; أخيرة: فرض الكفاية.. أساس المسؤولية الاجتماعية (5) | مجلة المجتمع

العنوان أخيرة: فرض الكفاية.. أساس المسؤولية الاجتماعية (5)

الكاتب د. إبراهيم البيومي غانم

تاريخ النشر السبت 17-نوفمبر-2012

مشاهدات 52

نشر في العدد 2027

نشر في الصفحة 66

السبت 17-نوفمبر-2012

 الانسياق خلف المفاهيم والمصطلحات الوافدة أدى بنا في كثير من الأحيان إلى طمس مفاهيمنا ومصطلحاتنا الأصيلة، كما أدى إلى تجميدها وحرمان المجتمع من فوائدها نظريًا وتطبيقيًا.. وهذه هي الحال بشأن تفضيل استخدام مفهوم «المسؤولية الاجتماعية»، وربطه بمفهوم المجتمع المدني؛ دون ربطهما على الأقل بمفهوم «فرض الكفاية»، أو بالأولى الاستغناء بـ «فرض الكفاية»، عن مفهوم «المسؤولية الاجتماعية».. وكلما دققنا النظر في مضمون المسئولية الاجتماعية، تبين لنا أنه أقل كفاءة وأدنى مرتبة من مفهوم «فرض الكفاية».

إذا وسعنا مفهوم «المسؤولية الاجتماعية»، فبإمكاننا النظر إلى فاعليات كل مؤسسات المجتمع المدني على أنها تعبير عملي عن هذا المفهوم، بل يصل اتساع هذا المفهوم إلى حد يستوعب كافة المهمات التي تتعدى الذات إلى الغير؛ ابتداءً من مسؤولية الوالدين تجاه أبنائهما، وصولًا إلى مسؤولية الحاكم تجاه شعبه، والمفهوم بهذا الاتساع يصبح هلاميا ويفقد مقدرته التفسيرية والتحليلية معًا.

أما إذا ضيقنا معنى «المسؤولية الاجتماعية»، كما يفعل علماء الاقتصاد والإدارة مثلًا، فإنها تصبح مرادفة للمسؤولية المحاسبية التي تنصرف أساسًا إلى مسؤولية شركات القطاع الخاص تجاه العمال والبيئة والفئات المحرومة في المجتمع، وحسب هذا المعنى الضيق، فإن «المسؤولية الاجتماعية» يجب أن تنعكس في دور المؤسسة الربحية تجاه المجتمع في الأنشطة التي تقوم بها في مجالات عديدة ذات طابع اجتماعي، ومنها: الصحة، والبيئة، وكل ما له علاقة بحقوق الإنسان وقوانين العمل.

وهناك من يرى أن المسؤولية الاجتماعية تحددها أعراف المجتمع وتقاليده واحتياجاته، وهي تتصل عادة بجانب الواجبات المرتبطة بأدوار الفرد، وهي الأدوار التي تؤدي وظائف أساسية لصالح بناء المجتمع، حيث يستوجب عدم الوفاء بها العقاب الذي يبدأ مخففاً كاللوم، ويتدرج في الشدة بحسب أهمية المسؤولية ذاتها.

وفي رأينا أن مفهوم المسؤولية الاجتماعية المتداول، هو مفهوم غامض، ومطاط، ويمكن تشكيله حسب وجهة نظر كل من يتحدث عنه هو مفهوم يشير بشكل مجمل إلى التزام أصحاب القدرة تجاه مجتمعهم وبيئتهم التي فيها يعيشون ويعملون.

 وأيًا ما كانت حدود مفهوم «المسؤولية الاجتماعية»؛ فإن علاقته بمفهوم «المجتمع المدني» ليست أقل غموضًا وإبهامًا، ففي حال وسعنا معنى المسؤولية الاجتماعية تصبح مرادفة لمعنى المجتمع المدني، أو تكاد، وفي حال ضيقنا معناها تصبح معبرة عن أحد فعالياته فقط.

 ثمة منازعة فكرية وعملية، نظرية وتطبيقية حول مفهوم المجتمع المدني ذاته منذ وروده إلى السياق العربي قبل حوالي ثلاثة عقود من السنين ونظرًا لأن الأصول الغربية لهذا المصطلح تجعله ملتبسًا وربما غامضًا عند استعماله في السياق العربي الإسلامي، فقد انقسمت الآراء بشدة بين عدد من الاتجاهات، منها: فريق ذهب إلى أن المجتمع المدني، مفهوم يشير إلى مجموعة المؤسسات والتنظيمات التي تستند إلى أسس مدنية اجتماعية من وضع البشر أنفسهم؛ أي أنه نقيض مباشر لكل ما هو ديني أو ذو مرجعية دينية. 

وفريق آخر ذهب إلى أنه يشير إلى تلك المؤسسات والتنظيمات التي تنبع من المجال الاجتماعي، وتعمل لصالحه، أيًا كان الأساس الفلسفي الذي تقوم عليه؛ دينيًا أو مدنيًا، وأن هذه المؤسسات والتنظيمات تستهدف أيضا وضع مجموعة من الكوابح والروادع التي تحد من سلطة المجتمع السياسي أو العسكري الذي تمثله الدولة وبهذا المعني يصبح المجتمع المدني نقيضًا لما هو سياسي أو عسكري أو حكومي.

وذهب فريق ثالث إلى تحديد المقصود بالمجتمع المدني على أنه «مجال للحرية أو الاستقلال النسبي عن الدولة»، وأنه مجال يشتمل على كافة الظروف التي تكفل الحياة الاجتماعية الجيدة.. وآخرون يقولون: «إنه مجال للتفاعل الإيجابي ما بين الدولة من جهة والمجال العام بما يضمه من تنظيمات طوعية من جهة أخرى، والسوق بما يشملها من اتحادات وشركات خاصة من جهة ثالثة».

المجتمع المدني هو إذن قطاع له استقلالية نسبية عن المجتمع الأوسع، ويتمتع بوضع قانوني منظم، ويقوم على أساس طوعي.. إلخ، أو هو «حالة» للمجتمع الأوسع ذاته، وليس قطاعا منه فقط، وأن صفة المدنية فيه تفترض حضور الفرد وقبوله الطوعي الحر للمشاركة في اتخاذ القرارات التي تتعلق بمستويات مختلفة من الحياة العامة انطلاقًا من قناعاته الذاتية، وليس من التزاماته القبلية أو الدينية.

وطبقًا لهذا التصور، فإن المجتمع المدني يشير إلى منظومة من العلاقات التي تحكم الحركة الكلية للمجتمع وعلاقاته ومثلما انقسمت الآراء بصدد تعريف مضمون المجتمع المدني، تباينت المواقف من الحكم على وجود ما يصدقه من مؤسسات وتنظيمات في الواقع الاجتماعي.. فالبعض أنكر وجوده بأي شكل من الأشكال، بينما ذهب البعض الآخر إلى أن هناك عديدًا من المؤسسات والهيئات التي يمكن تصنيفها مجازًا ضمن «المجتمع المدني»، وفي مقدمتها المساجد الجامعة، والأوقاف والمدارس الأهلية، والبيمارستانات ومشافي العلاج المجاني، وصور أخرى من أعمال الخير والمنافع العمومية.

ما يهمنا التأكيد عليه هنا هو أن استخدام مصطلح «المجتمع المدني» حديث في مجتمعاتنا، وهو شديد الارتباط بالتجربة الغربية؛ لاسيما في وجهها الليبرالي - الديمقراطي، وهو أكثر التصاقًا بعملية تشكيل وعي المواطن وحقوقه في التمتع بحياة مدنية حرة في مواجهة النظام الكنسي المستبد الذي خنق العلم وأهدر الحريات، وأدان العقل، وتحالف مع سلطات الدولة في قهر المجتمع.

إن المقارنة بين المجتمع المدني بمؤسساته الحديثة والمجتمع الأهلي بمؤسساته التقليدية الموروثة، لا تعني أننا ندعو إلى استبدال حتمي للمؤسسات الموروثة بالمؤسسات الحديثة، أو أن نرفض الحديثة فقط لكونها موصوفة بهذه الصفة، وخاصة أن المؤسسات والصيغ التقليدية للعمل الأهلي التي قامت على أساس فكرة «العصبية»، أو الانتماء إلى طائفة أو جهة، هذه المؤسسات خضعت في معظم الحالات لتغيرات جوهرية في أدائها لوظائفها، فقد كانت تشكل في مجملها صورة للتوحد القائم على الولاء للأمة، والالتزام بأهدافها الجماعية، أما في الوقت الحاضر، وفي ظل الدولة القطرية التي رسمت حدودها السياسات الاستعمارية أكثر مما رسمتها المصالح الوطنية، فإن قيام تلك المؤسسات على أسس طائفية، قد يقودها إلى خدمة أغراض أخرى، تخدم التجزئة، والتفكك الاجتماعي، واللامسؤولية تجاه المجتمع ووحدته؛ فضلًا عن أنها لا تضمن تحقيق أهداف «فروض الكفايات».

الرابط المختصر :