; أدب: المجتمع (633) | مجلة المجتمع

العنوان أدب: المجتمع (633)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 16-أغسطس-1983

مشاهدات 67

نشر في العدد 633

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 16-أغسطس-1983

ملحمة من الشعر

تراتيل على أسوار تدمر (2) 

للشاعر: يحيى البشيري.

     استعرضنا في العدد الماضي التراتيل الثلاثة الأولى من المجموعة الشعرية (تراتيل على أسوار تدمر) الصادرة عن دار النذير للأستاذ الأديب المجاهد الشاعر يحيى البشيري، وملحمة التراتيل هذه صورة شعرية، ونموذج فني من أعمال الشاعر في تصوير آثام الطغيان، وقد استلهمت الملحمة حدثها من المجزرة الرهيبة التي وقعت في سجن تدمر الصحراوي في يونيو عام 1980م، وقد جاءت الملحمة في تراتيل؛ لأن المأساة كانت ذات فصول، أما التراتيل الأولى فهي (القدوم: وهو صورة حية لقدوم المساجين إلى سجن تدم- التحقيق: وهو وقفة ما بين السجين المسلم والجلاد- المحكمة: ويتضح فيه إصرار الطاغوت على إرهابه وبطشه).

     وبعد التحقيق والمحكمة يعزف الأستاذ البشيري بأنغامه التي فرجت الحزن بالإباء، والشموخ تراتيل الرابع، والخامس، والسادس، والسابع.

  • الترتيل الرابع- في السجن الجماعي:

     وفيه يتعرف المساجين المسلمون على بعضهم، فهذا طالب في المرحلة الإعدادية، وذاك شرطي رفض أن يكون جلادًا، والثالث أستاذ في الجامعة، وآخر عضو في إحدى النقابات، وآخر فلاح مسكين رفض سمسرة الحكم، و... و... إذًا فيد الطاغوت الأئمة لم تدع طبقة من طبقات المجتمع إلا وامتدت إليها.

  • وبينما السجناء يتهامسون يهمس أحدهم:

  • لا ترفع صوتك قد جاءوا، وحذار حذار من الصوت إن يسأل من صلى منكم، فالكل يجاوب بالصمت.

  • ويدخل الجلاد مناديًا:

  • أنتم في السجن أذلاء.

- لا صوت يجيب على الشتم.

- أنتم عملاء أنذال.

- لا صوت يرد على اللوم.

- نحن العظماء الأبطال.

حررنا القطر من الدين 

وخرافات منها الصوم 

والقائد أعظم إنجاز

ما الله؟ وما هذه القيم؟

لا ترفع كفأً لله.

بدعاء لن تتقن آية.

  • وهكذا يضع الشاعر في وجدان قارئه الترتيل أن الطاغوت عدو له، بل هو عدو الله، وعدو لهذا الدين، فليس غريبًا أن يكون عدوًا لأتباع هذا الدين.

  • الترتيل الخامس- العيد:

وأي عيد يقضيه سجن في زنزانة؟ وأي عيد من الذل والقهر والطغيان؟

  • يقول الترتيل:

  • العيد بتدمر إن تصغي 

للصمت، وهل يرجى صمت؟ 

أن يمضي اليوم بلا قهر 

أن توقف ساعات الذل 

أن تشعر أنك إنسان 

أن تبصر سحنة سجان 

لدقائق يبسم بالغلط 

أن يحضر أفواجًا أخرى 

دفعت للسجن بلا سوط. 

  • نعم في تدمر السجين منقطع عن الناس، عن أهله وذوي.. وعن أمر:

  • هل عدت كما عادت أمي؟ 

ردت من غير مقابلة 

وقفت بالباب تناشدهم 

أن تنظر دون مكاملة.

  • الترتيل السادس- الأخدود:

     حديث الأنذال يلهون بمصائر الناس، والشعب الأعزل تدين سياط الإرهاب، وطاغوت يفتخر بقتل الشعب الأعزل في الأخدود الأكبر:

  • يقول الترتيل:

  • في كل مكان من بلدي 

تلقى ساحات الإعدام

وقضاة القتل بلا سبب

في محكمة للميدان

  • ويجمع المعتقلون في ساحة الإعدام في هذا الترتيل، حيث تمر الدقائق الحزينة التي يتساءل الترتيل عما جرى فيها:

  • أسمعت بساحة إعدام

ضمت عشرات من بلدي

أسمعت بمحكمة تقفي 

بدقائق دون مراجعة 

بالقتلى تحمل أجسادًا 

أكداس البعض على البعض؟ 

بقوافل تمضي حاملة 

جثثًا فيها نبض القلب. 

بدماء ترسم مأساة 

للحزن بلوحات الأرض؟

  • ويعرض الترتيل هذه الصورة على صور تاريخية كثيرة، فلا يجد أجزع، وألم، وأحزن مما فعله طاغوت بلده.

  • ترتيل السابع- المذبحة: 

  • وتتألق رمزية الشاعر في ترتيل المذبحة حيث أصوات اليوم والغربان السود، والأفاعي تختلط بأصوات الأسرى، وحشرجات النزع الإنساني، لكن من يدري فليس هناك غير صاحبة المملكة التي تسأل: 

  • أو يغدر بالأسرى علنًا 

وأنا ما زلت بمملكتي 

ويعود إلينا رومان 

وتهان كرامات الناس 

  • هو يستدرك الترتيل على بلقيس مؤكدًا حقيقة الطاغوت وأصله القرمطي.

  • عفوًا عذرًا، يا مولاتي 

الغادر ليس من الروم 

الغادر ليس من الروم 

يا قرمط زمزم ليس هنا 

لا الكعبة، لا الحجر الأسود 

فطريق الحج محولة 

لم تعبر منها قافلة 

والحج لتدمر لم يعهد 

فعلام نزلًا بآلاف 

بمعنى بهم للبغي شقي؟

  • وهكذا تنتهي التراتيل والطاغوت مصر على الجريمة، لكن أملًا يضيء في وجدان المسلم.

  • لو أدركنا بعض الثأر 

وصبغنا الظلمة بالفجر 

لفقت عينا ثأر أرق

وتلونا: غد جاء الفتح

وفي العدد القادم -إن شاء الله- سنلقي الضوء على الجوانب الفنية لهذه الملحمة فإلى اللقاء.

محطة:

  • أعليك أيا وطني الأكبر 

أن تحني الجبهة في ضعة 

وتهون لأحذية العسكر 

أن تحسب صمتك من ذهب 

فالصمت لمثلك لا يرضي 

بل صمتك ذنب لا يغفر 

من أقصى الأرض لأقصاها 

ترضى بالذنب وبالمنكر 

فبكل مكان قد حفروا 

للشعب أخاديد الموت 

صبرًا يا أهل الأخدود 

فبتدمر إخدودي الأكبر

البشيري.

أقصوصة:

حكاية محمد أبو الفقراء 

بقلم: شريف الراس.

     حكاية محمد أبو الفقراء حكاية بسيطة جدًا، ومذهلة جدًا، وغير معقولة جدًا جدًا، وهي حكاية مختصرة جدًا بدأت، وانتهت في لحظة خاطفة.

    فقد كان محمد أبو الفقراء -وهو عامل حفريات فقير- جالسًا في بيته في الحي الجنوبي بمدينة حماه السورية، فسمع صوت يد يدق على باب الدار، وصوتًا ينادي: «افتحوا الباب»، فقام وفتح الباب، فوجد أمامه ضابطًا بنجمة واحدة، وخلفه دبابة. 

- نعم؟ أؤمر يا حضرة الملازم. 

     محمد أبو الفقراء لم يخف ولم يضطرب، (وسنعرف السبب بعد قليل)، بل أنه كان في غاية الاطمئنان.

     حضرة الملازم لم يعرف من هو محمد أبو الفقراء لم يسأله حتى عن اسمه، وإنما سأله: 

- هل يوجد رجال غيرك في هذا البيت؟ 

- نعم، يوجد إخوتي الثلاثة أحمد، وعبد الرحمن، ومصطفى، وهم جميعًا -مثلي- عمال حفريات. 

أمره الملازم: ناد عليهم. 

     محمد أبو الفقراء نادى على أخوته الثلاثة فجاءوا، وحين صار الأربعة في الشارع، وقبل أن يقولوا أهلًا وسهلًا عاجلهم حضرة الملازم الشجاع بطلقات رصاص من رشاشه السريعة، فسقطوا قتلى غارقين بدمائهم، انتهت الحكاية.

تسألون: لماذا؟ كيف؟ أهكذا، بمنتهى البساطة، ينادي على إنسان مسالم، أعزل آمن بريء، فقير، فيقتل غيلة، هو وإخوته الثلاثة على باب بيتهم؟

     حضرة الملازم لا وقت لديه للإجابة على مثل هذه الأسئلة السخيفة، فقد نفخ بفمه فوهة بندقيته الرشاشة، بمنتهى الاستخفاف واللامبالاة، وتحرك ليدق على باب البيت المجاور.

     تسألون: لماذا لم يكن محمد أبو الفقراء حذرًا؟ لماذا لم يختبئ؟ لماذا لم يهرب؟ لماذا لم يدافع عن نفسه ولو بالكلمات؟ فما دامت مدينته كلها قد استبيحت للقتل على هذا النحو غير المعقول فلماذا لم...؟

بل: كيف قابل قاتله بكل هذا الاطمئنان؟

- أنا أخبركم.

محمد أبو الفقراء وإخوته الثلاثة اغتيلوا في اليوم الثالث للمجزرة الرهيبة، إذن فقد حدث ذلك في اليوم الثالث؛ أي في وقت كان فيه سكان الحي الجنوبي قد صاروا في غاية الاطمئنان والثقة بأنهم بعيدون عن المجزرة تمامًا، لماذا؟

  • لسبب جغرافي؛ لأن بيوت هذا الحي الجديد تقع في أقصى المدينة جنوب الملعب البلدي الجديد، أي أنها بعيدة عن بيوت المدينة القديمة التي عمرها أكثر من خمسة آلاف سنة، والتي صدرت الأوامر بنسفها وتدميرها، وقتل كل من فيها، ومحوها من الوجود تمامًا، وها إن تنفيذ الأوامر يجري منذ يومين. 

  • ولسبب انضباطي؛ فسكان هذا الحي لم يطلقوا طلقة رصاصة واحدة في اليوم الأول للمجزرة، ولذلك اكتفى السيد القائد بأن أمر بأن ينادي على رجال الحي ليجتمعوا في شارع الملعب، فجاء رجال الحي جميعًا، ولم يتخلف منهم أحد في بيته، واجتمعوا في شارع الملعب، فلم يقتلهم أحد، وإنما اكتفى السيد القائد بأن ألقى فيهم خطابًا مليئًا بالشتائم النابية، والتحذيرات الخطرة، والتهديد بأنهم سيقتلون جميعًا، ويذبح أطفالهم، وتنتهك أعراض حرماتهم، «إذا سمعنا صوت طلقة رصاص واحد من أي بيت، وأنتم تعرفون بأننا نقول ونفعل، إذن فمصلحتكم أن تظلوا هكذا عاقلين وصامتين».

     ثم أصدر أمره بالانصراف، فعاد الناس إلى بيوتهم سالمين، وعاقلين وصامتين.

     وفي اليوم الثاني توطد الشعور بالاطمئنان، فقد نودي على رجال الحي بأن يخرجوا من بيوتهم، ويجتمعوا في شارع الملعب، فخرج الناس من بيوتهم واجتمعوا في شارع الملعب، وجاء ضابط آخر، بشتائم مفردات قاموسية أخرى، فكرر تحذيرات السيد القائد ذاتها، ثم أوعز بالانصراف، فانصرف الجميع إلى بيوتهم سالمين، وعاقلين، وساكتين.

إذن فلم الخوف، أو الحذر، أو القلق إذا ما نودي عليهم في اليوم الثالث؟

     أكثر من ألف وسبعمائة إنسان عربي مسلم اغتيلوا، مثلما اغتيل محمد أبو الفقراء وإخوته الثلاثة، في أقل من ساعة، اغتيلوا غدرًا، وفوجئوا بانتهاك الثقة والاطمئنان، ولم تفسح لهم الفرصة حتى ليسألوا: لماذا؟

     أكثر من ألف وسبعمائة رجل من سكان حي جنوب الملعب بمدينة حماة السورية العربية المسلمة العريقة اغتيلوا على أبواب بيوتهم في ذلك اليوم، يوم 4/2/1982م منهم الخياط بسام بن الحاج وزكريا الرأس، ومنهم سائق الشاحنة الحاج شريف اللاذقاني، وأولاده الثلاثة (طلاب)، ومنهم وليد اللاذقاني (موظف)، وسبعة رجال آخرون من آل اللاذقاني، ومنهم أبو جهاد النحاس وأولاده الأربعة، وخمسة رجال من آل الخباز (بائعو خضار)، وخالد عدي وابنه وليد (موظف) وهاشم العطار وشقيقه وأولاد شقيقه الثلاثة، ويحيى أحمد الزين، وأخوه عبد العزيز (بائعا صوف)، وأحمد هدلة (جزار)، وزياد درويش (دهان)، ومصطفى دلول (حمال)، وفتحي دعبول وأخوه عبد الرزاق (موظف) وأبوهما أحمد دعبول (جزار)، وزهير البظ (مدرس)، وحسام الرحمون (طالب)، وخمسة شبان من آل الشريقي: فيصل وحسان وحسين ومنير وأحمد (موظفون)، وأحمد تاجه (بستاني) وستة شبان من آل العتر، وأكرم فتوحي (سائق)، وصلاح الفرج (نجار)، وأخوه محمد (كهربائي)، وأنور ملي وأولاده الأربعة، وفهد رسمي وستة من أولاد عمه، وحاج رضوان الملي (بائع طوابع). 

     وهكذا فأن حكاية محمد أبو الفقراء فيها أكثر من ألف وسبعمائة (أبو الفقراء) كلهم قتلوا خيانة وغدرًا، وبمنتهى اللؤم والخسة والنذالة، في حي واحد من مدينة عربية مسلمة، لم تجد من يسمع استغاثاتها، وهي تذبح تحت سكين الطاغية الهمجي طوال شهر كامل، وتصرخ، والدماء تنفر من عنقها: وا إسلاماه، وا عروبتاه.

     انتهت مجزرة هذا الحي العربي، وتم تنفيذ الأوامر حرفيًا، ورجع أمر قوات الذبح المظفرة لينقل إلى السيد القائد بشرى الانتصار العظيم: 

- سيدي... تم قتل كل رجل وجدناه في حي جنوب الملعب البلدي، لم يبق فيها إنسان فوق سن الرابعة عشرة. 

     كان هذا «الآمر» البطل ينتظر أن يسمع من السيد القائد كلمة ثناء ووعدًا بترفيع أو مكافأة أو على الأقل دعوة لشرب كأس ابتهاجًا بهذا الانتصار العظيم، لكنه فوجئ بالسيد القائد -على العكس تمامًا- ينتفض غاضبًا، ويقول له:

- أأنت تسخر بي يا هذا؟ اصغ بأذنيك جيدًا، إنني ما أزال أسمع طقطقة رصاص هناك في جنوب الملعب. 

- لكن... (بارتباك) سيدي... تلك المنطقة تقع جنوب الملعب البلدي القديم.

- وأنت ماذا فعلت؟

- نحن نهبنا إلى جنوب الملعب البلدي الجديد، معنى هذا أنه راح بالخطأ المحض أكثر من (1700) قتيل.

انفجر السيد القائد ضاحكًا، وقال: 

- ولا يهمك، خيرها بغيرها، تعال اشرب معي كأسًا.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 80

100

الثلاثاء 05-أكتوبر-1971

قصة قصيرة..  أبو الفقراء

نشر في العدد 1595

79

السبت 03-أبريل-2004

المجتمع المحلي: العدد 1595

نشر في العدد 590

114

الثلاثاء 12-أكتوبر-1982

أدب: (العدد 590)