; أحوال المسلمين عبر التجربة البلشفية في الاتحاد السوفياتي | مجلة المجتمع

العنوان أحوال المسلمين عبر التجربة البلشفية في الاتحاد السوفياتي

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 15-يناير-1985

مشاهدات 54

نشر في العدد 700

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 15-يناير-1985

المعلوم أن روسيا تستعمر جمهوريات إسلامية عدة في کارخستان وتاجیکستان والقرغيز وأوزبکستان وترکمانستان وأذربيجان ومناطق التاي وشوفاش وبلاد الفولجا، أورال وجمهورية القرم، وأغلبها تقع في آسيا الوسطى وبعضها في أوروبا.

وهؤلاء ما إن تخلصوا من قبضة الاستعمار الروسي القيصري حتى وقعوا في قبضة الاستعمار الروسي الشيوعي فكان ما حل بهم على يد الشيوعيين المستعمرين أضعاف ما حل بهم على أيدي القياصرة.

إن إبراز قضية المسلمين الروس لا يقل أهمية عن بقية قضايا المسلمين في كل الكرة الأرضية فهل يهتم المسلمون هنا بمحنة إخوانهم هناك؟

كانت المناطق الشاسعة الممتدة من قازان في بامير ومن سهول سيبيريا حتى نهر أراكس على الحدود الروسية التركية يقطنها سكان مسلمون يدينون بالإسلام وإن كانوا لا يؤلفون قومية متجانسة.

دخل الإسلام بلاد ما وراء القفقاس وما وراء النهر في القرن الثامن وظل ينتشر حتى سيطر على بلاد واسعة وانضمت جماعات كبيرة من مختلف الأجناس العرقية وهذه البلاد فيما كانت تسمى بالجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى وإن كانت بعض هذه الجمهوريات تقع في قارة أوروبا ولكن أغلبها تقع في قارة آسيا.

 قبل الثورة الشيوعية عام ۱۹۱۷ كانت بلاد المسلمين هذه تقع تحت قبضة الاستعمار الروسي الفيصلي حيث كان القياصرة يحكمون باسم المسيحية ويذيقون رعاياهم باسم الحق الإلهي سوء العذاب وخصوا المسلمين من ذلك العذاب بنصيب كبير.

ما كاد الروس يستولون على البلاد الإسلامية حتى تدفق على هذه البلاد أفواج من الفلاحين الروس لتوطينهم وفق سياسة استعمارية محكمة لتحقيق الدمج بين المسلمين والمسيحيين بغية تنصير المسلمين بعد تصفية النخبة الواعية ومحاربة الدين الإسلامي بانتهاج منهج ثقافي بعيد عن الإسلام.

اتسم موقف القياصرة منذ البدء بالعداء الشديد الصريح للإسلام فقد انتهجوا سياسة التنصير الإجباري ولإغراء المسلمين على اعتناق النصرانية أعفت الحكومة المرتدين من المسلمين من الضرائب والخدمة العسكرية كما اتبعت سياسة الترهيب ضد من يعتنق الدين الإسلامي باعتبار ذلك جريمة يعاقب عليها بالإعدام.

 بعد أن سقطت كل الرقعة الإسلامية في أيدي القياصرة المستعمرين تعرضت البلاد إلى ما يتعرض لها كل بلد يرزخ تحت نير الاستعمار. 

ونرى أن أول ما تعرض له المسلمون في تلك المناطق هو الغزو الفكري الذي جعل كثيرًا من مثقفيهم يقعون فريسة الأفكار الدخيلة الوافدة مع الاستعمار لإضعاف سلطان الدين في النفوس حتى لا تبعث حركة جهاد إسلامي لتحرير البلاد من سلطة الكفار الأجانب. 

ظهرت في الساحة الإسلامية في تلك البلاد حركات واتجاهات شتى نتيجة للتمزق والتفكك الذي أصاب مجتمعات المسلمين بعد الغزو الروسي لبلادهم تمامًا كما حدث في بلادنا بعد الغزو الصليبي في نهاية القرن الماضي وبداية هذا القرن. فكانت هنالك جماعات إسلامية تدعو لتحرير البلاد منتهجين خط الوحدة الإسلامية على أساس أن رباط الدين أقوى من كل رباط وكانت هناك جماعات قوية متفرقة وكانت هنالك جماعات متعاونة مع المستعمر ظنًا منهم من أنه الممكن نيل بعض الحقوق عن طريق هذا التعاون وظهرت جماعات اشتراكية نتيجة احتكاك بعض أبناء المسلمين بحركات الاشتراكيين الأوروبيين في مطلع هذا القرن.

 تلك كانت حالة مسلمي روسيا عشية ثورة البلاشفة، المثقفون منقسمون على أنفسهم كل فريق يعمل على شاكلته أنصار الدين والعرق والوطن، إلا أن جمهور المسلمين كانوا متمسكين بدينهم تمسكًا شديدًا شأنهم في ذلك شأن كل الجماعات الإسلامية التي تزداد تضامنًا وتمسكًا بعقيدتها بقدر ما تلقاه من ضغط وعداء من غير المؤمنين وكان شعور الأخوة الإسلامية موجودًا حتى بين الفرق والمذاهب المختلفة.

وجاء البلاشفة:

عند سقوط الملكية في شباط فبراير ١٩١٧ عمت اضطرابات شديدة مواقف المواطنين غير الروس واعتقد أن عهدًا للحرية على الأبواب وظنوا أن حكومة كريسكي ستكون دولة ديمقراطية حرة لدفاعها في البداية عن قضية القوميات ولكن سرعان ما بدا أن هدف هذه الحكومة هو القضاء على القوميات غير الروسية وبالأخص الإسلامية بل كان هدفهم من استمرار الحرب الاستيلاء على مركز الخلافة الإسلامية في إستانبول.

في الفترة ما بين فبراير ۱۹۱۷ وأكتوبر من نفس العام وهي فترة حكومة كيرنسكي نشط الزعماء المسلمون في كل المناطق الإسلامية يعملون جاهدين لتنظيم أنفسهم لكي يدافعوا عن حقوق بلادهم، وحاولوا الحصول على أقصى ما يستطاع من فوائد تفكك الدولة الروسية.

 وقع انقلاب أكتوبر بقيادة فلاديمير لينين في الوقت الذي كانت فيه الحركة القومية الإسلامية نشيطة جدًا ولكنها لم تبلغ أهدافها بعد ولم تتمكن من تجهيز الجماعة الإسلامية بإدارة مدنية وعسكرية قوية.

استطاع البلشفيك السيطرة على كل مكان من الإمبراطورية القيصرية وشعرت هذه الحكومة الجديدة بأهمية العامل القومي وسعت إلى كسب ود المسلمين واتخذت تدابير كثيرة ذات طابع دعائي فيها أنها أصدرت في ٢٤ أكتوبر ۱۹۱۷ نداءً خاصًا إلى المسلمين تعدهم باحترام معتقداتهم وعاداتهم وتدعوهم إلى تنظيم حياتهم القومية على هواهم بحرية تامة، وقد وقع على هذا النداء كل من لينين وستالين وإليكم نص البيان. 

«يا مسلمي روسيا من تتر الفولغا والقرم وقير غير وسارت وسيبيريا وتركستان وترك وتتر ما وراء القفقاس وتشيتش وجبلي القوقاس الذين هدم قياصرة روسيا المستبدون مساجدهم وبیوت عباداتهم والذين أهينت معتقداتهم وعاداتهم اعلموا أن معتقداتكم وعاداتكم ومعاهدكم القومية والثقافية ستكون بعد الآن حرة ومحترمة. نظموا حياتكم القومية بحرية تامة وبلا معارضة من قبل أحد فهذا حقكم واعلموا بأن الثورة كلها وبكامل منظماتها من منظمة اتحاد المندوبين إلى منظمة العمال إلى منظمة الجنود إلى منظمة الفلاحين، تحمي حقوقكم كما تحمي حقوق كل شعوب روسيا فانصروا إذن هذه الثورة».

في شهر ديسمبر عام ۱۹۱۷ نقل النسخة الموجودة من مصحف عثمان في المكتبة الوطنية إلى مركز مؤتمر بيتر وغراد الإسلامي.

 كان جوزيف ستالين مفوض الشعب لشئون القوميات وحاول استمالة بعض قياديي المسلمين للتعاون مع السلطة السوفيتية الجديدة، بشروط حسنة للمسلمين ولكن محاولاته قوبلت بالرفض التام من المؤتمر الإسلامي فذهب يبحث عن آخرين عملاء يتعاملون معهم.

في ١٩ يناير ١٩١٨ صدر مرسوم عن مجلس مفوض الشعب يقضي بإحداث مفوضية جديدة للشئون الإسلامية وعهد إليها مهمة بلشفة المسلمين في بضع سنين.

كان المسلمون يتطلعون إلى الاستقلال التام مغتنمين فرصة تفكك روسيا القديمة ولكن زعماء الشيوعية الجدد ما كانوا يرون حق الشعوب في الانفصال وكانوا يعتبرون بلاد المسلمين ذات أهمية بالغة بالنسبة لاقتصاد دولتهم الوليدة ولذلك صمموا على القضاء على أي مطالبة بالانفصال بالقوة باعتباره عملًا برجوازيا مناهضًا للبروليتاريا. 

وهكذا قضى رجال الحكم الجديد على أي مقاومة وطنية إسلامية بالعنف والقوة وقتل زعماء المقاومة أو سجنوا أو فروا ويعتبر انتصار البلشفيك على دعاة الاستقلال سهلًا وسريعًا وقد ارتكبوا مذابح بشعة تقشعر لها الأبدان وتشيب من هولها الولدان، وتلك المذابح هي التي وقعت في كل من كوكند وباكول وسيمفروبول وسيباستو بول.

الحرب الأهلية:

اندلعت الحرب المناهضة لسلطة البلاشفة في نفس عام انتصارهم على الملكية وحكومة كيرنسكي حيث اتحدت عوامل كثيرة جعلت عاصفة الحرب الأهلية تهب في كل تجاه وراح ضحيتها أكثر من عشرين مليونًا من البشر وهكذا ندرك أن الدولة الشيوعية الأولى ما قامت إلا على جماجم بشرية بعد أن سالت الدماء. جداول وأنهارًا. فالإنسان لا يساوي شيئًا عند الشيوعيين، فقد قال لينين من قبل إن هلاك ثلاثة أرباع سكان الأرض لا يساوي شيئًا إذا كان الربع الباقي سيخضعون للشيوعية!! 

اغتنم المناهضون للثورة الشيوعية في بلاد المسلمين فرصة تمرد أسرى الحرب من الجيش النمساوي والمعروف بالجيش التشيكوسلوفاكي واستيلائه على أمهات المدن القائمة على طول الخط الحديدي عبر سيبريا فحمل هؤلاء المناهضون السلاح ضد البلاشفة في كل مكان فضاعت منهم كل المناطق الإسلامية في روسيا ويتكون جيش المناهضين للسلطة الشيوعية الجديدة من الجيش الأبيض، وينضوي تحت لوائه المنشفيك والاشتراكيين الثوريين اليمينيين ومتطوعون مسلمون بالتحالف مع الجيش التشيكي، ويتلقى جيش البيض المساعدات والدعم من دول الغرب، ألمانيا وإنجلترا على وجه الخصوص وأيضًا تركيا.

وقد انضمت جميع المنظمات الوطنية الإسلامية إلى معسكر أعداء الثورة البلشفية لسببين:

الأول: إن البلشفيك أظهروا عداءًا صريحًا نحو الدين الإسلامي، والتطلعات الوطنية للمسلمين فضلًا عن الممارسات القاسية من المستعمرين الجدد ضد سلطان البلاد، فقد ساد أعمال عنف ونهب وتقشف واستبداد.

الثاني: استعداد الزعماء البيض لإجابة مطالب المسلمين في الاستقلال. 

ولكن انقلابًا سياسيًا وقع عند «البيض» في خريف عام ۱۹۱۸ أتى بقادة تنكروا لك الوعود التي بذلت للمسلمين مما حملهم إلى الاندفاع للجهة المعاكسة «البلشفيك» بعد أن أعطوا للمسلمين مواثيق وعهود بمنحهم استقلالًا ذاتيًا واسعًا وباحترام مؤسساتهم الثقافية والدينية. 

ما أشبه الليلة بالبارحة، المسلمون المضطهدون في أوطانهم يجرون وراء سراب الوعود المبذولة من الشرق والغرب، فتارة هم يد مع الغرب على من سواه وعندما يكتشفون زيف وعوده يتجهون إلى الشرق ريثما يتأكدون بأن هذا المستعمر ليس خيرًا من المستعمر الغربي فكلاهما استعمار وكلهم مصاصو دماء ومستبدون للشعوب.

 انتهت الحرب الأهلية عام ١٩٧٠ بانتصار ساحق للجيش الأحمر وأصبحت البلاد كلها تحت سيطرة الحكومة الشيوعية بعد أن خلفت هذه الحرب الطاحنة خرابًا يبابًا، وتركت المسلمين بالذات في حالة بؤس وشقاء إذ تبدلت أيام عام ۱۹۱۸ المليئة بالوعود المعسولة بأيام سود لا سيما أن أكثر الوحدات العسكرية قد انقرضت خلال هذه الحرب.

ما إن وضعت الحرب أوزارها حتى تنكر الزعماء البلشفيك بكل وعودهم وتلاشى لدى المسلمين حلم تأسيس دولة إسلامية في الفولغا وأورال الوسطى وأجيز الاقتراح الذي قدمه ستالين في المؤتمر الإسلامي بالإكراه والذي يجبر المسلمين بالانضمام للحزب الشيوعي الروسي الأم مما أحدث هوة سحيقة بين الحزب الشيوعي والمسلمين خاصة وأن ستالين المسؤول عن شؤون القوميات رجل صلف ومتغطرس يؤمن بالعنف والتصفية البدنية.

أدت السياسة الاستعمارية العاتية للسلطة الجديدة في بلاد المسلمين إلى اندلاع ثورة شعبية لاهبة واستمرت ثورة البصمتجيين إلى عام ۱۹۲۸ في تركستان وأوزبكستان حيث قمعت وأخمدت بالعنف.

كما يحدث الآن في أفغانستان وحدث في بلاد أخرى وقعت تحت براثن الشيوعية في كل القارات الخمسة، فقد اعتمدت السلطة السوفيتية الجديدة على بعض العملاء الذين يسمون أنفسهم بالشيوعيين الوطنيين.

 لقد تسلم هؤلاء قيادة الحزب الشيوعي في الجمهوريات الإسلامية وبدأوا يتبنون أفكارًا ودعايات مغلفة مخفين حقيقة الأطماع للقياصرة الجدد، واستمالوا عددًا لا بأس به من المواطنين الذين انخدعوا بالسراب، واعتقدوا أن التعاون مع النظام الجديد هو الترياق ضد الاضطهاد والظلم الذي وقع على المسلمين من الروس.

من الدعايات المضللة التي نشرت على المسلمين عام ۱۹۲۲ مثلًا: إن كل شيء يجعل الشعوب الإسلامية مهيأة للاتحاد مع الشيوعية وإن الإسلام مثل الشيوعية يذكر القومية الضيقة والإسلام عالمي ولا يعترف إلا بأخوة كل الشعوب!!

ولكن سرعان ما أدرك الوطنيون الحقيقيون الذين انخدعوا في بداية الأمر أن التفاهم مع الشيوعيين الروس مستحيل والتعاون معهم غير طبيعي فقد جاء البلاشفة الروس كمستعمرين جدد داعين إلى إيقاظ الشعور الطبقي وإطفاء الشعور القومي، تمهيدًا لإخضاع شعوب الجمهوريات الإسلامية لسطوتهم ونهب ثروات تلك البلاد، رافعين شعار «الثورة الاجتماعية» و«الجبهة المتحدة ضد الإمبريالية» و«يا عمال العالم اتحدوا». الاستعمار الشيوعي لتبديل كيان الشعوب وهضمها وإخضاعها.

لذلك حدث الانفصام بين دعاة القومية ودعاة الشيوعية وظهرت نغمة ناعمة ملساء کجسم الأفعى وهي عدم الدعوة إلى قدم الدين بل إلى جعله علمانيًا بحجة محاربة التعصب والدعوة مرة ثانية إلى التفاهم بين الاشتراكية والإسلام، واعدين باحترام التقاليد الإسلامية تمامًا كما يفعل أدعياء الماركسية في بلاد المسلمين اليوم إلا أن هذه السياسة كانت مفضوحة وعلم كل مسلم بقي على دينه أن الروس جاؤوا باسم «البروليتاريا» لتثبيت قبضة روسيا الاستعمارية على الجمهوريات الإسلامية واستكمال أعمال الدمج والهضم ثقافيًا واقتصاديًا.

سياسة التذويب:

بالرغم من عدم إنكارهم للفوائد المؤقتة من تعاون الشيوعيين مع الوطنيين المسلمين في بداية عصر الشيوعية إلا أن زعماء البلشفيك أخذوا يشيرون بالخطر المنتظر مستقبلًا، ولذلك فقد صرفوا النظر عن مبدأ الاستفتاء لتقرير السير الوطني واستبدلوا هذا باستفتاء لتقرير مصير العمال!! ورفعوا شعار ستالين «وحدة الأرض ووحدة الاقتصاد ووحدة اللغة ووحدة الثقافة» تمهيدًا لإلغاء الشخصية الإسلامية للبلاد المستعمرة وتذويبها في الشخصية الروسية، وذلك بفرض الوحدة قسرًا وإجبار المواطنين على تعلم اللغة الروسية، وفرض المناهج التعليمية الروسية على الجميع، وإلغاء كل مقومات الشخصية الإسلامية المتميزة لتفتيت الأمة وصهرها في الكيان الشيوعي. لذلك نشروا مفاهيم المساواة التامة بين الجنسين ودعوا إلى التحرر من أثقال التقاليد الدينية وزينوا الشهوات الهابطة في نفوس المراهقين، ودعوهم إلى اللحاق برفاقهم الروس اجتماعيًا للإسراع في بناء الاشتراكية جنة ماركس في الأرض!

وألغت السلطات الشيوعية الزواج الديني وشجعت التفلت والتحرر من قيود الأخلاق وجعلت الزواج مدنيًا ومنعت تعدد الزوجات وحاربت الحجاب على أنه ظاهرة إقطاعية. فكيف يمتلك الرجل المرأة لنفسه وحده دون غیره كالأرض أيام الإقطاع!!

ولإذابة الكيانات المسلمة شجعت الحكومة الزواج المختلط بين المسلمين وبين الروس وصارت نسبة الزواج المختلط مرتفعة حيث بلغت في بعض الجمهوريات أكثر من 15%.

كان هم قياصرة الروس الجدد الذين جاؤوا متدثرين بثوب الشيوعية هو إخضاع الشعوب الإسلامية في الجمهوريات الإسلامية إلى سلطتهم، وبعد الحرب الأهلية اتبعوا سياسة الشدة لمواجهة طبيعة الإسلام المقاوم لأي نفوذ أجنبي عكس المسيحية التي خضعت لهم بسهولة ويسر.

الإرهاب الستاليني:

مارس دیکتاور روسيا ستالين ومعنى اسمه الرجل الحديدي كل أنواع الإرهاب ضد المسلمين فقام بتصفيات بدنية بشعة للنخبة الممتازة والصفوة الخيرة من مسلمي العهد الذي سبق الثورة «الانتلجنسيا» واستهدفت الحملة في المقام الأول رجال الدين من علماء وفقهاء وأئمة المساجد، حتى أن عدد ضحايا القتل والإرهاب في عهد ستالين يربو على ١١ مليون مسلم، بحجة محاربة الانحراف القومي وتطلعات البرجوازية. ولم تخف وطأة هذه الحملة الإرهابية إلا عشية الحرب العالمية الثانية. ولجأت إلى أسلوب اللين والمهادنة لكسب عطف المسلمين لتأمين الجبهة الداخلية لمجابهة الغزو الألماني واندحار الجيش الأحمر أمامه في أول سنيي الحرب.

وبعد انتصار الحلفاء والروس على ألمانيا عادت سياسة الإرهاب مرة أخرى ومارس ستالين اضطهاده القديم للمسلمين بحجة أن هؤلاء رحبوا بمقدم الألمان وضاعت نتيجة هذا الاضطهاد جمهورية القرم التي ألحقت بجمهورية أوكرانيا وأصبحت جزءًا منها. واستوطنتها جنسيات روسية وأوكرانية بعد طرد سكانها وقتل وتشريد زعمائها ورجال الدين فيها.

أما في المناطق الإسلامية الأخرى في آسيا الوسطى وهي المنطقة التي سلمت من ويلات الحرب، فإنها في سنوات الحرب تعرضت لموجات بشرية روسية جاءت مع الشركات الصناعية الفارة من مناطق الغزو الألماني وقد استوطنت هذه الأعداد الهائلة من الروس في آسيا الوسطى، مما أحدث انقلابًا هائلًا في نسبة السكان، حيث صار المسلمون في أوطانهم أغلبية ضئيلة.

الحرب ضد الدين الإسلامي:

انتهج الشيوعيون الحمر أساليب ووسائل شتى لضرب الدين الإسلامي وأمانته في نفوس المسلمين لكي تحل العقيدة الشيوعية الملحدة الناكرة لوجود الله محل العقيدة الإسلامية.

 بدأت الحرب بوسيلة ماكرة في أول الأمر حيث شنت وسائل الإعلام آنذاك حملة عنيفة ضد الأخلاق والتقاليد والعادات والأوضاع البالية في عرفهم وانساق لهذه الدعوة بعض المخدوعين من أبناء المسلمين. 

وبعد التمهيد النفسي قامت السلطات الشيوعية بتأميم المنظمات الدينية ووضعت يدها على جميع المراكز الإسلامية وحددوا لهذه المراكز دورًا واضحًا حيث قالوا «ليست مهمة هذه المراكز الروحية نشر الدين ولا إعطاء ثقافة دينية بل مهمتها مراقبة الدين وتنظيمه على هوى حكومة الاتحاد المركزية». 

قامت الحكومة بهدم جميع المؤسسات الجماعية لإنهاء سيطرة الدين، فألغت المحاكم الشرعية وحالت المدارس الدينية وسلبت أموال الوقف وألغت الزكاة وجعلت يوم العطلة الأسبوعي الأحد بدلًا من الجمعة، إمعانًا في الكيد للمسلمين.

ولبلوغ هدفهم حاربوا دور العبادة وأصبحت السخرية من الشعائر التعبدية للإسلام أمرًا مألوفًا مما يوحي بأن الأيدي اليهودية هي المحركة للحملة، فأقفلت المساجد، فقد كان عدد المساجد في آسيا الوسطى عدا بخاري ۲۷ ألف مسجد تحولت كلها إلى متاحف ومراكز للحزب الشيوعي، وحتى اسطبلات الخيول، ولم تسمح ببناء مساجد جديدة بطبيعة الحال، إلا أن خرتشوف عام ١٩٥٦ وفي غمرة الحملة ضد ستالين والانفتاح على العالم بعد أن ضرب ستالين سورًا حديديًا على الاتحاد السوفيتي سمح بترميم بعض المساجد لزوم الدعاية. ففي موسكو مسجد قديم صغير لا يسع إلا لعدد ضئيل رغم أن عدد المسلمين كثير، وكذلك الحال في كل المدن ويقدر عدد المساجد التي سمح بفتحها بأقل من ٢٥٠ مسجدًا، أما العلماء المؤهلون فنادرًا جدًا، بعد أن كانت تلك المناطق مراكز إشعاع لنور الإسلام.

وبالمقابل فقد انتهج الشيوعيون نهجًا حاقدًا ضد الإسلام بالذات، فألغت جمعيات الحادية في البلاد الإسلامية بشكل مكشوف فهناك «اتحاد ناكري الله» و«اتحاد من لا إله لهم» ومجلة «العداء للدين» ومجلة «العلم والدين».

 قبل الحرب كافح الشيوعيون ضد الإسلام إداريًا وبوليسيًا. أما بعد الحرب ولأنهم يريدون نشر الشيوعية في بلاد المسلمين المجاورة لهم والبعيدة فعمدوا على الكفاح على الصعيد الأيدلوجي مثيرين الشبهات التي أطلقها اليهود والصليبيون ضد الإسلام وتشريعاته. 

تستعمل جميع وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية ضد الإسلام والهزء بتعاليمه، فكم من نشرات تثقيفية ضد الدين توزع وكم من مقالات تنشر وكم من كتب تطبع، وكم من محاضرات تلقى، في عام واحد «١٩٦٣» ألقيت ١٠ آلاف محاضرة في جمهورية أوزبكستان. 

وقد تكونت بعد الحرب جمعية اسمها جمعية نشر المعلومات السياسية أخذت على عاتقها مكافحة الإسلام ونشر الإلحاد وسط السلمين جنبًا إلى جنب مع منظمات الحزب، و«الكومسومول» منظمة الشباب وفروع مؤسسة ماركس- أنجلز- لينين، بالإضافة إلى جهود وزارة الثقافة في كل جمهورية.

كما أن الأفلام السينمائية والمتاحف الثابتة والمتحركة والمساجد التي تحولت إلى متاحف تستغل للدعوة للإلحاد والسخرية من الدين. 

والذي يقرأ الأدب الإلحادي يدرك كم من الوقاحة بلغ هؤلاء القوم حتى أن الشيطان يقول إني بريء مما تقولون وتفعلون.

بعد هذه الجهود الإدارية والبوليسية والعلمية ضد الإسلام اهتزت صورة الإسلام في أذهان أهله ولا سيما النشء ولم يبق للدين شيء من الممارسة الدينية للفروض والشعائر. فالصلاة الآن محصورة في الشيوخ والزكاة ممنوعة والصيام وضعت عراقيل وعقبات في طريقه أما الحج فقد كان ممنوعًا منعًا باتًا وسمح لعدد قبل بالحج بعد الانفتاح الخرتشوفي للدعاية.

ما شاهدته في روسيا وفي الجمهوريات الإسلامية أثناء إقامتي ست سنوات الدراسة هناك، هو أن هناك من بقي على دينه رغم التعذيب وعمليات الإبادة وما يحكونه من الأهوال ما تشيب له الولدان. وقد ابتعد هؤلاء بفعل الحصار المضروب عليهم ومنعهم من الاتصال بإخوانهم المسلمين في العالم- عن الإسلام الخالص.

 ولكن المؤكد أن هؤلاء قلة قليلة تركوا على حالهم لأنهم بعد الحملات المسعورة ضد الدين لا خطر يتوقع منهم ثم أن الشيوعيين برروا ذلك بقولهم «ماذا نعمل مع الهوس الديني للمسلمين»!!

 والحقيقة المرة أن الجانب الأكبر من الشعوب الإسلامية فعلت فيه الدعاية الإلحادية فعلها، فهم إما منكرون للدين أصلًا أو جاهلون به كافرون، وتحول الإسلام عندهم إلى قومية أكثر منه دين، فكثيرًا ما يقول كل السكان هناك إنهم مسلمون ولكنهم ينكرون وجود الله!! أما علامة إسلامهم فهو الختان!! وبعض عادات الزواج والأسماء.

تفكيك الأسرة:

الأسرة في الفكر الشيوعي ظاهرة برجوازية لا يجوز التمسك بها، ويجب محاربتها بشتى الطرق. وعندما جاء الشيوعيون في بلاد المسلمين مستعمرين بذلوا جهدهم للقضاء على الكيان الأسري وهدمه إن استطاعوا.

الرابط المختصر :