; أربكان وأردوغان.. فرقت بينهما السياسة واجتمع عليهما عداء العلمانية | مجلة المجتمع

العنوان أربكان وأردوغان.. فرقت بينهما السياسة واجتمع عليهما عداء العلمانية

الكاتب طه عودة

تاريخ النشر السبت 18-مايو-2002

مشاهدات 59

نشر في العدد 1501

نشر في الصفحة 36

السبت 18-مايو-2002

تحاول بعض القوى الخفية في تركيا وخصوصًا العسكرية، الوقوف في وجه رجب طيب أردوغان (٤٨ عامًا) زعيم حزب العدالة والتنمية الذي يتمتع بقاعدة شعبية بين الأتراك المحافظين والمعتدلين ولخدمة أهدافها، تستخدم هذه القوى كافة الأساليب القانونية المباحة وغير المباحة من أجل تقييد حركة أردوغان السياسية. 

وتتبع هذه القوى خطة معينة تسير عليها وفق مراحل من أجل القضاء على الرجل تدريجيًا وهي في ذلك تشبه التاجر المفلس الذي غدا يبحث في دفاتره القديمة عله يجد ما ينقذه من ورطته.

يذكر أن أردوغان كان من أنشط أعضاء حزب الرفاه الواعدين والمقربين للبروفيسور نجم الدين أربكان زعيم الحزب، لكنه بعد خروجه من السجن ترك صاحبه وأنشأ مع عدد من الخارجين من حزب السعادة حزب العدالة والتنمية.

وفي ضوء هذه التحديات العلمانية القاسية. شهرت المحكمة الدستورية سيفها هي أيضًا لتمنع أردوغان من شغل مقعده في البرلمان، وبالتالي تمنعه من الوصول إلى سدة الحكم في الانتخابات المقبلة، وهكذا فقد بقي سجل أردوغان إسلاميًا في نظر المتشددين العلمانيين مهما حاول الظهور بغير ذلك.

المشاكل القانونية التي تعترض طريق أردوغان أو بتعبير أصح العقبات المتسلسلة التي وضعتها النخبة العلمانية الحاكمة في تركيا أمامه، لا تعتبر استثنائية على مستوى التنظيم الحزبي الإسلامي في تركيا، فمن المعروف أن هذه الدولة -الإسلامية على مستوى القاعدة، والعلمانية مؤسساتيًا وتشريعيًا- سبق أن حظرت ٤٠ حزبًا على مدى الأعوام الـ ٤٠ الماضية، ومنعت العديد من السياسيين من ممارسة أنشطتهم السياسية إلا أن انعكاسات هذه الخطوة على الخريطة السياسية في البلاد وإقراراتها المستقبلية قد تكون من الأهمية بمكان ينفع المراقب إلى الاعتقاد أن تحولًا جذريًا في طبيعية الصراع السياسي في طريقه إلى التبلور خلال السنوات القليلة المقبلة خاصة في ضوء رغبة تركيا الحثيثة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي والعوائق التي تواجهها في هذا الشأن، إضافة إلى الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها منذ أشهر عدة وضيفت هامش المناورة أمام المؤسسة العسكرية ذات النفوذ الواسع. 

كانت المحكمة الدستورية قد حكمت على أردوغان بالسجن عشرة أشهر طبقًا للمادة ٣١٢ من قانون العقوبات، قضى منها ثلاثة أشهر بسبب شعر ألقاه خلال مؤتمر جماهيري، وصفته الفئة العلمانية بأنه محرض على النظام العلماني في تركيا، وقالت المحكمة إنه لا يحق لشخص سجن ترشيح نفسه نائبًا في البرلمان، ومن خلال مطالعة السبب الجوهري للقرار، تؤكد المحكمة أن أولئك الذين كانوا مدانين بموجب المادة ٣١٢ لم تشملهم المادة ٤٤٥٦ من القانون الذي يقضي بتأجيل أحكام الجرائم الصحفية الفكرية، وطبقًا للمحكمة الدستورية، فإن قانون العفو لا يمكن أن يطبق على من قضى عقوبته، بل يشمل فقط المدانين الفكريين الموجودين في السجن أثناء دخول القانون حيز التنفيذ.

ماذا سيحدث الآن؟

قالت الجريدة الرسمية إن المحكمة الدستورية قصت في يناير الماضي بإدانة أردوغان بموجب المادة ۳۱۲ من القانون الجنائي ومنعه من دخول البرلمان ومن العمل كعضو مؤسس في حزب. 

وهذا الحكم أغلق فعليًا طرقًا أخرى كانت مفتوحة أمامه في السابق، وقالت المحكمة في حكمها الذي نشرته الجريدة الرسمية اتخذ القرار لأن حكم السجن الصادر ضد أردوغان لمدة عشرة أشهر بموجب المادة ٣١٢ يجعله غير مؤهل لكي ينتخب عضوا في البرلمان ولهذا السبب لا يمكن أن يصبح عضوًا مؤسسًا لحزب سياسي. 

وقالت الصحيفة أيضًا إن المحكمة قضت بمنع ست نساء يرتدين الحجاب من العمل كعضوات مؤسسات في الحزب، وبأن حزب العدالة والتنمية لديه مهلة أقصاها ستة أشهر لإبعاد أردوغان كعضو مؤسس للحزب. وفي حالة تحقيق ذلك فإن قيادة أردوغان ستنتهي حتميًا المحللون السياسيون يقولون إنه من الممكن أن ينتهج حزب العدالة والتنمية «المناورة» من خلال إبعاد أردوغان في الوقت الحالي على أن يتم ضمه مجددًا في انتخابات البرلمان على أي حال مثل هذه المقاومة من الممكن أن تثير خلافات جديدة وذلك بعدما طلبت المحكمة الدستورية ألا يكون أردوغان نائبًا في البرلمان علاوة على ذلك فإن أردوغان قد يفقد مصداقيته السياسية وكذلك هيبته حين يكون عاجزًا عن خوض الانتخابات، ومن الناحية الثانية من الممكن أن يرفع حزب العدالة والتنمية دعوى إلى محكمة أمن الدولة لإلغاء عقوبة أردوغان، ولكن هذا الطريق يحتاج إلى وقت طويل ومعقد وخطر في نفس الوقت.

أردوغان: لا يوجد شيء يعيق قيادتي

من جهته قال أردوغان إن تحذيرات المحكمة الدستورية العليا التي تطلب منه التنازل عن حقه كعضو مؤسس للحزب ليست شيئًا جديدًا بالنسبة له، مؤكدًا أنه لا يوجد في القانون ما يحول دون قيادته لحزبه وقال: سنواصل طريقنا ونقوم بواجبنا نحن مصرون على الاستمرار في طريقنا من أجل خدمة بلادنا بنفس الحماس.

وسعى أردوغان -وهو رئيس بلدية سابق لإسطنبول- إلى إعادة تشكيل صورته من شاب ثائر إلى سياسي يميني يؤيد ترشيح تركيا لعضوية الاتحاد الأوروبي وفي هذا الإطار، مارس حزب العدالة والتنمية اللعبة السياسية وفقًا للقواعد والقوانين التي تعتمدها السلطات طوعًا أو بحكم الضرورة، بحيث وافق على أن تكون الدولة علمانية، بل أكثر من ذلك دعم هذا التوجه، لكن مع إفراغ هذا المصطلح من المضمون الذي أراده له مؤسسو تركيا الحديثة، مؤكدين أن العلمانية تعني ألا تتدخل الدولة بشؤون المواطنين فيما يتعلق بحرية العبادة، على قاعدة أن لكل واحد حرية الإيمان، وعلى الدولة أن تكون على مسافة واحدة من كل المؤمنين، كما يسعى هذا الحزب إلى مغازلة المؤسسة العسكرية عبر نفي أي طابع ديني له وذلك بالتأكيد على أن أعضاءه متدينون كأفراد لا كتنظيم، وهم يحاولون الاستفادة من الضغوط الأوروبية التي تمارس على أنقرة فيما يتعلق بالممارسات الديمقراطية، ومن رغبة تركيا بالظهور وكأنها حريصة على الليبرالية، فيرون المخرج في حل بعض المسائل الحساسة التي واجه بشأنها حزب السعادة الإسلامي -ومن قبله الفضيلة والوفاء- السلطات، كقضية الحجاب بإدراجها ضمن إطار الحريات الفردية.

وعلى ذات المنوال تحاول القوى نفسها التصدي لرائد الإصلاح السياسي في تركيا البروفيسور نجم الدين أربكان، وتبذل جهودًا حثيثة للوقوف أمام تطلعاته السياسية المستقبلية، ومن بين الطرق التي تحاول بها النخبة العلمانية القضاء على مسيرة هذا الرجل المناضل اتهامه بالتوقيع على بيان يدعو للجهاد يحمل توقيع شخصيات من عشرين دولة عربية وإسلامية، ويطالب بقطع العلاقات مع الكيان الصهيوني ومقاطعة البضائع الأمريكية.

البروفيسور أربكان نفى أيضًا أن يكون قد وقع على بيان قبل ١٣ عامًا مع رفيقه في الدرب أوغوز أصيل ترك -عضو اللجنة الإدارية لحزب السعادة الإسلامي- يدعو إلى الجهاد في فلسطين، ونقلت وسائل الإعلام عن مظفر اوندر، محامي أربكان تأكيده عدم توقيع موكله على هذا البيان فيما وصف أحد المقربين من البروفيسور أربكان الفئة التي تقف وراء هذه الحملة الشعواء ضده، بأنهم عبيد لليهود، لأنهم يريدون إبعاد الأنظار عن مظاهر الغضب العارمة في الشارع التركي المتعاطف مع الشعب الفلسطيني الصامد تجاه الممارسات الإسرائيلية الوحشية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. 

وعلى الرغم من كل المحاولات التي بذلتها النخبة العلمانية لقطع الطريق أمام أربكان تخوفًا من عودته من جديد إلى المعترك السياسي أكثر قوة وصلابة في ظل النظام الحكومي الهش الموجود حاليًا في البلاد، إلا أنه ما زال يتمتع بشعبية كبيرة الأمر الذي يجعل تلك النخبة متربصة للانقضاض عليه حينما تجد الفرصة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

472

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الأسرة - العدد 6

نشر في العدد 8

500

الثلاثاء 05-مايو-1970

الاحتشام سر الجمال