; قصة قصيرة.. أبو الفقراء | مجلة المجتمع

العنوان قصة قصيرة.. أبو الفقراء

الكاتب أحمد محمد الصديق

تاريخ النشر الثلاثاء 05-أكتوبر-1971

مشاهدات 68

نشر في العدد 80

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 05-أكتوبر-1971

هلم بنا نتفقد أهل المنازل النائية.. وينطلق الرجلان في عرض الطريق.. ويغيبان في الظلام... كان الليل يرخي سدوله على المدينة، طاويًا جناحيه على أطرافها.. ليقيها هبات الريح الباردة التي كانت تتسرب من تحت أذياله، وكأنها السهام الحادة.. تنفذ إلى العظام، فترتعد الفرائص، وتصطك الأسنان... وقد لاذ كل حي إلى كنه يأوي إليه، ويستدفىء به، فمنهم من يعمد إلى موقد نار يوقده ليسمر حوله مع أولاده، يقص عليهم أخبار الجهاد المقدس والمواقع التي خاضها وأبلى فيها بلاء حسنًا ضد الأعداء... ومنهم من يقف خاشعًا في محرابه، يطيل القيام بين يدي ربه.. ومنهم من بات يفكر في الحياة والموت، وأمر المعاد، وما يتخلله من حساب وجزاء، فتفيض عيناه، ويجدد توبته وعهده مع الله، وكانت خارج المدينة، على مرمى النظر، خيمة تقوم في العراء، رثة مهلهلة، تتجاذبها الرياح.. تضم امرأة ليست كبيرة السن، ولكن يبدو عليها الضعف والإعياء.. ومعها صبيان يتضافون من شدة الجوع والقر، وإلى جوارها قدر منصوبة على نار، وماء يغلي فيها، وحصيات تعلو وتهبط مع فقاقيع الماء، محدثة صوتًا رتيبًا، يقلل الصبيان بالسكوت ويغريهم بالنوم ...

وخرج هذان الرجلان من المدينة، يحدوهما واجب

ومسئولية.. ويلمح أحدهما النار التي لاحت له من بعيد

فيقول:

_ إني أرى ها هنا ركبانًا قصر بهم الليل والبرد.. هيا بنا ننظر ما شأنهم.. ويشير بيده إلى حيث يمم سيره، والآخر يتبعه.. لقد كان الرجل طويل القامة عظيم المنكبين، سريع المشي، واسع الخطى.. كل شيء فيه يوحي بالقوة والحزم والرجولة الفذة.. وكان الآخر خادمه يسمع له ويطيع، ولا يكاد يلحق به إذا اشتد في مشيته.. وسلم الرجل على المرأة... لقد كان صبيانها يصطرخون... فاغرة أفواههم.. ضامرة وجوههم .. طاوية بطونهم... يلتحفون اسمالهم تارة ويرفسونها بأقدامهم تارة أخرى ثم يهبون مذعورين، وقد لسعهم البرد، وعضهم الجوع، وتلوت امعاؤهم كأنها تعصرهم عصرًا..

وقف الرجل وهو لا يكاد يصدق ما ترى عيناه.. لقد كان بادي التأثر.. عميق الدهشة.. سأل المرأة قائلًا:

_ ما بالكم؟

فأجابته:

_ قصر بنا الليل والبرد...!

_ وما بال هؤلاء الصبية يتضاغون؟!

فترد عليه بكلمة واحدة أغنتها عن البيان.

_ الجوع!..

ويتقدم الرجل نحو القدر خطوة ناظرًا فيه:

_ واي شيء في هذا القدر؟ فتصمت المرأة قليلًا.. ثم تتنهد.. وتقول:

_ ماء اسكنهم به حتى يناموا..

وتشيح بوجهها عنه، وهي تكاد تجهش بالبكاء، ثم تردف قائلة:

والله بيننا وبين عمر!..

فيعجب الرجل من قولها ويجيبها على الفور:

_ أي رحمك الله! وما يدري عمر بكم؟!

فتسدد إليه نظرها.. ثم تقول بجرأة وذكاء فطري:

_ يتولى أمرنا ثم يغفل عنا؟!.

هبت الريح وحركت أهداب الخيمة.. ولامست الوجوه أناملها الباردة. حاملة إلى الخيمة بعض الأعشاب اليابسة والرمال الناعمة.. فتوهجت النار تحت القدر، وزغرد الشرار متطايرًا هنا وهناك..

وسكت الصبيان فترة وهـم يصوبون أنظارهم إلى ذلك الرجل وتشرئب أعناقهم نحوه. وكأنهم رأوا فيه منقذًا يأتي لهم بالطعام، وكيف لا يفعل وهو يشاهد ما هم فيه من ضيق وكرب، حتى كادت كبده تنفطر من الآسى وظهرت على وجهه إمارات العطف والرحمة والمواساة الحقيقية.. ولكن لم يطل بهم هذا الحلم العذب.. فأنه ما لبث الرجل أن أنصرف وعاد أدراجه فيراجعهم القلق.. والحزن... ثم يسأل أحدهم قائلًا:

_ أين ذهب الرجل يا أماه؟

_ إلى المدينة يا ولدي..

_ وهل سيحضر لنا طعامًا؟! فتحار أمه بماذا تجيب.. ثم تقول:

_ نم يا حبيبي.. وسوف ينضج العام الذي في القدر.. فتأكل منه.

ولكن الصبي لا يقتنع بصحة هذا القول، فيجار بالبكاء ويصرخ معه أخوته الصغار.. منتجه الأم إلى الله بالدعاء... راجية من ربها أن يرحم فلذات كبدها، وأن يهيء لهم من أمرهم يسرا، ويجعل لهم فرجًا ومخرجًا.

أما الرجل، فلم يمض عليه وقت يسير حتى كان في «دار الدقيق» التابعة لـ«بيت مال المسلمين» حيث شمر عن ساعديه وأخرج عدلًا من دقيق وكبة من شحم، ثم قال لصاحبه:

-أحمله علي..

 فيستحي منه خادمه ويقول له متأدبًا:

-أنا أحمله عنك.

فيجيبه الرجل مستنكرًا:

-أنت تحمل وزري يوم القيامة؟! لا أم لك!.. أحمله

علي..

فلا يجد مناصًا من أن يحمله عليه، ثم ينطلق الرجلان، والريح الباردة تعبث بهما... والنجوم قد احتجب ضوءها خلف الغيوم.. واشتدت حلكة الليل ووعورة الطريق.. وما زال الرجل وخادمه يغالبان ذلك كله حتى وصلا إلى الخيمة والقيا ما يحملان عند المرأة..

كان الدخان يتسلل من خلال لحيته العظيمة.. ثم يلتف ويستدير في حلقات وأشكال مختلفة.. ثم يتصاعد في سماء الخيمة، ويتبدد بعد لحظات.. وقد أخرج من الدقيق شيئًا ثم جعل يقول للمرأة: ذري على وأنا أحر لك.. وبين الحين والآخر ينيخ على ركبتيه ويستند على الأرض بيديه وينفخ تحت القدر نفخات تخرج من حنايا صدره وتندفع من بين شفتيه قوية حارة، فيزيد ذلك من هيبته وجلاله.. حتى طبخ لهم، وقد خيم على المشهد جو مهيب يكاد ينطق كل ما فيه بأن هذا الذي يحدث أنما هو أروع وأسمى صورة حية لمبادئ الخير جميعًا..

وينزل الرجل القدر عن النار ثم يقول للمرأة..

- أبغني شيئًا..

فتأتيه بصفحة.. فيفرغ القدر فيها، ثم يأخذ منها بيده قطعة.. يسطحها ويناولها المرأة قائلًا:

- أطعميهم .. وأنا أسطح لهم .. وأقبل الصبيان يأكلون فرحين .. فلم يزل حتى شبعوا.. وترك عندها فضل ذلك ثم قام..

فجعلت تقول:

جزاك الله خيرًا.. كنت بهذا الأمر أولى من أمير المؤمنين..

فيبتسم الرجل، ثم يقبل على المرأة قائلًا:

- قولي خيرًا.. إذا جئت أمير المؤمنين، وجدتني هناك إن شاء الله...

 ثم تنحى ناحية، وربض مريضًا، حتى رأى الصبية يصطرعون، ثم ناموا وهدأوا.

 فقام يحمد الله.. ثم قال لصاحبه:

-  يا أسلم: أن الجوع أسهرهم وأبكاهم.. فاحببت أن لا أنصرف حتى أرى ما رأيت...

ولعل المرأة قد ذهبت صباح اليوم التالي، وعلمت أن ذلك الرجل أنما كان هو بعينه.. أمير المؤمنين.. الفاروق.. عمر بن الخطاب..

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

142

الثلاثاء 24-مارس-1970

الثَور الأبيَض

نشر في العدد 10

91

الثلاثاء 19-مايو-1970

النصر الأعظم