العنوان أحداث بيهاتش.. جرائم الأمم المتحدة في البوسنة
الكاتب نبيل شبيب
تاريخ النشر الثلاثاء 13-ديسمبر-1994
مشاهدات 91
نشر في العدد 1129
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 13-ديسمبر-1994
- الأمم المتحدة أسهمت في إسقاط بيهاتش بأيدي الصرب بشكل مباشر حيث وضعت فيها 1200 جندي بنغالي مع 400 بندقية.
- الموقف الأمريكي يساهم في حبك المؤامرة بين الأمم المتحدة وحلف الأطلسي ولجنة الاتصال ضد المسلمين.
شهد تاريخ الأمم المتحدة منذ تأسيسها بمنطق موازين القوة المحضة، التي خلفتها ويلات حربين عالميتين في القرن العشرين الميلادي، عددًا من الحالات الإجرامية المأساوية التي تشكك في المغزى من تأسيس المنظمة وبقائها، ابتداء بسجلها الفاضح في مسلسل النكبات على الأرض الفلسطينية، ومرورًا بغيابها المخزي عن ساحات معينة مثل طاجيكستان وكشمير، وانتهاء بدورها المزدوج في الصومال، ولكن المنظمة الدولية لم تعرف في تاريخها حالة مشابهة لما تصنعه منذ سنوات في البوسنة والهرسك حيث دخلت في ثياب المنقذ الإنساني، وكانت ولا تزال جزءًا عضويًا من بنية المخطط العدواني الجاري تنفيذه، تنفيذًا علنيًا دون الحاجة إلى «التآمر» في الخفاء.
في السابع والعشرين من نوفمبر «تشرين ثانٍ» 1994 م، وقف الناطق الرسمي باسم الأمم المتحدة في سراييفو ليقول إن المنظمة الدولية «أخفقت في أداء مهمتها في بيهاتش»، وصادق على هذا الموقف اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل، وممثلو الدول الخمس فيما يسمى هيئة الاتصال الدولية بعد اجتماعهم في باريس، وكذلك ويليام بيري - وزير دفاع الدولة الكبرى - المتفردة بالزعامة الدولية للنظام العالمي الجديد - كما يقال -، عندما أكد على أن الصرب هم الطرف المنتصر عسكريًا في بيهاتش، وكان الغائب الرئيسي عن هذه «الجوقة» في تثبيت الاعتراف بالإخفاق على المنظمة الدولية هو أمينها العام بطرس غالي، فقد اختار هذا الوقت بالذات لتخصيص خمسة أيام من أجل مشكلة الصحراء الغربية، ولم يجد حاجة إلى اتخاذ موقف واضح المعالم من الأحداث الجارية في البلقان، حتى أن زيارته التي قام بها بعد ذلك لسراييفو لم تسفر عن شيء.
هل يمكن ببساطة القول بموقف الاعتراف بالعجز والإخفاق، وكأنه عذر سياسي طبيعي في حدث من حجم الحدث التاريخي المأساوي الذي تشهده أرض البلقان؟ وهل هو أصلًا مجرد العجز والإخفاق من جانب المنظمة الدولية؟
إن التطورات التي شهدتها منطقة بيهاتش خلال الأسبوعين الماضيين لا تندرج تحت عنوان سقوط المنطقة «الآمنة المحمية دوليًا» بل تحت عنوان «إسقاطها» بإسهام مباشر من جانب المنظمة الدولية التي حملت نفسها من قبل مهمة أمنها وحمايتها، مع ملاحظة أن قرارات «المناطق الآمنة» بحد ذاتها لم تصدر من البداية من أجل حمايتها فعلًا، بل صدرت واقعيًا لسحب الأمم المتحدة وقواتها الدولية من أداء المهمة التي يفرضها الميثاق نفسه في الأصل، وهي حماية سلامة أراضي البوسنة والهرسك بكاملها وليس مجرد حماية بعض أجزائها أو زعم ذلك، وذلك باعتبارها دولة عضوًا تعرضت للعدوان وطلبت الدعم الدولي لمواجهته.
ولا يمكن التفصيل في مسلسل «إنجازات» الأمم المتحدة فيما يخص بيهاتش على ساحة البوسنة والهرسك، حتى وصلت إلى آخر «حضيض» لها هذه الأيام، فيكفي الإجمال والإيجاز الشديد.
أول خطوة خطتها القيادة العسكرية والسياسية للقوات الدولية على طريق إسقاط بيهاتش، أي أول خطوة تنفيذية من جانب ثلاثي «روز وأكاشي وغالي» على وجه التحديد، هي وضع 1200 جندي بنجالي مع 400 بندقية فقط، في مدينة بيهاتش، دون آليات عسكرية ولا معدات إلكترونية ولا مجرد أجهزة اتصال ومراقبة على مستوى مهمة مراقبين دوليين، ناهيك عن مهمة حماية دولية حقيقية لمنطقة آمنة أو لإمدادات إنسانية تصل إلى أهلها، وليس هذا عن جهل، فليس مجهولًا قطعًا أن بيهاتش بالذات تمثل المركز الرئيسي الثاني للتجمع السكاني الإسلامي في أرض البوسنة والهرسك، بل الأصح هو القول بإن هذا هو السبب في كون «الحماية» مزيفة على هذا النحو، والأشبه بدعوة مباشرة إلى الصرب للتحرك، وكذلك لم يكن مجهولًا أن الخطر العسكري الصربي الذي تتعرض بيهاتش إليه، كان من البداية خطرًا مضاعفًا، بسبب موقعها الجغرافي المتميز وسط منطقة الاحتلال الصربي البوسنية والكرواتية معًا.
وكانت الخطوة الثانية التي تحركت بها الأمم المتحدة عن طريق الوسيطين اسما المنحازين في سائر ما صنعا حتى الآن واقعًا، أون وفانس - ثم شتولتنبيرج لاحقًا - هي دعم تمرد فكرت عبديتش، وإبرازه أثناء مفاوضات جنيف فجأة وكأنه طرف له وزنه في الساحة السياسية والعسكرية، على أمل أن توضع بيهاتش تحت سيطرة الصرب، دون قتال مباشر، وقد كان إبراز عبديتش، في فترة مرحلية ما بين الانتقال من خطة فانس وأون التي جعلت الصرب المتمردين المسلحين ومرتكبي أبشع الجرائم الحربية والإنسانية «طرفًا سياسيًا دوليًا»، إلى خطة التقسيم الدولية الأخيرة، التي حولت قضية التمرد الداخلي والعدوان الصربي الخارجي بحد ذاتها إلى قضية «نزاع حدود وحرب أهلية».
ثم كانت الخطوة الرئيسية الثالثة التي تحركت بها الأمم المتحدة بعد عجز عبديتش عن القيام بالدور المطلوب منه، هي خطوة التجاهل - ويصعب بطبيعة الحال تصور الجهل في منظمة بحجم الأمم المتحدة وما لديها من أجهزة ضخمة متدربة - للتحرك الصربي العسكري نحو بيهاتش، فمنذ عجز الصرب عن اقتحام جورازدي، توجهت أنظارهم إلى بيهاتش ذات الموقع «الجغرافي العسكري» المشابه، والمفروض في عصر الشعار الذي رفعه بطرس غالي باسم «الديبلوماسية الوقائية» أن يتخذ هو مع قادته المحليين خطوات «وقائية»، ولكن بدلًا من ذلك كان يتكرر رفضهم في نطاق صلاحياتهم المباشرة - وليس كمنفذين مأمورين كما يقولون أحيانًا - باعتبارهم أصحاب القرار الميداني لتنفيذ قرارات الدول المسيطرة في مجلس الأمن الدولي، كان يتكرر رفضهم تلبية سراييفو وهي تطالب بعد إنهاء تمرد عبديتش على الحكومة المعترف بها دوليًا، بخطوات عملية مرئية لتعزيز الوجود الدولي في بيهاتش، أو حولها، أو على الطرق المؤدية إليها والتي يمر معظمها عبر مناطق الاحتلال الصربي.
وتبين مجددًا أن الطريق الوحيد للبوسنيين المسلمين هي كما كانت على الدوام، طريق الاعتماد على النفس أولًا، وهذا مما يفسر التحرك العسكري البوسني وسط البوسنة والهرسك، ما بين منطقتي سراييفو وبيهاتش، لعدة أهداف منها تخفيف العزلة الجغرافية عن الأخيرة واستباق الهجوم الصربي المنتظر عليها، وقد تحققت الانتصارات العسكرية المعروفة، فكانت مقابل ذلك الخطوة الرابعة من جانب ممثلي الأمم المتحدة، بممارستهم - على النقيض من صبرهم المعروف مع الصرب، أشد درجات الضغوط ضد الحكومة البوسنية وتحركها العسكري في تلك المنطقة بالذات، إلى درجة التهديد بغارات جوية أطلسية، بل وصل ذلك إلى مستوى صدام مباشر كما كان من جانب الجنود الدوليين الفرنسيين عند مرتفعات إيجمان قرب سراييفو، ومورست هذه الضغوط وأمثالها رغم أن التحرك العسكري البوسني لم يتجاوز منطقة سبق أن اعتبرتها خطة التقسيم الدولية الجائرة، تابعة لحكومة البوسنيين من المسلمين والكروات «ويوجد في مناطقهم الحالية أكثر من مائة ألف بوسني من الصرب غير المتمردين»، وهي الخطة التي رفضها الصرب المتمردون كما هو معروف، تعنتا من جهة، ولأنهم يدركون من جهة أخرى أن القوى الدولية المعنية على استعداد لتمكينهم من حصة أكبر ثمرة للعدوان.
ولا ينبغي في هذا المسلسل إغفال أن توقيت الإعلان عن الموقف الأمريكي بالانسحاب من مراقبة حظر إرسال السلاح، وليس بخرق القرار أو ممارسة ضغوط حقيقية لإنهائه، هذا التوقيت كان بدوره في مقدمة ما أرادته الأطراف الأخرى فاستغلته أشد استغلال لتمييع مسئوليتها ومسئولية الأمم المتحدة التي تتحكم بقرارها، وبالتالي لتبرير عدم التحرك ضد الهجوم الصربي، وقد انعكس ذلك في عدد من التصريحات الصادرة عن وزير الخارجية الروسي كوزيريف، وهو يحمل المسلمين مسئولية التطورات الأخيرة بتحركهم العسكري الأول، ثم تبنت «هيئة الاتصال الدولية» بمشاركة واشنطن نفسها موقفًا مماثلًا في المشاورات التي جرت في باريس يوم 27 نوفمبر «تشرين ثانٍ» 1994 م.
وعلاوة على هذه الصور الإجمالية لمسلسل مواقف المتحكمين في الأمم المتحدة والمنفذين لقراراتها، كل وفق دوره ونتيجة استنفاذ ما تسمح به صلاحياته، علاوة على ذلك تكرر في الجولة العسكرية الأخيرة حول بيهاتش، شبيه ما سبق أن وقع في جولة جورازدي من «إسهام» مباشر في التأثير على مجرى القتال نفسه، ومن ذلك:
كلما ازداد ضغط الرأي العام الغربي على حكومات دول حلف شمال الأطلسي لتدخل حقيقي بدلًا من الغارات الصورية الهزيلة، كان المتحدثون باسم الأمم المتحدة ابتداء من مبعوثهم الأول ياسوشي أكاشي، وانتهاء بالناطق الرسمي وتصريحاته اليومية في سراييفو يقولون إن «المعارك هدأت» بينما كانت وسائل الإعلام الغربية نفسها تنقل مشاهد حية عن القصف الوحشي بالقذائف المدفعية والصاروخية وعن مشاركة الدبابات والطائرات المقاتلة ثم العامودية في القتال، بل إن قائد القوات الدولية مايكل روز نفسه، وجد نفسه أثناء ممارسته کسواء لهذا الأسلوب التضليلي، مضطرًا أمام إلحاح الصحفيين يوم 27 نوفمبر «تشرين ثانٍ» إلى الاعتذار عما قال به قبل 24 ساعة فقط.
قبل اقتراب القوات الصربية من المدينة المكتظة بالسكان، أي في مرحلة القصف البري والجوي المكثفة عن بعد، وهي المرحلة التي تضمن فعالية تدخل جوي أطلسي، «والواقع أن الحلف قادر من الناحية العسكرية على التدخل الفعال والمؤثر على الصرب قطعًا، من قبل وحتى الآن، ولكنه كالأمم المتحدة لا يريد».. في تلك المرحلة كان قادة المنظمة الدولية يرفضون توجيه طلب بذلك إلى حلف شمال الأطلسي.
ويبررون رفضهم تارة بالخوف من جنودهم وتارة أخرى بأن أبواب السلام التي يطرقها أكاشي ما بين بلجراد وبالي قد بدأت «تنفتح»، وبالمقابل عندما وصل الصرب إلى مشارف المدينة، أصبحت الذريعة الرئيسية هي زعم «استحالة تحقيق فائدة عسكرية من غارات جوية خشية على «المدنيين»، والمطلوب إذن كبديل، هو تسليم مصير أولئك المدنيين الضحية لأيدي الغزاة الصرب، ولم تبق سوى عقبة محرجة واحدة هي «طول صمود المسلمين».
وكان من عمليات «التمويه» الجارية عن طريق زعم إجراء مفاوضات على وقف القتال تبريرًا لعدم التدخل، تلك المحادثات التي أجراها أكاشي مع الصرب ثم صرح بعدها مساء 25 نوفمبر «تشرين ثانٍ»، بأنه أمكن التوصل إلى اتفاق سلام من أجل المدينة المعرضة للقصف المتواصل، وتبين بعد أقل من 24 ساعة، أن حقيقة الاتفاق هي ترخيص الصرب بتمرير قافلة غذاء ودواء لصالح الجنود الدوليين داخل بيهاتش، مع توقيع أكاشي على «التعهد بألا يسلم الجنود شيئا من ذلك لأي فرد من السكان المدنيين في المدينة».
ولا ينفسح المجال للإطالة بمزيد من الأمثلة، لبيان دور المنظمة الدولية فيما يجري مع ملاحظة أنها ليست جهة معنوية أو هيولية لا يمكن تثبيت من المسئول فيها، فهي في الواقع عبارة عن أولئك المسئولين المعروفة أسماؤهم في أجهزتها وفي عدد محدود من الدول المتحكمة فيها، وليس هذا «التحكم» ممكنًا، لولا غفلة زهاء خمسين دولة إسلامية تمثل أكثر من ربع الدول الأعضاء أو تغافلها.
إن المنظمة الدولية بهذا المفهوم، لم تمارس دور التواطؤ والانحياز ضد المسلمين في البوسنة والهرسك فحسب، بل مارست علاوة على ذلك دورًا يساهم في القضاء على البقية الباقية من «أمل» ما في الاعتماد على المنظمة الدولية والنظام العالمي الذي يفترض فيه أن يحملها ويوجهها على أسس جديدة، فالأيام التي شهدتها أحداث الهجوم الصربي على بيهاتش، أسقطت حتى ذلك العذر الذي كانت تزعمه القيادات السياسية والعسكرية المحلية والمركزية للأمم المتحدة في نطاق «لعبة تبادل الأدوار» مع حلف شمال الأطلسي، وكان قد سبق مرارًا التأكيد أن الجانب العسكري من مهمة القوات الدولية والوحيد الذي يسمح بالاستعانة بغارات جوية أطلسية، هو «حماية الجنود الدوليين أنفسهم ليتمكنوا من أداء مهمة الإغاثة الإنسانية للمدنيين» ولقد تعرض الجنود الدوليون للإهانة، وللحجز كرهائن، وللقتل، والإصابة بجروح، وللتجويع والتعطيش بالحصار، فضلًا عن توجيه النيران مرارًا لطائرات الإغاثة الدولية، وطائرات «الرقابة المزعومة» لحظر المجال الجوي البوسني، ولم يكن جميع ذلك يمثل عند غالي، وأكاشي، وروز، سببًا كافيًا ولو لمجرد إحراج حلف شمال الأطلسي بطلب الغارات، إلا في حالات معدودة، عندما بلغ السيل الزبي - كما يقال - فأتي آنذاك دور الحلف لاستكمال المسرحية المأساوية عبر غارات جوية محدودة الهدف والحجم والأثر، لا تقدم ولا تؤخر في مجرى القتال، بل الاستهزاء بكل من يعلم بمستوى تقنية التسلح العسكري للحلف، وهو يكتفي بالتحليق بالطائرات، ثم الامتناع عن قصف أهداف ما بحجة سوء الأحوال الجوية، ثم تأتي فترة انتظار جديدة إلى أن يحين موعد الفصل التالي.
إن قيام رئيس الوزراء البوسني حارث سيلاجيتش بطرد مايكل روز أمام الصحفيين، وإعلانه أنه لم يعد هو أو مبعوثه طرفًا مقبولًا للمحادثات عند الحكومة البوسنية، هو - كموقف رمزي معبر - أقل بكثير مما يستحقه المتحكمون في «المنظمة الدولية»، ردًا على تعاملهم مع قضية البوسنة والهرسك، وتعاملهم من خلالها مع قضية مستقبل الوجود الإسلامي في البلقان.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل