; قصة العدد- نور في الأفق المظلم- الجزء الثاني | مجلة المجتمع

العنوان قصة العدد- نور في الأفق المظلم- الجزء الثاني

الكاتب المحرر الثقافي

تاريخ النشر الاثنين 01-يناير-1979

مشاهدات 111

نشر في العدد 426

نشر في الصفحة 42

الاثنين 01-يناير-1979

ملخص ما نشر

*عبد المجيد شاب صغير تحت العشرين، طالب في المرحلة الثانوية. يتوقع أن يعتقل في أي وقت، بعد أن تم اعتقال عدد كبير من الإخوان المسلمين في عامي ١٩٥٤و ۱۹٥٥م. ويعمل معه شباب في مثل سنه، منهم صديقه صادق الذي سافر معه إلى الإسكندرية ومرض هناك، ودخل مستشفى الحميات. واستقال عبد المجيد من المعسكر الذي سافر إليه ليكون قريبًا من المستشفى. 

وخرج صادق من المستشفى بعد شفائه، وقضى يومًا ممتعًا في بيت عمة عبد المجيد ثم ذهب في الليل إلى المعسكر، وتم اعتقاله من المعسكر في تلك الليلة الرهيبة، مما اضطر عبد المجيد إلى العودة إلى القاهرة. وعلم من أبيه أنهم جاءوا وفتشوا البيت، ولما جاءوا في اليوم التالي سلم نفسه، وسيق إلى مبنى وزارة الداخلية في قلب القاهرة.

-1-

وقت الظهر، وشمس أغسطس ملتهبة بنار لا تطاق. ومبنى وزارة الداخلية ملتهب بنار تزداد اشتعالًا كلما دخل المبنى شخص جديد مطلوب للاعتقال، كأنه وقود النار. في تلك الساعة من الظهيرة المتأججة بنار الاعتقالات ونار أغسطس، وقف أبو عبد المجيد في ساحة المبنى يمسح عرقه الذي يتصبب على وجهه المحتقن بما يكتم. لا يستطيع أن يصرخ، مقيدًا بأغلال لا ترى، وإن كان يحس بها. ابنه عبد المجيد داخل المبنى الكبير يواجه النار وهو في تلك السن التي لم تتجاوز العشرين. لمحه يهبط على الدرج، فاندفع نحوه بأبوة قلقه، وسأله: 

-هل انتهى التحقيق؟ 

ولكن جنديًا حال بينهما بذراعه وباعد، وكاد يطرح الأب أرضًا حين أراد أن يمنعه من الاقتراب. وكان عبد المجيد يحمل حقيبته ويحدق في أبيه بنظرات ترجمت كل معنى يتمنى أن يقوله له. فهم أبوه أن الكلام بينهما ممنوع، وأن ابنه صار معتقلًا منذ تلك اللحظة. رجع الرجل خطوات إلى الخلف، وغرق في عرقه، وفي بحر من العذاب. غير أنه لم يفقد نفسه. ظل ينظر إلى ابنه حتى رآه يركب سيارة عسكرية مدعمة بالجنود، ومدججة بالسلاح، ويجلس بجانب السائق في المقدمة ضابط شرطة، في یده أوراق.

خلع الأب طربوشه، ووضع منديله على رأسه، ثم لبس الطربوش، تدلى المنديل على أذنيه وجزء من جبهته، ومع ذلك لم يصد اللهب المتوقد. وتصدعت رأسه. وخيل إليه أن ابنه الجالس بين الجنود يناديه، فجرى وراء السيارة التي انطلقت في نفس اللحظة، يبدو أنه تأكد أن ابنه يلوح له، جعل يجري وراء السيارة ويلوح ويتمتم بصوت لا يسمعه أحد:

-مع السلامة يا ابني.. مع السلامة.

خرجت السيارة من ساحة المبنى. وجنحت إلى الشارع نحو نهاية مجهولة. وانقطعت الصلة بين الأب وابنه فأقلع عن الجري بلا فائدة. وسار في الشارع المضطرب الصخاب. اختفت السيارة في الضباب. لا أحد يعرف لماذا يحدث هذا كله؟ قفل عائدًا إلى بلدة «عزبة النخل» وقد فوض أمره لله وحده. نظر إلى السماء ودعا الله بالنجاة للابن، وبالصبر للأم، أما هو فلا يضعف إيمانه أبداً، ولن يضعف بإذن الله.

-٢-

من بوابة السجن الحربي. دلف عبد المجيد، وعرف أنه ذاهب إلى جهنم التي أشعلها البشر. تم تسليمه إلى المسؤولين عن السجن. ورجعت السيارة العسكرية بالضابط والجنود. التفت عبد المجيد إلى البوابة، رآها ذات لون أصفر. ربما كان لها لون آخر، بيد أنه لم ير غير ذلك اللون الذي يذكره بالموت. لم يكن يفكر في مسألة الموت والحياة، ولا يفكر في شيء ينتظره في ذلك المكان. فقد كان مستعدًا لكل الاحتمالات، إلا أن اللون الأصفر هو الذي برز لـه عندما نظر إلى البوابة.

أفاق من نظراته على أوامر صادرة له من جندي ظهر له فجأة. لم يعرف من أين أتى. فهو غير جندي الحراسة. أطاع تلك الأوامر بسرعة تتناسب مع لهجة الجندي المثيرة للأعصاب. وتتجاهل ما نطق به من ألفاظ بذيئة. فتح الحقيبة. وألقى ما فيها أمامه على الأرض. رأي الجندي بعض الكتب، فقال: 

-أتظن أنك قادم لتقرأ في قاعة هادئة؟

قال عبد المجيد:

-كانت معي في الإسكندرية

وقع بصر الجندي على المصحف الشريف، قال:

 -من الواضح أنك تجهل معنى السجن الحربي.. المصحف ممنوع.. والكتب.. وأدوات الحلاقة هذه.. وأشياء كثيرة.. يا.. أخ.. 

فقال له موضحًا موقفه: 

-جهزت الحقيبة قبل سفري إلى الإسكندرية.. وكما هي حملتها إلى هنا.. ثم.. أنا لا أعرف الممنوعات.

ضحك الجندي بسخرية، بدا كأنه يتقيأ الضحك، يقذف به إلى الأرض. وعبد المجيد يستحم في عرقه. درجة الحرارة داخل السجن مرتفعة. قال الجندي أخيرًا:

-يوجد فرق كبير بين الإسكندرية والسجن الحربي.. كان ينبغي أن تجهز الحقيبة بما يلائم الجو الجديد.. ضع الأشياء في الحقيبة كما كانت وأغلقها واحملها.. وبسرعة.

نفذ عبد المجيد أوامره في ثوانٍ. وجاء الأمر بالجري، من جندي استلمه في منتصف الطريق، فأخذ يجري حاملًا الحقيبة فوق كتفه. واكتشف عبد المجيد أن ملابس الجندي الأخير صفراء، تشبه ملابس الجندي السابق، غير أنه لم يتنبه إلى ذلك. هذه الملابس الصفراء تشبه لون البوابة. وسرعان ما نسي حكاية الألوان. وركز ذهنه كله في الصوت الصادر له بأوامر الحركة السريعة. ضاعف منها وهو يقترب من الجدران الوحشية الخبيثة. رأى أكثر من مبنى مرتفع. إنها المعتقلات ذات الطوابق العالية. وكان يجري بينها والجندي خلفه يجري مثله ويأمره بأن يسرع، إلى أن وقفا أمام معتقل رقم «٤».

بعد أن فتح الباب..

 صرخ الجندي من جديد بالجري، كأن المشي ممنوع في ذلك العالم المعزول عن الكون. دخل يجري بحقيبته الثقيلة. ولم يكن قد شعر بشيء من التعب، يدخر ذلك الشعور لما سيجد من أمور فيما بعد. رأى المعتقلين يتحركون جريًا، وهم يهبطون ويصعدون فوق الدرج. وزأر الجندي بصوته الغليظ فوقف. وجد نفسه أمام حجرة قرب مدخل المعتقل. اختفى الجندي الذي كان يجري معه، وظهر جندي بدا كمصارع الثيران. أمره بوضع الحقيبة على الأرض، وبدخول الحجرة دون أن ينظر حوله أو وراءه.

-٣-

حجرة ضيقة، يختنق داخلها ضوء الشمس، ويذبل بين قضبان نافذتها الحديدية. كأن الحجرة جحر حفر في عهد ما قبل الميلاد، جدرانها الصماء تحمل بصمات الجلاد. تتصدرها منضدة مربعة. وفي الخلف سرير صغير، يستلقي عليه رجل أشقر قصير ذو شارب طويل يتدلى بشكل مثير للاحتقار والازدراء، ويغطـى جانبي فمه. في نظراته بريق خاطف کنمر متوحش عاش حياته في الغابة، ولم تروضه دنيا الإنسان على معاملة البشر. وجهه المستطيل عدواني التكوين، يعبر عن التجبر والتكبر والاستعلاء. 

تفحص عبد المجيد كما يتفحص القاتل ضحاياه، ثم سأل:

-ما اسمك؟

-عبد المجيد عبد الوهاب 

-من الإخوان.

-نعم.. ولكني لم أفعل شيئًا 

-أنت بريء.. أعلم.

واهتز شاربه عندما بدت ابتسامته طافية على ثغره. ابتسامة ساخرة، غير أن عبد المجيد ظن أنه جاد في كلامه، فقال:

-كنت فقط أجمع التبرعات.... وليس لي أي نشاط آخـر

-أنا أصدقك.. ولكن غيري لن يصدق.. ولذلك أنا أكذبك..

ضحك بملء فمه. وجلس على السرير يضحك ويحدق في عبد المجيد من خلال ضحكه الهستيري. لم يفهم عبد المجيد ما كان يقصد، ولكنه لم ينس كلامه. وفهمه بعد ذلك، بعد أن فهم أشياء كثيره كانت مغلقة غامضة من قبل. ودخل رجل يلبس جلبابًا أبيض. جلس إلى المنضدة، وفتح سجلًا، وأقلع الأشقر ذو الوجه الأصفر عن الضحك. وبدأ الرجل يكتب ما يدلي به عبد المجيد من معلومات عن اسمه وسكنه وما شابه ذلك. وبعد أن أغلق الرجل سجله، قال للأشقر: 

-موجة من الاعتقالات تشمل الصغار في السن.. نحن الإخوان في فترة لا يعلمها إلا الله.

تنبه عبد المجيد إلى ما قال الرجل، وشك في أمره، أمن المعقول أن يكون هذا الرجل من الإخوان؟ ينطق وجهه بطيبة واضحة ولكنه لم يصدق، وتركه يتحدث مع الأشقر.

وأجال بصره في الحجرة. من الغريب أن لونها أصفر هي الأخرى، كاللون الذي رآه على البوابة. حتى هذا الأشقر تميل بشرته إلى الصفرة أكثر. تذكر الموت، شرد ذهنه. وبينما هو شارد إذ دوت صرخة هائلة داخل المعتقل. زلزلت الجدران، مزقت الآذان، شقت لها طريقًا في الفضاء شاكية ظلم الإنسان.

-البقية في العدد القادم-

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل