; أحداث جامعتي صنعاء وعدن: الوصاية السياسية في مواجهة الطلاب | مجلة المجتمع

العنوان أحداث جامعتي صنعاء وعدن: الوصاية السياسية في مواجهة الطلاب

الكاتب زهير العيسى

تاريخ النشر الثلاثاء 21-يناير-1997

مشاهدات 114

نشر في العدد 1235

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 21-يناير-1997

 اليمن 

  • إلغاء الانتخابات الطلابية التي اكتسحها الإسلاميون في جامعات اليمن الثلاث تكشف حالة الاحتقان السياسي في الوسط الطلابي.

خلال الأسابيع الماضية شهدت جامعة صنعاء صدامًا بين طلاب كلية الآداب.. فيما تواصل أحزاب كلية الحقوق بجامعة عدن احتجاجًا على قيام الإدارة بفصل طلاب وبطريقة غير قانونية.. كلتا الحادثتين يمكن اعتبارهما انعكاسًا لحالة الاحتقان السياسي التي تتجمع مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية المفترضة في ۲۷ أبريل القادم، وعدم ظهور ما يدل على انفراج التأزم السياسي الناشئ بشأن الانتخابات.

تأزم في الجامعات

والوضع الطلابي في الجامعات اليمنية يعاني هو الآخر من مظاهر تأزم واحتقان - سياسي، بعدما أجهضت عملية الانتخابات الطلابية في مرحلتها الأخيرة نتيجة اكتساح الإسلاميين لمرحلتها الأولى في معظم كليات الجامعات اليمنية الثلاثة.

 والخلل الذي يعاني منه الوضع الطلابي ناتج عن حقيقة أن حزب المؤتمر الشعبي العام يرفض نتائج أي انتخابات لا يكون له فيها الصدارة -وبالتالي يعمل على تجميد أي وضع لا يناسبه باستخدام نفوذه الطاغي في مؤسسات الدولة في ولاسيما في وزارة الشؤون الاجتماعية التي وتحجب اعترافها أو تمنحه وفقًا للحقيقة المذكورة والحق أن الوضع الغريب –في بلد يعترف  قانونًا بالتعددية السياسية– كان أحد حقائق اليمن بعد قيام الوحدة وتحالف حزب المؤتمر الشعبي والحزب الاشتراكي في الفترة من ۹۰-1993م، حيث كان الحزبان لا يعترفان بأي نقابة أو منظمة شعبية إلا إذا كانت خاضعة لأحدهما أو كليهما، فيما تظل الهيئات –التي تنجح في الإفلات من قبضتهما– تعاني من التجميد أو التجاهل في أحسن الأحوال.

ومنذ تفرد المؤتمر الشعبي في الهيمنة على الأوضاع في اليمن، بعد هزيمة الاشتراكيين في حرب ١٩٩٤م. لم يعد هناك من ينازعه سيطرته على المنظمات الشعبية إلا الإسلاميين، وتحديدًا في كل من نقابة المعلمين واتحاد طلاب الجامعات ونقابة أعضاء هيئة التدريس في الجامعات، وهي

المجالات التي تدور فيها آخر مواجهات التنافس الشديد بين الأحزاب اليمنية.

وبالنسبة لنقابة المعلمين اليمنية فقد أسس المؤتمر الشعبي نقابة جديدة حظيت بدعم واعتراف رسمي في مقابل الإعلان عن سحب شرعية النقابة الأخرى التي يسيطر عليها الإسلاميون لكن نفوذ الإسلاميين الكبير في أوساط المعلمين وامتناع الناصريين والاشتراكيين عن تقديم دعم قوي لنقابة المؤتمر.

كل ذلك منع من تفرد نقابة دون نقابة أما نقابة أعضاء هيئة التدريس في الجامعات اليمنية، فقد نجح الإسلاميون في الفوز في أهم هذه الجامعات، وهي جامعة صنعاء، فيما تمنح استقلالية الجامعة المالية والإدارية ومكانتها العلمية النقابة قدرًا كبيرًا من الحصانة ضد محاولات الاحتواء أو التهميش.

أسخن محاور التنافس

لكن أسخن محاور التنافس بين حزبي الائتلاف الحاكم هو محور الطلاب الجامعيين وطلاب المدارس الثانوية التي تجري انتخاباتها عادة كل عامين، ويفوز فيها الإسلاميون، ثم تعمد الجهات الرسمية إلى تجميد المرحلة النهائية وتجاهل وجودها، لكن طبيعة الوسط الطلابي وحيوية أعضائه تتمكن من اختراق الحواجز وممارسة أنشطة متميزة داخل الجامعات. 

وفي الانتخابات الأخيرة التي جرت مع بداية العام الدراسي ٩٦/ ١٩٩٧م تكررت المواقف الرسمية ضد طلاب الجامعات بعد نجاح الإسلاميين في معظم كليات الجامعات اليمنية باستثناء كليتين سيطر عليهما طلاب الحزب الاشتراكي. 

وبدا واضحًا أن جهات الاختصاص ترفض التعامل مع الواقع الجديد وإتمام الانتخابات لاختيار قيادة الاتحاد الموحد، إلا بشرط التقاسم الحزبي للهيئة الإدارية، فيما رفض الإسلاميون تنفيذ الشروط حرفيًا.. ومع وجود موافقة على أن تضم القائمة عددًا من طلاب المؤتمر الشعبي من باب حفظ ماء الوجه.

وكما يحدث منذ عام ١٩٩٠م، يلجأ الطلاب الإسلاميون إلى تجاوز وزارة الشؤون الاجتماعية، ويجتمع الفائزون في المرحلة لاختيار هيئة تنفيذية عليا لا تعترف بها الدولة، لكنها تمارس نشاطها مدعومة بنقابة أساتذة الجامعة ومستفيدة من واقع الاستقلال المالي والإداري للجامعة.

وفي هذه الأجواء غير الطبيعية تتوافر مسببات للاصطدام والخلافات المستمرة بين التيارات الطلابية مثلما حدث في الأسابيع الماضية، مع اختلاف أسباب الحوادث هنا وهناك.

قنبلة في جامعة عدن

بدأت أحداث جامعة عدن من خلافات بين طلاب كلية الحقوق وإدارة الجامعة بشأن قرارات إدارية، لكنها وصلت إلى مستوى كبير من التوتر بعد اعتقال القيادة الطلابية الداعية للإضراب على خلفية حادث مجهول تم فيه إلقاء قنبلة في حديقة منزل رئيس جامعة عدن. 

ومنشأ الخلاف بين الطرفين يعود إلى قيام إدارة الجامعة بتطبيق نصوص لائحة جديدة بخصوص فصل الطلاب الراسبين، فيما اعترض طلاب كلية الحقوق على توقيت تطبيق اللائحة في الوقت الذي يستمر العمل فيه بالنظام القديم مؤكدين أن اللائحة الجديدة يتم تطبيقها بعد تغيير نظام الفصل الدراسي الواحد إلى نظام الفصلين.

وعلى الرغم من أن الخلاف كان يمكن احتواؤه إلا أن حقيقة أن قيادة الطلاب تنتمي للتيار الإسلامي وإدارة الجامعة في عدن تنتمي الحزب المؤتمر هذا الوضع أسهم –كما يبدو– في زيادة التوتر وتطور المشكلة، فإدارة الجامعة لا تعترف على العكس من جامعة صنعاء – بوجود قيادة طلابية لها حق التحدث باسم الطلاب، ومن هنا حدث سوء التعامل مع القضية، واضطرت قيادة الطلاب إلى الدعوة إلى إضراب شامل عن الدراسة، وأداء الامتحانات في كلية الحقوق.

وللمرة الأولى ينجح في اليمن إضراب طلابي على هذا المستوى، ويظهر فيه التفاف الطلاب حول قيادتهم وتمسكهم بمواقفهم، لكن إلقاء قنبلة مجهولة الهوية على منزل رئيس الجامعة خلط الأوراق نوعًا ما، فقد اتجهت أنظار الأمن إلى الطلاب وتم اعتقال القيادات التي بادرت بالذهاب ذاتيًا، وأصدرت نداء من مقر احتجازها تدعو فيه القواعد الطلابية إلى التزام الهدوء وتفويت الفرصة على الساعين لتحويل القضية إلى منحنى آخر يضر بالطلاب.

وبالطبع فحادثة إلقاء القنبلة جاءت تطورًا مفاجئًا، مما جعل كثيرين يظنون أن هناك طرفًا ثالثًا أراد استغلال الموقف لخدمة أهداف أخرى بينما تعد مصادر الطلاب أن القنبلة لا تخدم أهدافهم ولا حركتهم السلمية، ويتخوفون أن يكون الغرض منها توفير أسباب لإجهاض مواقفهم وتشويهها عند الرأي العام، ولذلك بادروا بزيارة رئيس الجامعة في منزله، قبل أن يسلموا أنفسهم للشرطة، ومن جهته رفض رئيس الجامعة اتهام قيادة الطلاب بمسؤوليتها عن الحادثة، واتهم جهات أخرى، ولذلك تم إطلاق سراح الطلاب بعد أيام من الاحتجاز، لكن الإضراب استمر بعد فشل الطرفين في الوصول إلى صيغة اتفاق وسط.

انتخابات الجمعيات العلمية

أما في جامعة صنعاء، وتحديدًا في كلية الآداب، فقد بدأت أحداثها على خلفية انتخابات عادية للجمعيات العلمية التابعة للأقسام، وهي الجمعيات التي تتمتع بصلاحيات وحرية أوسع في الحركة ولا تتأثر بالمواقف السياسية عادة ويتم إجراؤها بإشراف الإدارة.

وكان الطلاب الإسلاميون قد اكتسحوا قبل شهرين تقريبًا انتخابات الجمعيات العلمية في كلية التربية بجامعة صنعاء، وهي النتائج التي عكست دلالة على قوة التيار الإسلامي، وخصوصًا أنها جاءت بعد حدثين، الأول هو فوز الإسلاميين في نقابة هيئة التدريس، والثاني: هو اشتداد الخلافات السياسية بين الأحزاب اليمنية وظهور اتهامات قوية بتزوير المرحلة الأولى للانتخابات وهي خلافات انضم فيها التيار الإسلامي إلى صف المعارضة، مما دفع المؤتمر إلى شن حملة إعلامية تفسر موقف الإسلاميين بأنه ناتج عن هبـوط شعبيتهم الجماهيرية وخوفهم من فشلهم في الانتخابات القادمة.

وهكذا جاءت الانتخابات الطلابية في الجمعيات العلمية لتؤكد تنامي شعبية الإسلاميين في أكبر جامعتين في اليمن ولتشكك في مصداقية الحملة الموجهة إليهم بانحسار شعبيتهم.

وفي كلية الآداب، حصل الإسلاميون على الأغلبية في الجمعية العلمية لقسم التاريخ التي كان الناصريون يسيطرون عليها، ويبدو أن هذه النتيجة قد استفزت مشاعر غضب وتخوفات من تکرار ما حدث في كلية التربية، لذلك بدأت تظهر بوادر صدام في انتخابات قسم المكتبات التي كان الفوز فيه محسومًا لصالح الإسلاميين، وتطورت الاحتكاكات بين طلاب التيار الإسلامي وطلاب المؤتمر الشعبي إلى مشادات بالأيدي أدت إلى إيقاف الانتخابات فيما زاد تدخل جهات أمنية من توتر الموقف مع صدور توجيهات باعتقال الطلاب الإسلاميين الذين تجمعوا بالعشرات في مسجد الجامعة ورفضوا تسليم أي طالب إلا لإدارة الكلية بشرط إجراء تحقيق مع جميع الأطراف لكشف المتسببين بالحوادث.

 ومع إصرار الطلاب وخروجهم كتلة واحدة دون تسليم شخص واحد تم تشكيل لجنة من جميع الأطراف للتحقيق وتحديد المتسببين بالحادثة.

لكن الحادثة أكدت وجود مكامن احتقان وتوتر في الوسط الجامعي، وتدل أحداثها –مع أحداث عدن – أن تغلب البواعث السياسية سوف يؤدي بالضرورة إلى تحويل الساحة الطلابية إلى ميدان الصراع العنيف، ما لم يتم تدارك الأعداد، وترك الجامعات لطلابها دون وصاية سياسية من الدولة.

الرابط المختصر :