; أدب | مجلة المجتمع

العنوان أدب

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 17-فبراير-1987

مشاهدات 74

نشر في العدد 805

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 17-فبراير-1987

قصة قصيرة

المتفرج

لم يكن الأفق الشرقي قد بشر بالفجر حين وجد نفسه وحيدًا في صالة المطار! وقف عند البوابة مترددًا بين البقاء والسفر، وسرحت خواطره في حقول الأمس لعله يعيش الحلم من جديد، وتمنى لو كانت «وداد» معه الآن تخفف عنه آلام الرحيل.

لفحته نسمة باردة من نسمات تشرين أيقظت في أعماقه ذكريات الوحدة، واجتاحه القلق وهو يرى نفسه بلا أنيس، وتلفت يبحث عنها بلهفة لعلها جاءت تودعه! لكنه سرعان ما تذكر أنها لن تأتي، وأنها قالت له في المساء:

- إنني لا أطيق لحظات الوداع في المطار يا فايز. لهذا فإنني أودعك الآن.

وطبعت على وجهه قبلة ناعمة وانتهت لحظات اللقاء الأخير كالحلم!

حين صعد إلى الطائرة كانت الساعة تشير إلى الرابعة فجرًا. أخذ مكانه بجوار النافذة كعادته، وأغمض عينيه.. كيف لم تأتِ لوداعه؟ وكيف طاوعها قلبها أن تسلمه هكذا للغربة والوحدة؟ وكيف يصبر على فراقها بعد أن ملأت عليه حياته؟

- الحزام لو سمحت.

قطعت عليه المضيفة أحلامه. فأمسك الحزام في حسرة واستسلام. فيما بدأت الطائرة رحلتها فوق المدرج، التفت إلى جاره فوجد المقعد خاليًا! فازداد شعوره بالوحدة واشتعل حنينه إليها.. تراها نامت هذه الليلة؟ مستحيل. لابد أنها قضت الليل ساهرة تفكر فيه. ولعلها الآن في شرفتها بين الياسمين تتطلع إلى السماء باحثة عن طائرته. أو ربما كانت تدير جهاز التسجيل لتسمع كلماته التي سجلها لها يوم أمس.

تذكر أيامهما معًا وأحاديث الياسمين وعادت به الذاكرة إلى يوم فاتحها بأمر الزواج. فقالت والحياء يطوف بأهدابها:

- انتبه يا أستاذ. إنك تتحدث في السياسة!

فابتسم وقال:

- ولكنها سياسة سلمية كما ترين. فأنا لا أحب المعارك (ثم تنهد وتابع): لقد مللت يا وداد. وأتمنى أن يستقر بي المركب.

فغمزت وسألته:

- وهل أنت واثق أنني الشاطئ الذي تريد؟

فأجاب في وله:

- كل الثقة. وحين تقبلين سأحطم المركب عند قدميك.

فقالت: والدهشة العذبة تعلو وجهها:

- إلى هذا الحد؟!

قال: وأكثر.

تململ في مقعده وهو يصحو إلى نفسه في الطائرة التي تسرع به إلى المصير المجهول. ولعن ذلك الانفجار الذي اقتحم عليهما حياتهما على غير ميعاد! وتذكر يوم جاءته وداد مخطوفة اللون. مرهقة. تقول:

- فايز أرجوك دعنا نسافر.

- ولكن! لماذا؟

- لقد حدث انفجار آخر في شارعنا.

- انفجار آخر!!

- أجل. لم أعد أطيق البقاء هنا يجب أن نسافر.

- ولكن إلى أين؟

- إلى أي مكان.. أي مكان بعيدًا عن هذه المدينة المجنونة! لقد قتل جارنا أبو تحسين في الحادث وأخذوا أبي للتحقيق. تململ في مقعده ثانية وهو يسترجع ذكرى كل اللحظات العصيبة.. أشعل سيجارة وراح يرشف دخانها بنهم. ثم أغمض عينيه في نشوة.

- لقد أصبحت أملي الوحيد يا فايز وأتمنى أن تدوم حياتي معك بلا نهاية.

- إذن. لماذا تفكرين بالسفر وتنسين حبنا؟!

- إن حبي لك هو الذي يدفعني لأكتم عواطفي. وأحكم عقلي. فقاطعها ضاحكًا:

يا وداد. الحب شيء والعقل شيء آخر.

نظرت إليه بلا ابتسامة. وقالت: يا فايز. الأحوال تسوء يومًا بعد يوم. ولم أعد أحس بالأمان.

عاد يضحك من جديد. وعيناه تحاصران عينيها القلقتين. وقال: حبنا هو الأمان الوحيد يا وداد.

قالت ضجرة:

لقد حدث انفجار بالأمس في فرع البرلمان و...

قال:

ولكن حبنا لم يصب بأذى!

آثرت الصمت. وألقت نظراتها الغاضبة نحو الأفق الذي بدأ يغرق في الليل. ثم قالت بانكسار: أرجوك يا فايز. أنت تضحك هنا. وأنا قلبي يكاد أن ينهار. لم أعد قادرة على العيش في هذا الجحيم! يجب أن نرحل.

قال يخفف عنها:

يا عزيزتي. إنها خلافات بين الحكومة والمعارضة. فما دخلنا نحن؟

قالت: الانفجارات يا فايز لا تفرق بين من له دخل ومن ليس له دخل!

ابتسم واحتار كيف يبعد عنها هاجس الخوف. ثم مد يده إليها بزهرة ياسمين وقال: - أما أنا فلا دخل لي بأحد غيرك.

أخذت الزهرة. وغصبت نفسها على الابتسام فيما تابع هو:

متي تحدد موعد الزفاف؟

قالت: وقد سددت إليه نظرة:

أرجوك أن تسافر يا فايز.

- وحدي؟!

- أجل فالاعتقالات ناشطة هذه الأيام. وسألحق بك بعد امتحاني..

ولكن.. يا وداد ما دخلي أنا؟! ومن قال لك إنني ضد الحكومة؟

- أرجوك أن تفهمني يا فايز.

- يا وداد.. أنت لا تفكرين إلا بالانفجارات والاعتقالات ووجع الرأس! أرجوك دعينا من الدنيا كلها ولنفكر في حالنا معًا.

- إن تفكيري في حالنا معًا هو الذي يجعلني أرتعد من الخوف. فأنا لم أحتمل فكرة أن أفقدك يا فايز.. أرجوك أن تفهمني. رشقت كلماتها روحه بعبق ندي وفتحت له باب العشق على مداه فقال بفرحة طفولية:

- إذن بالله عليك دعينا نتزوج.

فردت بإصرار: ليس في هذا الجحيم. وأرجوك أن تسافر.

- وداد.. أنت تعرفين أنني لم أعد أطيق البعد عنك يومًا واحدًا فكيف تتصورين أن نفترق؟!

- لا تسميه فراقًا. إنه استعداد للقائنا الدائم يا فايز «ورفّت أهدابها تداري سحابة من الدموع» تأكد يا فايز أن حبي لك هو الذي يدفعني لأطلب هذا منك.

***

- أي نوع من الشراب تريد حضرتك؟

صحا على صوت المضيفة. بادلها بابتسامتها ابتسامة شاردة. وقال:

- قهوة لو سمحت.

وراح يرشف القهوة بغير شهية. تناول ورقة وغمرته السعادة وهو يفكر أن يكتب لها عن سهرتهما أمس..

- هل أنت سعيد؟

- ألا يبدو عليَّ؟

- فقط أريد أن أطمئن.

- سعيد جدًّا.

_ وأنت؟

- أنا؟ كلمة السعادة لا تكفي للتعبير عما أحس به. لقد تغير كل شيء في حياتي منذ عرفتك. وعندما أكون معك أرى الدنيا أحلى وأجمل ولحظتها أتمنى لو أبقى هكذا إلى الأبد. غير أني خائفة!

- تخافين؟!

- أجل يا فايز أخاف عليك. لم أعد أحتمل فكرة أن أفقدك

دق جرس الطائرة دقات سريعة كأنها الصواعق فانتفض من حلمه. وداهمه الصوت آمرًا عنيفًا «اربطوا الأحزمة» وسمع من يقول «يا لطيف».. وهاجت الدنيا من حوله. ثم عاد الصوت يردد أوامر كالرصاص: أطفئوا السجائر. ارفعوا أيديكم فوق رؤوسكم. لا تتحركوا فأنتم مراقبون!

وانقطع الصوت وترك المحركات تهدر وحدها في الصمت الذي غدا كالموت. تلفت حوله فرأى الأيدي المرفوعة في استسلام مذعور، وعاد الصوت المرعب «نحن عائدون لنهبط في المطار. وإذا استجابت الحكومة لمطالبنا فسوف نطلق سراحكم» وثارت الجلبة من جديد وهمست أصوات مرتعدة «إذن فنحن رهائن! رهائن؟! رها..» ثم دوَّى صوت رصاصة واحدة هدأ بعدها كل شيء وانقطعت الأنفاس.. فدارت به الدنيا وأطبقت عليه الهواجس وردد في هلع:

- وداد! وداد! ما دخلي أنا؟

ووقف يصرخ دون وعي!

- مستحيل مستحيل. ما دخلي أنا؟ ما دخلي أنا؟ وفي ثوانٍ كان أحد المسلحين عنده أمره بالجلوس. فلم يهدأ بل اشتد صراخه:

- لا دخل لي بكم. دعوني. لا دخل لي بكم ولا بالحكومة. ولم يمهله المسلح بل هوى بالمسدس على رأسه. فخر على الأرض بلا حراك!

                                                                     د. أحمد محمد كنعان

متى نصحو؟

متى نصحو ونغسل عن محاجرنا

قذى الجهل؟

لكي نرنو إلى الدنيا

ونعرف أين موقعنا؟

بواد نحن أم سهل؟

لكي ندري حقيقتنا

هويتنا التي ديست مع الوحل

***

متى نصحو؟

ونحن قلوبنا ليست لخالقنا

وليس الحب للرحمن

بل للشرق والغرب

وهل نصحو وألف غشاوة غطت بصائرنا؟

دون الخالق الرب

***

نعم.. ما زال نور الله موجودًا

يبدد ظلمة الدنيا

وما زالت عقيدتنا هي النور الذي يهدي

نعم... هذا كتاب الله محفوظ

وفيه الحق ينقذنا

ويزهق باطل الأعداء في شرق وفي غرب

حسين فليفل

الرابط المختصر :