العنوان أدب (العدد 609)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-فبراير-1983
مشاهدات 59
نشر في العدد 609
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 22-فبراير-1983
محطة
أشهد قدام التاريخ:
خيبر لن تكبر!!»
خيبر تتهاوى!
ونوافذ كسرى تهوى!!
والنيل:
يريد العودة للشكل الآخر!!
النيل يريد العودة!!.
العاصي... يجري دمًا!!
«عندما حضرت الوفاة السلطان العادل صلاح الدين الأيوبي- رحمه الله، قال يوصي ولده من بعده: يا بني!.. إياك والدم، فإن الدم لا ينام!!»
يا طيرَ الشوقِ أجبني:
مَنْ تلك الغافيةُ على خُضرةِ شَطَّيها غافلةُ عن مكرِ الأعداءْ؟!
أخبرني، عن تلك الحالمة بأمجاد القدماءِ
وسكيّنُ الأحقادِ العصريةِ
تتَغلْغَلُ بينَ الأحشاءْ!!...
مَنْ لَوَّنَ صفحةَ «عاصيها» بالأحمرِ؟
مَنْ غطىّ وجهَ خمائلِها الزاهرَ
باللهبِ الأسودِ تنفُشُهُ أحقادُ الأجيالْ؟
مَنْ حَرَقَ الأطفالِ؟ فماتتْ بعضُ الزَّهْراتِ البيضاءِ
بأيديهمْ شائِهةَّ سوداءْ؟!
مَنْ حطَّم معنى الفَرَج الأخضر في قلبِ العَذْراءْ؟
مَنْ داسَ- ولم يرحمْ- جُثةَ شيخٍ
مَحْنِيَّ الظهرِ على الأحفادِ، يُلملِمهُم بجناحيهِ
ويدفعُ عنهم لهبَ النارِ وجمرَ الحِقدِ،
إذا بالكلِّ لدى النيرانِ.. سَواءْ!!
مَنْ مَزَّق مهجة أمٍ سقطتْ تحت حرابِ الأعداءِ
تدافعُ عن مُهَج الأبناءْ؟!
مَنْ ضَيَّعَ عقلَ أبٍ ضاعَتْ كُلُّ أمانيهِ هَباءْ!
تتوقَّفُ بعضُ نواعيرِ النهر، فقدْ شَرِقَتْ
كلُّ منافِذِها بدِماءِ الشهداءْ؟
وتمدَّدَ بينَ أضالِعِها الرَّطْبةِ بعضُ الأشْلاءْ!!
فتوقَّفَ نبْضُ القلبِ وأُبْلِسَ مَذْعورًا
منْ أنْ يَسْحقَ أفئدةَّ حَمَلتها جِنَّياتُ الماءِ
وألقَتْها بينَ المِحور والحُلَفَاءْ!!
وأنا: قلبي عصفورٌ بَلَّلهُ مَطَرُ «شُباطَ»
وألقْاه صريعًا تحتَ صَقيعِ الشامِ
تَجّمدَ، حتى ما يعرفُ كيف يضُمُّ بجُنْحَيهِ صغيراتٍ
يَبْعَثْ فيهنَّ الدِّفءَ.. فقد ماتَ؟!!
وهلْ يُدْفِىءُ قلبُ المَيْتِ.. مَوَاتَ الأحْياءْ؟!!
واهًا منْ أمِّ الشهداءِ!!
فقد نسيتْ في ساعةِ صَفحٍ وإخاءٍ
أنّ الحْرباءَ هي الحْرباءْ!
نسيتْ أنَّ الغادرَ يَتَدَسَّسُ في كل غِطاءْ!
مِحْنَتُها: هذا النُّبْلُ المُسْتعلي فوقَ صَغار الضُّعفاءْ!
غَلظَتُها: تركتْ ساحَتها يعبَثُ فيها.. الدُّخَلاءْ!!
عفوًا.. يا أمَّ الشهداءْ!
تتراجعُ كلماتي خَجْلي في ذكرى مأساتِكِ
والشعرُ هَباءٌ والقلبُ خَواهْ!
لكِنْ.. لا بأسَ فإنًّ دوامَ الحالِ مُحالْ،
لا يأسَ، وهذا الزمنُ يدورُ كما دارتْ
فيكِ نواعيرٌ وأنْصبَّ الماءْ!
عيدٌ.. يومَ تعودين لنا عُرْسَ فِداءٍ
ويُوَلّي عصرُ الجبناءْ!!!
يا ذاك الطيرُ.. أجِبني: كيف ينامُ دم ما زالَتْ ذَرّاتٌ
منه تُشَعْشِعُ في رُوحِ الماءِ؟!
وذَراتٌ منه تُعشعِشُ في كل مكانٍ يأتيهُ هَواءْ؟
أحمد راجي
قصة قصيرة
حوار في الليل
جلس الأب والأم والطفلة الصغيرة يسمرون أول الليل.. وفجأة دخل ابنهم الشاب؟ وقد بدا مكفهر الوجه غاضبًا؟!
الابن: لا بد لهؤلاء الخونة من تحطيم لا بد أن نقضي عليهم حتى ولو أدى ذلك إلى مقتلنا جميعًا.
