; أدب.. (العدد 791) | مجلة المجتمع

العنوان أدب.. (العدد 791)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 11-نوفمبر-1986

مشاهدات 58

نشر في العدد 791

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 11-نوفمبر-1986

«أصحاب الأخدود في القرن الحادي والعشرين»

بسم الله الرحمن الرحيم

قال تعالى: ﴿قُتِلَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأُخۡدُودِ * ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلۡوَقُودِ * إِذۡ هُمۡ عَلَيۡهَا قُعُودٞ * وَهُمۡ عَلَىٰ مَا يَفۡعَلُونَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ شُهُودٞ * وَمَا نَقَمُواْ مِنۡهُمۡ إِلَّآ أَن يُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ﴾ (البروج: 4-8).

****

سأسمع الملأ

بأنني أنا ابن الذي قد قال مرة 

وبعدها عيناي لم تره

وبعدها مضى حول من الزمن رأيته

لكنني أنكرته

لأنه قد عاد من غير «فمه»!!

سألته ودمعتي ترقرت أين الفم؟

أجابني إشارة

وبعد جهد وعناء

لم أفهمه!

رجوته.. ألححت في الطلب

فخط في يمينه عبارته

عرفتها لأنها هي التي قد قالها يومًا ملك

بعِزة فمه

وبعدها ببرهة

فقدته

وبعدما مضى حولان من زمن

رمقته

لكنني أنكرته!!

لأنه قد عاد مجذوذ اليد

سألته

والنشج مني قد على «علا»

أین الید؟

أجابني إشارة برأسه

وبعد ما رفقته برحمة

أدركت أنها هيه 

فظن أنني لم أفهمه 

فحطها بأصبع القدم

عبارته

وبعدها

لم أبصره!! 

و بعدما مضى رِدح من الزمن

ألفيته قبالتي

لكنني أنكرته!!

لأنه قد عاد من غير القدم ضممته.. ألثمته القُبل 

وبعدها

أدركت مكمن الخفا

فتقت أن أرى فمه

وكل ما منه بتر

فصحت في عبارته:

«سئمنا ظلم من ظلم وإننا لن نرتضي إلاهًا. غير من خلق

وإننا لن نتجه إلا إلى شطر الحرم»

وبعدما

صحت بها..

خططتها بعد اليد

بأصبع القدم

وبعدها بلحظة

سلكت مسلك الأب

لأنها وراثة

لكنني مضيت حولًا ثم حولًا لم أعد

أيضًا وردحًا لم أعد

ولن أعود

ولن أعود

خالد السيف

وقفة على اليرموك

زرت الأردن في الصيف الماضي وشاء القدر أن أزور الحمة ووقفت على اليرموك وشاهدت بعيني أسره فهو مكبل بالأسلاك الشائكة من الطرفين منذ احتلال الهضبة السورية المقابلة للأردن عام 1967 فتذكرت ماضيه الناصع في تاريخ المسلمين فقلت هذه الأبيات:

وقفت أرنو إلى اليرموك في عجب***ما باله اليوم لم يسمع ولم يجب

عهدي به طيب الأخلاق مبتسم*** لم يعرف الكبر في جد ولا لعب

ما بال عيني لم تقنع برؤيتها***أضحی أسیرًا شعار المجد في النوب

قد كان بالأمس نبراسًا لعزتنا*** وها هو اليوم يشكو نخوة العرب

ثم انثنيت على «العلأن» أسأله***هلا تذكرت جند الله كالشهب

يوم النزال على «الرقاد» يسبقهم*** «قعقاعنا» وجموع الروم كالسحب

وخالد من سيوف الله تكلؤه***عناية الله عن بعد وعن قرب

يجول بالروم جولات موفقة ***ففرق الجمع بين البيد والسهب

أين البطارق والصلبان تحرسهم***هذي الخشيبات لم تغن عن الهرب

سارت کتائبنا في الأرض شامخة*** تمحو الظلام بنور الحق في دأب

فحرروا أنفسًا في الذل غارقة*** وحرروا الناس من طيبة إلى حلب

وأصبح الكفر منهاجًا لنهضتنا*** وحادي الركب موشيل، فيا عجبي

مهلًا «دیان» ففض الطرف في أربع***قد حررتها جنود الله بالقضب

غدًا عليكم يدور الدهر دورته ***فتصبحون أحاديثًا لدى الكُتب

هذا حديث من المختار نحفظه***ويوم حشر وقود النار واللهب

فتسعد الأرض أيامًا بنهضتنا***وينشد الكون ألحانًا من الطرب

وليعلم العرب أن النصر ديدننا***إذا اقتدينا بهدي الصحبة النجب 

محمد أبا زيد

1-2 العلان والرقاد روافد اليرموك من جهة سوريا وبينهما حصلت المعركة الخالدة. 

3- الميغ اسم الطائرة الروسية وهذا إشارة لأغنية أذاعتها إحدى الدول العربية قبل حرب 67 والميغ يتحدى القدر.

4- دیان وزير حرب العدو الذي احتل القضية السورية. 

5- إشارة لحديث الرسول عن قتال اليهود.

أقصوصة

عندما يغمر الإيمان القلب

من داخل زنزانة السجن وقبيل أن ينفذ حُكم الإعدام في جندي روسي قام هذا الجندي بتوجيه هذه الرسالة إلى زوجته.. يقول في الرسالة: 

زوجتي العزيزة: «آنا كارنينا» من بين جبال أفغانستان وتلالها أكتب لك رسالتي الأخيرة. نعم الأخيرة فما هي إلا بِضع ساعات وأغادر بعدها الحياة فقد أصدر اليوم قائدي أوامره بإعدامي رميًا بالرصاص، لا تنزعجي يا آنا ولا تذرفي دموعك، ليس هذا ما قصدته بكتابتي إليك بل على العكس فإنني أشعر بطمأنينة غريبة وأحس بنور يضيء ظلمات نفسي، نعم يا آنا صدقيني لا التفكير في الموت يرهبني ولا الخوف من تشويههم صورتي يزعجني لكني أردت فقط أن أحدثك عن هذا النور الذي اجتاح قلبي وغمر روحي وأمدني بقوة وعزمة ليس لي بهما عهد، أغلب الظن أنك ستسخرين مني عندما تصلك رسالتي هذه، وربما اتهمتيني بالجنون وتبلد الإحساس، لا يا آنا، إنني بكامل قواي العقلية وأسمع الآن صوت القائد من خلف جدران سجني يأمر بجمع الفرقة التي ستقوم بالتنفيذ رغم ذلك، لم أشعر بالندم لحظة، ولا خبا توهج النور داخلي، ولا اهتز القلم بين أناملي، دعينا من هذا كله، لأحدثك قبل فوات الوقت.

كيف عثرت على هذا النور الذي أتمني أن يشيع في نفسك، لتري من خلاله الحقيقة المغلقة، عندما جئت إلى هنا لأول مرة كانت السريّة الثالثة قد أبادها الأفغانيون عن آخرها، واستولوا على كل أسلحتها، وكان القائد في قمة سخطه وغضبه، لم يضيع الوقت راح يلتهب حماسًا مزمجرًا:- دمروا، اسحقوا كل شيء، اهدموا البيوت اقتلوا من يقابلكم شيوخًا ونساء وأطفالًا وأطعنا أوامره انطلقنا بأسلحتنا الثقيلة، نحصد القرى نحرق بيوتها كنا نمسك بالأطفال والشيوخ والنساء، ثم نقذفهم من فوق المرتفعات لتدق أعناقهم أو ينزفون حتى الموت، وندخر الذخيرة لمواجهة المجاهدين، الذين يتربصون بنا في أحضان الجبال، ثم نعود إلى ثكناتنا، تاركين الدخان يتصاعد حولنا من كل صوب، نَصُب زجاجات «الفودكا» ونتناول النكات الفاحشة.

ذات ليلة.. وكان قد مَر على وجودنا أكثر من ثلاثة شهور.. تعرفت خلالها بزميل توطدت بيننا أواصر المحبة والصداقة، وكنت قد لاحظت عليه في الأيام الأخيرة أنه دائم الصمت كثيرًا ما يتغيب خلف الجبال، خصوصًا في الليل، قررت بيني وبين نفسي أن أراقبه وأحميه خوفًا عليه من هجمات الأفغان التي بدأت تعرف الطريق إلينا، استيقظت من نومي فلم أجده تأسفت، عنفت نفسي على إهمالي جلست أنتظر بقلق عودته، لم يطل الانتظار فسرعان ما لمحته يتسلل كالطيف أسرعت إليه فرحًا مشفقًا وسألته بانفعال: 

- أين كنت؟

- عند الأفغان، اعتنقت دينهم، غمرتني الدهشة أغلقت فيه بيدي وتسللت وإياه إلى مكان قصي مخافة أن يسمعنا أحد أبعد يدي برفق ثم قال والدموع تنهمر من عينيه: 

- أتعرف يا صديقي لماذا نحن هنا الآن؟ وسكت لحظة أخرج من خلالها بعنايته وحرصه كتابًا من سترته وقربه مني، واستطرد قائلًا: لنطفئ النور الذي جاء به هذا الكتاب الذي أرسله الله على خير أنبيائه، وما قتلنا لهؤلاء المساكين، إلا لنقتل النور الذي توهج في صدورهم، وأخذ يحدثني يا آنا عن التعاليم التي جاءت به، آه يا آنا، ليتك كنت معي؟ ليتك كنت معي.. تعاليم تتضاءل.. تنقهر أمامها كل التعاليم التي وضعها البشر، ولا أدري كم من الوقت بقينا على هذا الحال، يقرأ ويترجم لي، والكلمات لصدقها وإعجازها تبهرني، تهزني بعنف، وعندما توقف عن القراءة كان نور الصبح الوليد يغمر التلال والروابي ونور الحق يشرق.. يتوهج في قلبي فأسلمت، ابتهج صديقي.. عانقني.. امتزجت دموعنا، واتفقنا على أن نهرب لنجاهد في مكاننا الصحيح، هناك بجانب إخواننا الرابضين في أحضان الجبال، انتظرنا حتى أرخى الليل سدوله وتسللنا في جنح الظلام لكن ما كدنا نبتعد بضعة أمتار حتى انكشف أمرنا رأيناهم يندفعون خلفنا بشراسة، استشهد صديقي أثناء مقاومته وأمسكوا بي وقرروا إعدامی ها هو الحارس جاء ليأخذني، أسمع وقع خطواته بوضوح، وأرى بعين الخيال من خلال نور غريب، الشيوخ والنساء والأطفال يقومون من الجرف يغادرونه بلا جروح يبتسمون لي يمدون لي أيديهم جدران السجن تمنعني تحول بيني وبينهم، أحس بقلبي يريد أن يثب من بين ضلوعي ليذهب إليهم النور الذي أحسه داخلي يغمر كل شيء، وداعًا يا آنا المفتاح يدور في ثقب الباب!!! 

نادي عزيز - الدار البيضاء

الرابط المختصر :