; أربكان والشيشان يبعثون الأمل في الأمة | مجلة المجتمع

العنوان أربكان والشيشان يبعثون الأمل في الأمة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 20-أغسطس-1996

مشاهدات 57

نشر في العدد 1213

نشر في الصفحة 9

الثلاثاء 20-أغسطس-1996

ثلاثة أحداث هامة فرضت نفسها على الساحة الإسلامية والدولية في الأسبوع الماضي، وأعطت ملامح أمل جديدة للمسلمين في أخذ زمام المبادرة بأيديهم لحل قضاياهم وفرض أنفسهم على ساحة الأحداث إقليميًّا وعالميًّا.

أما الحدث الأول فهو ما أقدم عليه رئيس الوزراء التركي نجم الدين أربكان أثناء زيارته لإيران في الأسبوع الماضي من تحد واضح لقانون «داماتو» الذي أصدرته الولايات المتحدة وحذرت فيه الشركات العالمية من التعامل مع ليبيا وإيران في استثمارات نفطية تزيد على أربعين مليون دولار سنويًّا، حيث قام أربكان بتوقيع عقد لشراء الغاز الطبيعي من إيران -رغم التحذير الأمريكي- بمقدار ٢٠ مليار دولار على مدى ٢٢ عامًا، وأعلن أربكان أن تركيا لن تسمح لدولة ثالثة أيًّا كانت -في إشارة واضحة للولايات المتحدة- بالتدخل في مسألة تعزيز علاقات التعاون بين طهران وأنقرة، كما أكد أربكان أن بلاده قررت كذلك شراء ثلاثين ألف كيلو وات من الطاقة الكهربائية أيضًا من الجانب الإيراني، بالإضافة إلى ما أعلنته الدولتان من أنهما ستقومان بربط شبكاتهما الكهربائية، كما اقترح أربكان عقد قمة رباعية للدول المعنية بالقضية الكردية.

أما باقي جولة أربكان والتي شملت كلًّا من باكستان، وإندونيسيا، وسنغافورة، وماليزيا، فإنها تدخل في محيط تعزيز العلاقات التركية الإسلامية التي بقيت فاترة طوال ٧٣ عامًا من حكم العلمانيين، واكد أربكان أن بلاده سوف تقوي علاقاتها كذلك بجمهوريات أسيا الوسطى في إطار منظمة التعاون الاقتصادي الإقليمي «إيكو» التي تضم باكستان، وتركمانستان، وقرغيزستان، وكازاخستان، وطاجيكستان، وأذربيجان، كما أعلنت مصادر في حزب الرفاه أن أربكان سيزور كلًّا من: سورية، والعراق، والسعودية، والكويت، بعد زيارته المقررة في الشهر القادم إلى مجموعة من الدول الأوربية، وقد جاءت هذه التحركات والمبادرات التركية لتصيب الدول صاحبة النفوذ في المنطقة بالقلق والاضطراب من التحرك التركي الذي يخرج -في مفهوم النظام العالمي الجديد- عن نطاق السيطرة ويحمل ملامح عودة تركيا إلى عصر السيادة والريادة وتوحيد جهودها مع دول العالم الإسلامي لاستعادة هيبة الامة الإسلامية في المجتمع الدولي.

أما الحدث الثاني فهو نجاح المجاهدين الشيشان في الاستيلاء على معظم أنحاء العاصمة جروزني وتكبيد الروس خسائر فادحة في الأرواح والمعدات قدرت حسب مصادر الروس بأكثر من ألف قتيل وجريح، فيما أعلن المجاهدون أنهم قتلوا وجرحوا أكثر من ألفين وخمسمائة جندي روسي، وأسقطوا أربع طائرات، ودمروا مائتي مدرعة وناقلة جنود، واستولوا على أربع دبابات، وست مدرعات، فيما لم يسقط منهم طوال ثمانية أيام من القتال سوى ٣٧ شهيدًا، مما دفع الروس إلى التفاوض مع الشيشان، والقبول مبدئيًّا بشروطهم ومطالبهم بعد الهزيمة النكراء التي تعرض لها الجيش الروسي على أيدي أحفاد الإمام شامل.
أما الحدث الثالث فهو الاتفاق الذي وقعته كل من: باكستان وأفغانستان في الأسبوع الماضي، والذي يقضي بإعادة العلاقات والتعاون بين البلدين، وأن تحافظ كل منهما على استقرار وسيادة الأخرى.

وتأتي هذه الأحداث الثلاثة لتؤكد على حقائق هامة: من أهمها أن الدول العربية والإسلامية يجب أن تأخذ زمام المبادرة في قضاياها وشئونها ومصالحها بنفسها، ويجب أن تضع سياسة جديدة تكسر الاحتكار الأمريكي والهيمنة الغربية على زعامة العالم.

لقد «أربك» أربكان الولايات المتحدة، التي لم تملك إزاء الاتفاق التركي الإيراني سوى الرضوخ والإعلان على لسان وزير الخارجية الأمريكي وارن كريستوفر في بروكسيل يوم الثلاثاء الماضي بأن قانون «داماتو» لا ينطبق على الاتفاق التركي الإيراني، وهذا مؤشر على أن الدول العربية والإسلامية تستطيع وضع استراتيجية واضحة المعالم لسياساتها واستراتيجيتها تجبر الجميع على احترامها، وأن أحدًا لا يستطيع لوم الدول العربية والإسلامية حينما تعمل لمصالحها ومصالح شعوبها، وسيادة واستقلال قرارها.

أما شعب الشيشان المجاهد فقد أثبت في معركة جروزني على أن التاريخ لا يصنعه إلا أصحاب العزائم القوية والإيمان الراسخ القوي، وأن طريق العزة يفرض بالقوة والجهاد، وليس عبر مسيرات التنازلات والاستسلام، أما الذين يلهثون وراء الشريك الأمريكي، ومجلس الأمن، والأمم المتحدة، فلن ينالوا إلا مثلما نال عرفات من اليهود، حيث وصل به الحال إلى استجداء لقاء نتنياهو دون فائدة، وأصبح في عرف السياسة الدولية والواقع خادمًا للصهاينة وأهدافهم، فالهزيمة التي تلقاها الروس في جروزني أجبرتهم على الرضوخ، ولن يجبر الإسرائيليين على الرضوخ إلا أن ينالوا على أيدي المسلمين مثلما ناله الروس على أيدي الشيشان في الأسبوع الماضي، عندها سوف يلهثون للتفاوض مع العرب كما يلهث ليبيد للتفاوض مع الشيشان.

أما الخطوة الأفغانية الباكستانية فهي صورة لما يجب أن تقوم به الدول العربية والإسلامية من الحوار المباشر لحل مشاكلها دون وسطاء، وقطع الطرق على دعاة الفرقة ومثيري الفتن الذين فرضوا أنفسهم أوصياء على الأمة وعلى قرارها، فالدول الخليجية تستطيع أن تجلس في حوار مباشر مع إيران لنزع فتيل القلق في المنطقة، وكذلك تستطيع دول عربية كثيرة أن تحل مشكلاتها مع جاراتها على غرار الخطوة الأفغانية الباكستانية.

إننا نأمل أن تكون هذه الأحداث الهامة دافعًا للحكومات والشعوب الإسلامية لتعيد تقييم أوضاعها وتوحد صفوفها وجهودها وأهدافها، وتستعيد زمام المبادرة والسيادة على قرارها، فالفرقة والخلافات ونفوذ الصهاينة فرق الصف العربي والإسلامي، وأضعف المسلمين خلال السنوات الماضية على وجه الخصوص، لكن جذوة الأمل تبقى في الأمة طالما أن فيها رجالًا مثل أبطال الشيشان يجددون فيها روح الجهاد والعزيمة والانتصار.

إن ما حدث في الأسبوع الماضي هو بارقة أمل على كافة الأصعدة الشعبية والحكومية، ونأمل أن يكون بداية لمرحلة جديدة في حياة الشعوب والحكومات المسلمة.

الرابط المختصر :