; أدب وثقافة (957) | مجلة المجتمع

العنوان أدب وثقافة (957)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 06-مارس-1990

مشاهدات 78

نشر في العدد 957

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 06-مارس-1990

ومضة:

ترى لو أن المسلم أُعجب بما عند الآخرين ثم أخذ يحط من قيمة ما عنده وبعدها راح يُقلد غير المسلمين فأين سيحط رحاله في نهاية المطاف؟ إن أمامه مسالك ثلاثة: إما أن يدعوه إعجابه بالتيارات المعاكسة إلى التنكر لتياره والارتداد عنه والالتحاق بغيره نهائيًا مخلفًا وراءه النهج والفكر والعنوان ويصبح في عداد غير المسلمين. وإما أن يكون موقفه التقليد فهو يعبُّ مما عند الكافرين من نهج ومن أفكار بل من عادات وتقاليد لكنه يبقى على عنوانه الإسلامي بسبب الجبن عن تحديد موقف فاصل أو بسبب عاطفة تشده إلى ماضيه أو بسبب ظروف غامضة لا يُريد الإفصاح عنها، لقد أصبح جسمًا غريبًا يرفضه التيار الآخر ولا يرضى أن يندمج فيه كما لا يقبله التيار الأول لأنه ترك كل ما فيه. أما الموقف الرشيد فهو موقف المسلم الذي يعرف الإسلام، ويتبنى فكره ويسير على نهجه ولا يُمانع في الاستفادة والاقتباس مما عند الآخرين حيث يستطيع أن يُوظف ما يقتبسه لصالح أمته وفي الإطار الصحيح لانتمائه وتوجهه الفكري الأصيل. على قاعدة "الحكمة ضالة المؤمن" فهو رغم ثباته على إيمانه يطلع على تجارب الآخرين ويأخذ ما يراه صالحًا لحياته منهم مثال ذلك القوة، فالله سبحانه يأمر بإعداد القوة، وأسباب القوة الآن في أيديهم فالحكمة أن تتعلم منهم أسباب القوة وهكذا في مجال العلوم والنظريات الأخرى لكن بشرط ألا يُبهرنا ما عندهم من تقدم فنذوب فيهم ونَهيم بحبهم قبل أن نتعلم أو نقتبس أو نستفيد ونكون عندها قد ضيعنا ذاتيتنا الحضارية وفقدنا وجودنا المتميز كأمة أصيلة لها تاريخها وأمجادها وقيمها ونصبح مثل الغراب الذي زعموا أنه أُعجب بمشية الحمامة فأراد تقليدها فلا هو استطاع أن يتعلم مشيتها المتبخترة وعندما يئس أراد أن يعود إلى مشيته لكنه كان قد نسيها أيضًا فغشيته حالة من الكآبة لا يُحسد عليها.


نحن وهم: شعر: محمد حمود زيد الموشكي

نحن وهم:

 

شعر: محمد حمود زيد الموشكي

 

(۱)

 

في بلاد الغرب... حيث الانحلال

 

والمخازي... والضلال

 

ابتكارات... وتصنيع...

 

وقهر... للمحال

 

ولدينا نحن أصحاب... النضال

 

ابتكارات... وتصميم...

 

«لتحريك»... الجبال

 

سفنا... تجري على بحر دمانا

 

حين نمضي... للجدال

 

ولدينا نحن أيضًا...

 

ابتكار... عالمي...

 

لا يدانيه الخيال...!!

 

«صارت الشمس لدينا...

 

هاهنا تلعب...

 

والناس عليها... كالجبال»

 

وبتصميم... وعلم

 

«أصبح القرد... غزال»

 

«والنساء... صارت رجال»

 

والرجال

 

كل فرد صار ذو... نهد......

 

وخصر... وشوارب

 

فاذا سار تهادی... كالغزال

 

وإذا ما العشق... والوجدان

 

أضاء...

 

تثنى... في دلال

 

وله شعر... طويل...

 

كلما مرت به الريح... تهفهف

 

وعلى الخدين... سال

 

فإذا نحن... نجحنا...

 

«في اندماج منوي» سيلد كل...

 

الرجال» ...

 

يا صديقي...

 

كل شيء عندنا...

 

ما عاد... بالشيء... المحال

 

(۲)

 

عندهم... في الغرب...

 

إبداع «ضئيل»...

 

في مجالات

 

الفنون

 

هم فقط ما أوجدوا بالعلم...

 

إلا الاحتيال!!!

 

حتى يطيروا... للقمر...

 

بعد عناء... واحتمال

 

ولدينا نحن... إبداع «عظيم»

 

«في اهتزازات البطون»

 

ونجيد... العزف... والحذف

 

ونتف... للذقون

 

وبتصميم... وعلم...

 

«صارت النيران ماء»

 

«والبحيرات... رمال»

 

هكذا... إبداعنا... «بحث» دؤوب

 

واحتفالات... طوال

 

نحن أصحاب... المعالي... ورفيعات

 

الخصال

 

دائمًا كنا... وحتى اليوم هذا......

 

ما نزال

 

نتقن الرقص على... كل الحبال

 

يا صديقي... نحن أصحاب الفعال

 

«دورنا باد... ولو كنا نقف...

 

تحت... النعال»

 

(۳)

 

عندهم في الغرب......

 

إلحاد... وكفر... وشقاء

 

وانحلال!!

 

ويلهم أي ضلال... ويلهم أي

 

احتيال

 

«حرموا... حتى الحلال»

 

بينما نحن لدينا... دائما أسمي

 

الخصال

 

ولأنا... أهل إیمان عظيم...

 

«أزهرت كل الصحاري» ...!!

 

«واستوت حتى الجبال» ...!!

 

ولأنا... أهل إيمان... وتقوى

 

سترانا... دائما... ننجح حتى...

 

في الخيال

 

يا صديقي... كن فخورًا... نحن أحفاد

 

الرجال»

 

(٤)

 

عندهم في الغرب... إرهاب...

 

وذبح للنفوس... الآدمية...

 

يكرهون... الرجل الآتي إليهم...

 

بسلام... ووئام... ويذيقوه المنية

 

وله ترفع دومًا... كل آيات... القتال

 

عندهم... كل المآسي... والفروق العنصرية

 

دائمًا... في كل وقت... يستحبون

 

المنايا... وفنون الاقتتال

 

أصبح العيش جحيمًا... ولهيبا...

 

وقذائف... ورصاصًا... يلتهم بالنار

 

أشلاء العيال

 

هكذا هم... يا صديقي...

 

لا تصدق... ما يقال

 

بينما نحن لدينا كل حب... وإخاء...

 

وخصال عربية

 

كلها أسمي خصال

 

فاسأل التاريخ عنا... كيف كنا...

 

كيف عشنا... في إباء وحمية

 

ليس منا قاتل... حاشي... وكلا

 

أو سيوف... أو دروع......

 

أو مقامات... سجال

 

نكرم الآتي إلينا... بل ونهديه النفائس

 

وتغني... دائمًا... أهلًا... وسهلًا مرحبا

 

للضيف... علي... يا عرائس

 

«جئت... فأنعم بالوصال»

 

ولأنا... كرماء سمع الكل بنا...

 

حتى أتانا... الغرباء...

 

كي يسكنوا... أرض الجمال

 

فاحتضناهم... وقلنا... مرحبًا بالأصدقاء

 

ونحرنا... وطبخنا... واستضفنا... الضعفاء

 

وأقمنا... الاحتفال...

 

فوق هذا... يا صديقي...

 

نحن سلمناهم... مفتاح أقصانا

 

«الحلال»

 

كن سعيدًا... يا صديقي... نحن أحفاد

 

الرجال

 

قد أعدناها... لياليهم... شموخا كالجبال

 

وسمونا بإباء «حاتمي»... للأعال...

 

كن سعيدا... يا صديقي...

 

نحن ما زلنا... إلى اليوم... نغني

 

«مرحبا... بالاحتلال»

 

 


تقويم اللسان للشيخ يونس حمدان:

يستعمل بعض المتكلمين والكاتبين كلمة "أغدق" استعمالًا غير صحيح، فيقولون "لقد أغدق على أصحابه مالًا كثيرًا" يريدون بذلك أنه أكرمهم، واستعمال "أغدق" في هذا المعنى مخالف للمأثور المعروف من كلام العرب، والذي يصح أن يُقال في هذه الصيغة "جاد على أصحابه بمال كثير" أو "أنفق عليهم مالًا كثيرًا". أما "أغدق" فإن لها دلالات أُخر، والآن تعال نبحث معًا في هذا الفعل وبعض مشتقاته. قال تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ (الجن:16). "والغدق": الماء الكثير وإنما ذكر الماء الكثير لأنه سبب الخير وأُقيم مُقامه إذا كان سببه. و"قد غيدق المطر": إذا كثر وعم، و"غدقت الأرض غدقًا وأغدقت": إذا أخصبت، و"غدقت العين غدقًا فهي غدقة واغدودقت" إذا غزر ماؤها وعذب طعمه. و"ماء مغدودق، وغيداق" غزير و"عام غيداق وسنة غيداق": كثيرة الخصب و"عيش غيدق وغيداق" واسع مخصب، و"هو في غيدق من العيش وغيداق" أي في خصب وسعة. و"غيدق الرجل" كثر لُعابه. وفي دعاء الاستسقاء: "اللهم اسقنا غيثًا مُغيثًا عمًا سَمْحًا غَدَقًا مُغْدِقًا طَبَقًا". وأغدق المطر يُغدق انغداقًا إذا كثر وعم، و"شاب غيدق وغيداق" أي: ناعم. و"الغيداق" الطويل من الخيل، و"إنه لغيداق الجري والعدو" أي: كثيره، قال الشاعر: حتى نجوت ولما ينزعوا سلبي بواله من قنيص الشد غيداق ومن كلام العرب: "لمعت بروق صوادق فهمعت سحاب غوادق"، يقولون "ودقت السماء فأدرت الغدق وأقرت الحدق". هذه بعض معاني "غدق" وبعض مشتقاتها، وهي تدور حول: كثرة الماء وسقوط المطر وسعة العيش والنعومة والخصب. وقد تبين لك إنه ليس من معانيها: جاد أو أعطى أو أنفق على نحو ما يستعمله بعض الناس اليوم. و"غدق" فعل لازم لا يتعدى. وقصارى القول: إنه لا يصح أن تقول "أغدق ماله على أصحابه"، وإنما الصحيح أن تقول "جاد بماله على أصحابه" لما سقناه لك من معاني "غدق، وأغدق". والله الموفق للصواب.

 

 

الروح الجهادية في شعر الانتفاضة

بقلم: محمد شلال الحناجنة

 

يرتكز الشعر الفلسطيني القادم من أوار الانتفاضة المباركة في تجلياته وانتماءاته على روح العنفوان الجهادي المتميز، هذا العنفوان الإسلامي المتوهج تفجر منذ الاحتلال اليهودي لفلسطين. هذا الشعر كان عليه منذ بدأت الانتفاضة أن يبتكر مدادات جديدة للشهادة، وكان على الشاعر أن يُجيّر تواقيع الدم ليُقيم وطنًا يحدده بالطلقة والسكين، وكان علينا نحن - الخارجين من الهزائم العربية العلمانية - أن نطرق أبواب هذا النشيد مرارًا كي نتنفس قريبًا من رئته اليُمنى لنرى أيان يتزين المجاهد لأعراس الجنة، وأن يتمترس بهذا الصدق الرباني بين حصار الشظايا ولعلعلة الرصاص، كان علينا أن ننحني أمام تلك الزخات الندية من العطر الإلهي الذي ساح بين جنبات فلسطين كلما صاهر أحفاد عمرو بن العاص شموس الشهادة!

 

هذا الشعر النقي أصبح مجالًا خصْبًا لكل دارس واعٍ، ليُصغي إلى نوافير التأجج ونبرات الصوت الجهادي، وصدى البراكين الثائرة في وجه الاستبداد والعنصرية والقمع الذي تُمارسه المؤسسة العسكرية اليهودية بكل همجية.

 

لقد حاولت هذه المؤسسة بكل ما حشدته من قوة طمس الوعي الجهادي المرتكز على العقيدة الإسلامية، لكن هذا الوعي أخذ يمتد بصورة مُذهلة وفاعلة أفقدت العدو صوابه، مما جعل قادة الكيان الدخيل يصرخون علانية بأن كل الخطر على دولتهم آتٍ من الإسلام، هذا المارد أخذ يتململ بكل عزم وثقة في نفوس أهلنا في فلسطين، لقد قاد هذا الإسلام العظيم الانتفاضة بزخم صلب.

 

وإن كانت الحركة الإسلامية الرائدة في فلسطين لم تُعلن عن نفسها بذلك الضجيج الذي اعتادته وسائل الإعلام، إلا أن واقع الانتفاضة يُثبت أن هذه الحركة سيطرت سيطرة تامة على الشارع الفلسطيني وعبأت جماهير الأرض المحتلة بالمزيد من المقاومة والجهاد، وهي تزف كل يوم زرافات من الشهداء الأبطال لتقود أعظم حرب في التاريخ المعاصر لفلسطين بهذا النفس الطويل.

 

أما في الجانب الآخر لهذه الحركة فإن للشعر دورًا متألقًا، هذا الشعر يأتي من هذا الجيل الغاضب الذي تربى بين دوي «النابالم» والقذائف الفوسفورية وهو في حقيقة الأمر لا يكتب شعرًا إنما يكتوي به، لا يرسم دوائر من ترف بين ردهات الفنادق الممتازة أو القصور العاجية، إنما يُسمد الأرض المقدسة بدمه، ويشدو للفرح الآتي وينعف الورد لمواسم الرجال المؤمنين الأقوياء، ولا غير المؤمنين الأقوياء.

 

وغازي خالد الحجيجي شاعر من هذا الركب، شاعر لم يُعلن عن نفسه أيضًا إنما يسكب لنا أبجدية هذا العنفوان الجهادي بأبهج الصور:

 

«أتراه مكبلًا بالحديد يصلي

مؤمنًا ساجدًا لرب العباد

وبلال على صدره الصخر

وأنت اليوم بالقيود تنادي

كبري يا مآذن القدس

الله أكبر حي على الجهاد

أنت منا الحياة يا قدس

لا عشت إن عاشت زمرة الأوغاد»

 

إذًا هو الدم، ولا شيء غير الدم الزكي، لا شيء غير هذا الجهاد الذي يحتفل بهذا الفلسطيني المجاهد يمتشق روحه المُكبرة، ويُعزز صموده ويفك قيده الذي طال، والشاعر لم يكن يرتع إلا بين مباهج هذه الرؤى الإسلامية الصادقة، ولم يكن لينطلق لولا إصغائه لمآذن القدس، هذه المآذن هي المحرك العظيم لهذه الانتفاضة لتصبغها بصبغة الديمومة، وبصيغة العناد الذي لا يلين، وبصبغة الحياة.

 

في قصيدته «عام جديد على أرض البطولة» نُصافح حقول الدماء الزكية، لنشب إلى الأسمى، ونسكب الطهر بين ذرات التراب، يقول في هذه القصيدة:

 

«جاهد بحق الله في مسرى رسول الله جاهد

عام مضى وعلى جبين القدس صامد

يا أيها الحجر المقدس في يد الطفل المجاهد

يا أيها المقلاع يا رمز الكرامة أنت شاهد

الله أكبر تعلو من فوق المنابر والمساجد

عام جديد في محياه دماء الطهر قائد

سموك طفلًا للحجارة في الحقيقة أنت مارد»

 

هذا التشكيل الفني المتنامي للقصيدة يتفتح مُتلاحمًا من عناصر البطولة، البطولة التي تتعاظم بين زخات الرصاص، ولا تتكدس في مخازن الذاكرة الإعلامية للبطولة التي تتمرد على الهزائم والذل، لا التي تنتكس عبر الفيتو الأمريكي في محافل الأمم المتحدة، هذه البطولة التي يتهجاها الشاعر الإسلامي الفلسطيني غازي الحجيجي هي بطولة حارة مُتدفقة قابضة على الزناد، لا تتزحزح قيد أنملة عن تسامي الجهاد، الجهاد الحر الذي ننتزعه بخناجرنا وأسلحتنا لا «بالثورات» الواهية التي يفصلها لنا الآخرون في بيوتهم البيضاء أو الحمراء.

 

هذا النموذج الفذ من البطولة، هذه العناقيد الدانية التي تتراءى في شعر الانتفاضة تتدلى في قصائد شاعرنا الحجيجي، فيتشربها حتى تفيض شرايينه، يُدجن الحجر لبشائر «الأمل» الشاهق حد الغيوم وها هو يقبض علينا في قصيدته «الطفل أوقد نارها» مُتلبسين بعشق أناشيد الجهاد:

 

«الطفل أوقد نارها فغدت لهيبًا تستعر

الدين في قسماته والحق نور يزدهر

بيديه أسياف الشجاعة أو زجاجة تنفجر

أبني إني قد وهبتك للإله المقتدر

جاهد بكل عزيمة فالظلم حتمًا يندثر

فغدًا سيركع كل جلاد بذل منكسر

وسترفع الرايات بالتوحيد فاصبر وانتظر»

 

تُرى إلى ماذا تقودنا تلك الأسياف المُبرقة، تلك القسمات النورانية، تلك الروح الجهادية الباسقة، تلك القلوب العابقة بالإيمان؟! كيف يتسلل إلينا هذا الشذى التعبيري بثيابه البيضاء؟! كيف يرتدي الطفل الفلسطيني المسلم هذه الرؤى، كيف يصنع هذه العزائم الملتهبة، ليسمو برايات التوحيد الشامخة، ونحن على ما نحن عليه؟!

 

إننا نتساءل بكل حسرة. نتساءل نحن - هنا بهذا الأسى - لأننا خارج حدود الانتفاضة، أما الذين داخل لهيب الانتفاضة يجاهدون بهذه العقيدة الإسلامية السامية، فلا مجال لترف الأسئلة لديهم، فالإجابة البسيطة المدوية تأتي ناصعة كالثلج: «أبني إني قد وهبتك للإله المقتدر». هكذا تُصب قصيدة شاعرنا غازي الحجيجي في الاتجاه الصحيح دون مواربة أو لبس لترنو إلى بياض كيانها الشعري الطفولي الصافي، ويمضي الشاعر ينبض بأناشيد المعركة، بعدها عبر مشواره الجهادي الطويل، هذا المشوار الذي تطرحه كينونة الفكر، الفكر الذي حرر العالم من براثن الوثنية والعبودية والتسلط، ليغدو النموذج العالمي منذ قرون مضت. ويصول بنا الشاعر إلى حيث المدى الجهادي أرحب، حيث الرياح تُداعب الأسنة، والمجاهدون يُكبرون كلما اصطادوا دورية من جيش الاحتلال هكذا لينقش التاريخ الحافل بالبطولات في فلسطين أرض الإسراء.

 

«نحن حراس لبيت الله للمجد التليد

سوف نبقى في رحاب البيت والله شهيد

قد زحفنا للمنايا بقلوب من حديد

نصنع التاريخ مجدًا فوق هامات النشيد

اسألوا التاريخ عنا عن تراث لا نَحِيد

واسألوا مهد الثريا نحن عقد وهي جيد».

 

ينقش الشاعر تماثلات الحاضر الراهن بتميز واضح يُمكن له أن ينتشل أسراره الملهمة، ليزحف للمنايا بقلب من حديد، إنها شهادة التاريخ لهذه الانتفاضة، وشهادة الواقع الذي نعيش، وشهادة التراث الذي لا نَحيد عنه، والشاعر ليس بحاجة أن يُؤطّر رؤيته الشعرية في قصائده بالضبابية والغموض أو الجدال العقيم، لأنها رؤية ماثلة سامية تُحرضها وتُشعلها عقيدة صافية، ويُنعشها الصمود اليومي والممارسة العملية وصدق المواقف، وهذا لعمري لا يتأتى إلا لشاعر يتفيأ بين ظلال الالتزام الحركي الديني ويرفع الراية، ليشرع بالمقاومة، المقاومة الزاخرة بمجرات الشهداء، حيث التحدي أبهج روحانية، وأعظم شمولية وأندى خضرة حيث نهر الجنة يُفضي لجذوته الأولى.

 

لقد سمت الانتفاضة الإسلامية المباركة في فلسطين بهؤلاء الناس إلى مراتب عليا من قِبل الغايات والمواقف، وأوقعت الذاكرة اليهودية بمأزق مرير، مأزق أن «الكبار سيموتون. والصغار سينسون» هكذا عاشت العقلية اليهودية وهمًا مُؤرقًا لتُفيق على حمى الانتفاضة، وقد أصبح الصغار أسودًا ضارية، والشاعر غازي خالد الحجيجي يرصد هذا السمو ويُتابع كوكبة المجاهدين، فهذا «نضال زلوم» أحد أبطال الحركة الإسلامية يُفجرها في القدس قبل أيام قليلة حيث يقتحم مجموعة من المستوطنين اليهود المدججين بالسلاح وهو يُكبر ولا يحمل غير سكين، فيطعن 3 منهم حتى الموت، ويجرح 5. أجل لقد أعدت حركة المقاومة الإسلامية هذه الجماهير الفلسطينية إلى جهاد طويل، أعدتها عقائديًا وفكريًا، وأعدتها لمزيد من الصبر والإيمان والثبات والاستشهاد، وشاعرنا الحجيجي يظل قريبًا من جذور هذه المعاني التي لم تكن كذلك لولا أن القلوب عامرة بمبادئ القرآن الكريم ومُنارة بذكر الله، ومُطمئنة بنصره.

 

«من أرض معراج الرسول ومن جبال القدس ليث يزأر

بطل من الفرسان، والقرآن في سمعيه نور يزهر

لبيك يا قدس الشريف فإنني قد جئت من حطين فيك أكبر

هوت الذئاب بطعنة عربية وإذا بأنياب الطغاة تُكسر».

 

وماذا بعد.

 

لقد أرست الانتفاضة الإسلامية في فلسطين قواعد البنيان الإسلامي المرصوص، البنيان الذي يشد بعضه بعضًا، فمن غير هذا البنيان هذا الجيل الذي يجاهد بهدي القرآن الكريم لن تنتصر، وشاعرنا غازي خالد الحجيجي نموذج فذ معبر عن هذا الجيل الغاضب الذي يدون التاريخ الإسلامي المعاصر لفلسطين. كل فلسطين، هذا التاريخ العظيم الزاخر بالبطولات يُدون اليوم بالدماء الطاهرة، والأرواح الزكية التي تعانق السماء.

إصدارات: دراسة وثائقية في صحيفة الكفاح الإسلامي

عن مطابع الدستور يصدر قريبًا الكتاب التاسع للأستاذ زياد أبي غنيمة بعنوان "من ملفات الصحافة الأردنية - دراسة وثائقية في صحيفة الكفاح الإسلامي" وكانت صحيفة الكفاح الإسلامي الناطقة بلسان حركة الإخوان المسلمين في الأردن قد صدرت في الخمسينيات على فترتين أولاهما في 9 أغسطس 1954 حيث صدر عددها الأول ثم أُغلقت بأمر من الجنرال كلوب باشا قبل أن يكتمل عددها الثالث، فصدر بدون طباعة صفحته الأولى في 26 أغسطس 1954 ثم عادت إلى الصدور في 11 يناير 1957 ثم سُحب ترخيصها بعد أن أصدرت عددًا خاصًا من 4 صفحات في 18 أكتوبر 1957 تضمن بيانًا باسم حركة الإخوان المسلمين.

يوضح أسباب حجب نواب الإخوان المسلمين للثقة عن حكومة السيد إبراهيم هاشم رحمه الله.

ويُعتبر الكتاب بمثابة تاريخ وثائقي لنشاطات ومواقف الإخوان المسلمين في الأردن خلال تلك الحقبة الهامة من تاريخ الأردن، وخاصة ما يتعلق بمواقفهم الوطنية حول كثير من القضايا الوطنية التي كانت تشغل الساحة السياسية في الأردن في الخمسينيات كحلف بغداد، ومشروع أيزنهاور لملء الفراغ والقضية الفلسطينية وقضايا الحريات العامة. وقد صدر للأستاذ زياد أبي غنيمة حتى الآن 8 كتب أخرى هي: "الحركة الإسلامية وقضية فلسطين"، "السيطرة الصهيونية على وسائل الإعلام العالمية"، "جوانب مضيئة في تاريخ العثمانيين الأتراك"، "السلطان المجاهد محمد الفاتح"، "مواقف بطولة من صنع الإسلام"، و"بشر الصابرين نظرات في سنن البلاء والابتلاء"، "سقوط نظرية دارون"، "عداء اليهود للحركة الإسلامية". وتتولى توزيع الكتب دار الفرقان للنشر في عمان.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 22

119

الثلاثاء 11-أغسطس-1970

الصورة العربية عند الغرب

نشر في العدد 31

125

الثلاثاء 13-أكتوبر-1970

المساواة المطلقة مفهوم خاطئ

نشر في العدد 31

123

الثلاثاء 13-أكتوبر-1970

حضارة أم جاهلية؟