العنوان رأي سياسي.. التحولات المستقبلية لسياسة روسيا الخارجية
الكاتب جيناتدو مينكو بيكو
تاريخ النشر الثلاثاء 02-أبريل-1996
مشاهدات 70
نشر في العدد 1194
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 02-أبريل-1996
بعد انقضاء شهرين على الانتخابات البرلمانية التي فاز فيها الحزب الشيوعي الروسي بغالبية الأصوات، وبعد مرور شهرين على تغيير الرئيس بوريس يلتسين للوزارة، لا يزال المجتمع الدولي يبحث عن مؤشرات تشير إلى حصول أي تغيير في موسكو، وفي الحقيقة إن توقع الفرد على الأقل أن سياسة روسيا الخارجية لن تتغير، فهذا في نظري غير واقعي لقد اضطلع وزير الخارجية بريماكوف بمنصبه الجديد بعد ثلاث سنوات شغلها كرئيس لدائرة الاستخبارات الخارجية التابعة للخدمات الروسية الجديدة، وخلال توليه هذا المنصب قدمت هذه الدائرة وبصورة علنية غير عادية ثلاثة تحليلات للوضع داخل روسيا والوضع داخل جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق وعلاقتها مع الغرب.
ويمكن تلخيص العناصر الأساسية التي ظهرت نتيجة لهذه التحليلات كما يلي:
- إعادة دمج اقتصاد جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق.
- إنشاء قيادة عسكرية مشتركة بين جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق.
- دور الجيش الروسي في السيطرة على تجارة المخدرات والأسلحة والجريمة المنظمة، واستخدامه الحدود القديمة للاتحاد السوفييتي، والتي هي تحت سيطرة جمهوريات مختلفة، وكما هو معروف فإن السيد بريماكوف مستشرق كبير، وقد أكد وبوضوح أن روسيا لا يمكن أن تكون شريكًا أصغر لأي أحد كان، بل هي شريك يعتمد عليه.
إن من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن السيد زوغانوف رئيس الحزب الشيوعي، ومرشح الرئاسة الروسية، يعتبر وفي نظر الصحفيين الليبراليين الروس، وكذلك رجال الأعمال الذين تحدثت معهم، هو الأوفر حظًا ليصبح رئيسًا لروسيا، قد عبر عن وجهات نظر متشابهة جدًا في السياسة الخارجية.
ففي مقاله الأخير الذي نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» يؤكد على أن روسيا لا تقبل أي توسع لحلف شمال الأطلسي «ناتو»، لا تقبل أي تعامل معها من قبل الولايات المتحدة كشريك أصغر «أدنى مرتبة».
وفي حديث خاص معه أكد بوضوح نفس الرؤيا حول ضرورة دمج أقوى بين جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق.
ويتوقع الكثيرون أنه إذا أصبح السيد زوغانوف رئيسًا لروسيا في الصيف القادم، فالأرجح أنه سوف يحتفظ بريماكوف بمنصبه كوزير للخارجية الروسية.
وبالرغم من التغييرات القائمة خارج حدود روسيا ودول الكومنولث المستقلة سواء كان ذلك فيما يتعلق بالبلقان، أو إعادة ترتيب المنطقة كما نراه جاريًا بين تركيا والبوسنة من جهة، واليونان والصرب من جهة أخرى، أو الحرب الدائرة في الشيشان أو موقف تركيا المتعاطف إزاء المتمردين، أو العزلة المفروضة على إيران من قبل الولايات المتحدة، وكذلك الترتيبات الجارية لمرحلة العراق بعد صدام، كل هذا يفتح آفاقًا جديدة لسياسة خارجية جديدة لروسيا.
إن الغرض لسياسة خارجية جديدة لروسيا تبدو جلية في جبهات مختلفة، فعلى الجبهة «القريبة خارج الحدود»، وأعني بذلك دول الاتحاد السوفييتي السابق، يشير إلى أن التوازن السياسي الجديد في روسيا وسياستها الخارجية الجديدة ستؤدي إلى علاقات أوثق في الشؤون العسكرية والسياسية والاقتصادية بين الجمهوريات السابقة وروسيا.
كما أن السنوات القليلة الماضية قد أثبتت القوة التي تمارسها موسكو من خلال استخدام منظومة خطوط الغاز والنفط، إضافة لذلك فبعض هذه الجمهوريات السابقة عليها ديون لموسكو منذ أكثر من ثلاث سنوات كما نرى في أوكرانيا، ونتيجة لذلك فتعتبر هذه الجمهوريات في وضع أضعف بكثير، إن النزاعات الدائرة على الحدود الجنوبية كما هو جار في الشيشان، وطاجيكستان والارتباطات الخارجية المزعومة بين مقاتلين داخل الحدود القديمة والدول المجاورة سيساعد في تبرير وضرورة وجود مستمر للجيش الروسي في جمهوريات عديدة.
فمن وجهة نظر اقتصادية، فأي دمج إضافي ستكون معارضته صعبة، فعملية الدمج الاقتصادي نفسها قائمة في أوروبا وشمال أمريكا وجنوب آسيا، ولا أتوقع إعادة التنظيم السياسي لعدم وجود ضرورة لذلك، ولكن إيجاد دول كومنولث مستقلة أكثر تماسكًا هو المطلوب.
لقد أيقنت روسيا بأن هناك نسبة متفاوتة حول احتمال العداء أو الصداقة من قِبل جيرانها، وستركز روسيا على الخصوص بجعل إيران صديقًا مقربًا لها للأسباب التالية:
أولًا: إيران دولة معزولة من قبل الولايات المتحدة ولا توجد مؤشرات تدل على أن ذلك سيتغير.
ثانيًا: تدرك روسيا أن إيران قريبة جدًا من جمهوريات آسيا الوسطى.
ثالثًا: تعتبر إيران أكبر مستورد لمنتوجات روسيا المصنعة.
لذا فإن علاقة مقربة بين طهران وموسكو هو اتجاه خارجي، ومن جهة أخرى ظهرت تركيا من مفهوم روسي بأنها دولة غير ودية في كل من البلقان والقوقاز، فكلا البلدين يسلك مصالح سياسية متعارضة، فالتقارب والارتباط المزعوم بين الأتراك والشيشان المتمردين هو آخر الأمثلة على ذلك، وستقوم تركيا ودول البلقان بتبرير أي تقارب مع اليونان، والذي يمكن بدوره أن يوضح المصالح الأمريكية المتجددة في ذلك البلد.
أما في الشرق الأوسط فلا تزال موسكو تحتفظ بوجود رئيسي هام في العراق فإن مرحلة ما بعد صدام أو ما بعد العقوبات ستشهد لعبة كبرى تلعبها روسيا والغرب حول العراق، ويعتبر العراق ذو أهمية استراتيجية واقتصادية لكلا الطرفين، وفي الوقت نفسه فإن فقدان «إسرائيل» لأهميتها الاستراتيجية بعد اتفاقات السلام سيؤدي إلى تركيز نحو العراق والخليج.
إن المستشرق بريماكوف والصديق القديم لصدام وكثير من العرب سوف لا يتخلى وبالتأكيد عن أي تأثير على بغداد.
أما بالنسبة لعلاقة روسيا مع الغرب فمن المرجح أن تستمر موسكو في لعبة قديمة، ولكن لأسباب جديدة، فالدعم الاقتصادي، والتبادل التكنولوجي مع روسيا، والذي تأتي غالبيته من أوروبا وليس من أمريكا- وهذه قناعة الروس- أدى إلى إرساء شعور متنام بعدم الارتياح في روسيا تجاه الولايات المتحدة، كما أن نفس الشعور في واشنطن قائم، وخاصة لدى الدوائر الاقتصادية تجاه روسيا.
إن روسيا بحاجة إلى تكنولوجيا ورأسمال أوروبا، كما أن أوروبا بحاجة لأسواق روسيا الضخمة خلال العشرين سنة القادمة أو أكثر، وهذه الحاجة المتبادلة ستستخدمها روسيا لتوسيع الهوة بين أوروبا وأمريكا «ربما بسبب تركيز واشنطن على آسيا التي تجذب استثمارات وتجارة مضاعفة أكثر من أوروبا نفسها».
ولأسباب مرتبطة بحلف شمال الأطلسي «ناتو» لا بد وأن تبحث روسيا وأوروبا عن ترتيبات مؤسساتية كطريق وحيد لتهدئة قلقها.
إن سياسة روسيا الجديدة في الشؤون الخارجية لا زالت ينقصها وضوح كامل، ولكني أشك في أن تبقى؛ كما تعودنا أن نعرضها خلال السنوات الثلاث الماضية.