الأب والأم: بشيء من الدهشة: ما وراءك يا بني؟
الابن: وبكثير من التلعثم... الخونة.. المارقون.. الطائفيون.. يحاصرون المدينة المجاهدة ويقصفونها بالطائرات.. والدبابات.. و..
الأب: وما دخلنا بهم يا ولدي.. انتبه لمستقبلك.. واهتم بدراستك.. سنة واحدة وتتخرج مهندسًا، وتبني بيتًا سعيدًا.. ولا شأن لنا بهذا؟!
الابن: لا شأن لنا؟ !!.. والآلاف يقتلون ويذبحون.. ونحن هنا جالسون لا يهمنا سوى مستقبلنا ودراستنا، وحياتنا الدنيوية.. بل لا نفكر في ديننا أبدًا ولا..
الأم: تقاطعه: دعنا من مشاكل الناس يا بني.. يكفي أننا نصلي ونصوم ونعبد الله ولا داعي لأن نذهب إلى هناك يا بني.. ثم إذا أردت أن تذهب أنت فهذا يعني أنك ستفرط بنا.. لو علموا بخروجك يا بني لهدموا الدار علينا.
الأب: من الذي يغذيك بهذه الأفكار؟ ومن أين تأتيك. حتى أذهب إليه وأمزقه..
الابن: تمزقه!! ألأنه يزكي فينا روح الجهاد؟! ألا أنه يدلنا على تخريب الطاغية الجبان؟! ألأنه يعرفنا على حقيقة المأساة.. اسمع يا أبي..! أكاد أفقد عقلي لا بد من التحاقي بالمجاهدين.
الأب: تلتحق بالمجاهدين! وأي مجاهدين تقصد؟.. إنهم يقاتلون ولا ندري ما يريدون..؟ ثم إننا سمعنا بالجهاد على دور الصحابة القدماء.. فهل يوجد جهاد الآن يا ابني؟ ثم إنهم سيدمرون البيت علينا إذا علموا بخروجك.
الابن: كفى يا أبي.. أما علمت أن الجهاد هو الذي يرفع شأن المسلمين... وإن انقطع الجهاد في فترة من الفترات فإنه بسبب ضعف المسلمين.. ثم أما علمت أن الشباب الذين يقتلون هم من خيرة شباب الأمة.. أوما علمت كيف يزج الطاغية بهم في السجون؟ ... إنهم هبوا من أجل رفع ستار لا إله إلا الله ومن أجل الدفاع عن مقدسات الأمة وحرماتها.. أما مزق طاغية حجاب المؤمنات الطاهرات في شوارع العاصمة وأهانهن، وهتك ستارهن، وانتهك أعراضهن ومنعهن من الدخول إلى المدارس محجبات.. إن هؤلاء الفتية يقاتلون من أجل هذا الدين وقدسيته..
وانطلق ليلبس حذاءه ويسير..
الأم: تصرخ باكية.. ليتني لم آت بك إلى الوجود.. أين ستذهب.. إلى الموت؟!
الأب: أقسم ألا أدعك تغادر من هنا وإلا سأتصل..
الابن: سألتحق بهم.. وأرجو من الله أن يرزقني الشهادة حتى أكون مع الفريق الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء الصالحين... إنني لم أعش لدنياي يا أبتاه...!!
الأم: وعروسك التي تنتظرك منذ سنة؟
الابن: مقاطعًا: لن يكون هناك تراجع.. ألا تريدني يا أماه أن يكون ابنك أميرًا يمرح في الجنان اللهم ارزقني الشهادة في سبيلك..
وقف الأب فاغرًا فاه.. والأم مشدوهة.. وقد سال الدمع من عينيها.. وهما ينظران إلى فلذة الكبد وهو يفتح الباب قائلًا:
أماه قد أزف الرحيل فهيئي كفن الردى *** أماه إني زاحف للخلد لن أترددا
أماه لا تبكي على إذا أسقطت ممددا *** فالموت ليس يخيفني ومناي أن أستشهدا!!
وسار الشاب المجاهد.. سار بعد أن ودع والديه وأغلق الباب خلفه..
الأب: رعاك الله يا ولدي.. رغم أننا سنفخر وسنحزن عليك كثيرًا.. الأم لن أبكي يا ولدي حزنًا عليك.. لكني سأبكي لأني افتقدت رجلًا من بيتي!!
وساد صمت رهيب.. عاد الأب بذاكرته إلى الوراء.. وتذكر حديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الذي سمعه من إمام المسجد الذي توفي تحت التعذيب في سجون الطاغية... «تضمن الله لمن خرج مجاهدًا في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسلي فهو ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى منزله الذي خرج منه بما نال من أجر أو غنيمة..
والذي نفس محمد بيده ما من كلم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئته يوم كلم. لونه لون دم وريحه ريح مسك والذي نفس محمد بيده لولا أن يشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبدًا ولكن لا أجد سعة فأحملهم ولا يجدون سعة ويشق عليهم أن يتخلفوا عني والذي نفس محمد بيده لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقْتِل ثم أغزو فأُقْتَل.
وخرجت زفرة من أعماق الوالد.. وارتفع صوته ممزوجًا بشيء من الحشرجة.. وكانت الدموع تذرف.. والطفلة الصغيرة مندهشة.. أي بني. فزت ورب الكعبة!!
أبو اليمان
عمان
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل