة الجمعة.. اجتماع أخوي وموعظة أسبوعية تحتاج إلى إعادة ترتيب لتخريج الأجيال المؤمنة وعلاج قضايا الأمة.
- ضرورة تأهيل الأئمة والدعاة وإرشادهم وربطهم بكل جديد يخدم دورهم حتى يؤتي المسجد أكله وثماره.
إنها مجتمع طاهر ينبض بالإيمان وينضح بالأخوة ويشع بنور اليقين مجتمع لا يجتمع عادة فيه إلا الأطهار الأبرار الذين هداهم الله تعالى فأحبهم وأحبوه، مجتمع كله أمن وسلام لا مكان فيه للعداوة والبغضاء التي تعشش في النفوس المريضة لتطمس ما يقي فيها من نور الفطرة.
ومنذ اللحظة الأولى التي وطأت فيها أقدام النبي ﷺ الطاهرة أرض المدينة بدأ بإنشاء هذا المجتمع الفاضل، فكان إيجاد هذه البقعة الطيبة التي تجتمع فيها الأبدان وتأتلف فيها الأرواح، ويُذكر فيها اسم الله تعالى آناء الليل وأطراف النهار بالعشي والإبكار. وحين تتراص الصفوف فيه في أوقات معلومات متى ينادي المنادي للصلاة، وتلتصق الأقدام بالأقدام، وتلتحم الأكتاف بالأكتاف في مظهر تنصهر فيه فوارق الجنس واللون والطبقة والنسب والجاه والحسب، فالأمير والوزير والغني والفقير على أرضه أمام الله سواء، لا فضل لأحد منهم على الآخر إلا بما في قلبه من إيمان يظهر في تحركاته وسكناته وأقواله وأفعاله.
إن هذه البقعة المباركة التي أضافها الله تعالى إلى نفسه إضافة تكريم وتشريف هي أول ما حرص النبي ﷺ على تأسيسها وبنائها : لتكون محل العبادة والمدرسة والجامعة لكل المسلمين، وإنها لأحب وأحسن البقاع إلى الله تعالى كما أخبرنا النبي ﷺ: «أحب البقاع إلى الله المساجد (صححه ابن تيمية).
وإن أولى لبنات البناء لأفراد الأمة هي إيجاد المكان المناسب الذي يتصل فيه العبد بخالقه، ويناجيه ويدعوه ويطلب منه المدد والثبات والقوة، ويجتمع الأخ بإخوانه يتعاونون معا على البر والتقوى، فالمسجد رمز التوحيد ومنبع العلم ومحل التزكية وساحة التربية، لذا بنى النبي ﷺ مسجد قباء» وصلى فيه أول جمعة بالمسلمين، ثم بنى مسجده بالمدينة. لا أحد ينكر دور المسجد في التربية العالية على أسس عقدية وأخلاقية راسخة منذ نعومة الأظفار، وإن اهتمام النبي ﷺ ببناء المسجد والبدء به فيه دلالة واضحة على أهميته ودوره الإيجابي في بناء الأمة.
إذ يخرج لنا بإذن الله أحسن اللبنات المؤمنة التي اشتد عودها في جنباته وهي ترتقي سلم الإحسان، وتنهل من دروس العلم وتلازم حلق الذكر وتلتف حول مائدة القرآن تربية متكاملة على المنهج الوسط بلا غلو ولا تفريط، تربية على أيدي ورثة الأنبياء؛ العلماء الربانيين الأتقياء الأنقياء، وقد قال النبي ﷺ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظله يوم لا ظل إِلَّا ظَلَهُ، إِمَامٌ عَدْلَ وَشَابٌ نَشْأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٍ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابًا فِي اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةَ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالِ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ الله، وَرَجُلٌ تَصَدَّقُ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» (رواه البخاري)، وما هذه الأصناف السبعة من الناس إلا نتاج التربية الخالصة في بيوت الله المساجد.
هل لنا ببيت في الجنة؟
لقد كثرت المساجد من حولنا وأخذت زخرفها وازينت وصار لكل حي مسجده، وبثت هنا وهناك، في أماكن العمل وقاعات الدراسة وعلى قارعة الطريق، لكن الفتور والتكاسل آفة تصيب بعضنا حين يهجر بيت الله خاصة عند صلاة الفجر والعشاء، وحين لا يحضر دروس العلم، فيفوته الخير الكثير.
كما أن بعض البلدان الفقيرة في العالم تفتقد مساجدنا فلا مسجد يظلهم لذكر الله، إنهم يصلون في الخلاء والعراء، سقفهم السماء وفرشهم الحصباء، لا يقيهم حر الشمس ولا يدفع عنهم مطر الشتاء، وهذه فرصة للقادرين على الإنفاق في وجوه البر والخير، وقد قال النبي : من بنى مسجدا لله، بنى الله له في الجنة مثله (رواه مسلم).
وفي كثير من البلدان الأوروبية لا يجد المسلمون مسجدًا يسعهم، فجهودهم الذاتية لا تكفي لشراء قطعة أرض له، فضلا عن تكاليف بنائه والحاجة كبيرة للحفاظ على دين هؤلاء، فبناء المسجد لهم يعني بناء أرواح كادت أن تموت وسط ركام الماديات، وتزكية عقول بالإيمان كادت أن تضل في غربة الطريق وحفظ لكتاب الله بينهم وفيهم بتعلمه وتعليمه . وأعرف مساجد تضيق بروادها ولا سيما في الجمعات وفي شهر رمضان فلننفق على هذه البقاع التي يحبها الله تعالى أفرادًا وجماعات، حكومات ومؤسسات -لتنفق مما قل معنا أو كثر، وهو سبحانه لن يضيع أجر المنفقين، ولنتخير المكان المناسب للبناء، فكلما كانت الحاجة إلى المسجد أكبر كانت الفائدة والأجر أعظم، وقد قال النبي : «إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علمًا علمه ونشره، وولدًا صالحًا تركه، ومصحفًا ورثه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه أو نهرا أجراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته يلحقه من بعد موته» (صحيح ابن ماجه حسنه الألباني).
إن بعض مساجدنا اليوم يقتصر دورها على إقام الصلوات الخمس فحسب، ويفتقد المسجد بذلك دوره الحقيقي في تربية رواده إيمانيًا وأخلاقيًا وعمليًا، وما حل بساحة أمتنا من أمراض ظاهرة وباطنة لهو الدليل على ذلك، رغم وجود العديد من المساجد وارتياد الكثيرين لها للصلاة فيها، لكنها إلا قليلا لما فقدت أهم أدوارها في التربية ظهر العقوق للنفس والأهل والناس والمجتمع، فهناك من يسرق ويغش سرًا وعلنًا، ومن يرهب الآمنين ويستحل دماءهم ببلطجته وإرهابه، ومنهم من لا يحفظ حرمة بلده فيخربه ويفسد فيه ولا يصلحه، ومن لا يتورع عن أكل الحرام والتعدي على الحرمات جهارًا نهارًا، ومنهم من يتهاون في أداء العبادات ويجهل دينه، ويخوض في أعراض الناس قذفا وسبا وتشهيرا، فلا يحافظ على عرض أخته المسلمة بل يشارك في هتكه ومنهم من لا تقتنع بأوامر الله تعالى فتنزع عنها حجاب الطاعة والعفة والطهارة ومن لا تقدر مسؤوليتها الكبيرة المؤثرة كأم وزوجة، ومن تجهل دورها العظيم في الحياة كشقيقة للرجل.
وبالرغم من وجود الخير المقابل لهذا الشر، فإننا كأمة البلاغ والدعوة والهداية علينا أن نتخلص ما استطعنا من أمراضنا ليكون لنا التأثير الحقيقي في العالم، ومن أجل ذلك وجب على المسؤولين على بيوت الله أن يعيدوا لهذه المساجد دورها المفقود، وأن يتحينوا لذلك كل الفرص والمواسم والمناسبات فالمسجد كما يقول الشيخ الغزالي: «ساحة للعبادة، ومدرسة للعلم، وندوة للأدب، وقد ارتبطت بفريضة الصلاة وصفوفها أخلاق وتقاليد هي لباب الإسلام».
خطبة الجمعة ومن أهم مناسباتنا يوم الجمعة، حيث الاجتماع الأخوي والموعظة الأسبوعية الجماعية المتمثلة في خطبتيها وهي تحتاج منا إلى إعادة ترتيب لتخدم الأهداف في تخريج الأجيال المؤمنة حقا، وعلاج قضايا الأمة وتحسين أدائها وتقويم أخلاقها وتزكية نفوسها، لذا تتطلب أن يكون الإمام على علم وبصيرة، حصيفا ملما بالواقع من حوله، يعيش عصر الناس، له منهج منظم وهدف واضح، يعرف كيف يكون مؤثرا يرتب الأولويات حسب الحاجة القائمة، ويركز على الإيجابيات، ويذكر السلبيات بأسلوب راق لا ينفر، ويتحرى صحة الأحاديث والأدلة، ولا يجرح أحدا بعينه، بل يتبع منهج النبي ﷺ فعن عائشة رضي الله عنها أنه كان إذا بلغه عن الرجل شيء لم يقل: ما بال فلان يقول؟ ولكن يقول: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا » (رواه الألباني، صحيح الجامع). فحبذا لو اجتمع الأئمة - كل في موقعه على منهج واضح متجدد، ووضع كل إمام خطته لخطبة الجمعة في صورة جدول سنوي أو دوري - مع ملاحظة التغيرات - محاولا أن تلائم خطبته واقع المسلمين في مكانه، وتسد احتياجاتهم في مختلف النواحي، إيمانيًا وتربويًا، واجتماعيًا وأسريًا، على مستوى الفرد والجماعة والمجتمع، ذاكرًا في خطته الأهداف التي يريد تحقيقها، والمفاهيم التي يريد تصحيحها أو إضافتها، والقيم والأخلاق التي يريد إحياءها، وذلك بالنظر في السلبيات التي يرصدها من حوله، ثم يعد الموضوعات التي تخدم هذه الأهداف وتحققها، يغتنم المناسبات لا ليحتفل بها بل كمدخل لدعوته، ومنها رمضان والحج وعاشوراء ومولد النبي ﷺ وهجرته، وبداية السنة الجديدة، والإجازات والصيف، وبعض المناسبات الخاصة بغيرنا والتي يمارسها بعضنا يوم «الكريسماس»، و«يوم الحب»، و«يوم الأم»... وهكذا، ويحاول الخطيب ربط الأحداث الجارية بما يخدم أهداف خطبته، ويرفع من شأن هذه الأمة، ومن هنا كان أهمية تأهيل الأئمة والدعاة وإرشادهم وتوجيههم وربطهم بكل جديد يخدم دورهم حتى يؤتي المسجد أكله وثماره.