; أزمة أخلاق وعقيدة | مجلة المجتمع

العنوان أزمة أخلاق وعقيدة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 20-أغسطس-1974

مشاهدات 218

نشر في العدد 214

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 20-أغسطس-1974

لماذا يقف تبادل الاتهامات عند حد معين؟  الشعوب تريد أن تعرف ما يجري في الخفاء..!!  تراشقت جهات عربية التهم - خلال الأسبوع الماضي-.  قال بعضهم: لم نبدأ بعد حملاتنا.. وعندما نبدأها فلن يتمكن خصومنا من النوم.  وقال آخرون: إذا استمرت «؟؟؟» في التشكيك بنا فلسوف نفتح ملفاتهم ونكشفهم على حقيقتهم ثم نكشف جهات كثيرة معهم.  وهذه التهديدات تعني أن السيل قد بلغ الزبى وأن الصبر قد نفد.. ولتنتظر الصحافة ووكالات الأنباء ما يندى له الجبين خجلًا وعارًا.  وهنا تدخل الوسطاء من الذين يعنيهم الأمر، فجمعوا بين الطرفين المتخاصمين وفتحوا ملفات جديدة.. يسجلون بها الود والمحبة والقروض والهبات دون قيد أو شرط.  ومما تجدر الإشارة إليه: أن هذه الأطراف المتنازعة قبل أشهر، كان يكتب كل منهم للآخر متحدثا عن وطنيته وجهاده واستقامته.. ويتبدل الأسلوب عند أقل خلاف، وتكون الكتابة عن الخيانة والتآمر والعمالة و و..... وليس في كل مرة يفلح الوسطاء في جهودهم وعندئذ يستأسد الطرفان في حرب ضروس يستخدم فيها تبادل تهم الخيانة ونشر الوثائق والأسرار وأشرطة التسجيل عندما كانت علاقتهم في شهر العسل، ويتطور الأمر أحيانًا إلى حرب حقيقية، تراق فيها دماء الأبرياء، وتهدر اقتصاديات البلاد.. ويستعدى أولي القربى الأجنبي الغريب على بني عمومتهم ورحمهم.  والأمثلة أكثر من أن تحصى، وما من بلد عربي إلا وكان مسرحاً لمثل هذه الأحداث خلال ربع قرن من الزمن.. وبلغ عدد الضحايا في بلد عربي واحد أضعاف أضعاف القتلى في حرب رمضان الأخيرة.  ولو أخذنا مؤتمر شتورا لعام ١٩٦٢ وتابعنا ما قاله كل طرف عن الآخر لتبين لنا: أن التنقيب عن العيوب وفتح الملفات يبدآن منذ الأيام الأولى للتعاون والعمل معًا.  ومعنى ذلك: أن الالتقاء بينهما أمر ظاهري، وفي الحقيقة يترصد كل طرف بالآخر لينقض عليه عند الفرصة المناسبة.  ومن المؤسف أن هذا اللون من التعامل ليس مقصورًا على الجهات الرسمية.. بل هو مرض خطير من أمراض أمتنا المستعصية.. نجده بين الحكومات والأحزاب وحتى في علاقاتنا المادية وغيرها. يعطيك من طرف اللسان حلاوة.  ويروغ منك كما يروغ الثعلب. ونعود للاتهامات الرسمية: عرفنا الاتهامات السابقة أن أغلبها صحيح.. ونريد أن نعرف الاتهامات الجديدة: فكل منهم يقول: إذا استمررتم في التشكيك بنا فلسوف نفتح ملفاتكم!!. وهذه الملفات ليست عيوبًا كأن يقول لخصمه: يا أطرش، أو يا أعور... إنما هي أسرار تتعلق بالارتباطات السياسية، وطريقة التعامل مع الدول الكبرى.. وكيف جاء صاحبه إلى الحكم!! فهل هذه القضايا الأساسية ملك لشخصين يلوحان بها عندما يختلفان، ويسكتان عنها عندما تعود المياه إلى مجاريها؟؟. وإلى متى يستمر الشعب جاهلا لقضاياه المصيرية، محجوبا عن أمور تمس عقيدته ثم أرضه ومستقبله بل إلى متى يستمر الاستخفاف بهذه الشعوب واحتقارها. وكل يدعي أنه يمثل شعبه تمثيلا مطلقا ومسبقا وله الحق أن يفعل به ما يريد ويقوده حيث يريد؟؟. ولسنا نذكر أن الشعوب قد رضيت لنفسها هذا الذل واستمرأته وعاشت وكأنها ما خلقت إلا للطعام والشراب والعمل.. ومن سنن الله سبحانه وتعالى أنه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.  وإذا رحنا نتلمس علاجا لهذا الداء الخطير. فقد يراه بعض الناس في الأنظمة التي تسمح بشيء من الحرية يمارسها الشعب، وإذا كانت هذه الأنظمة تعطي المواطن جوًا يتنفس فيه ويعبر عن رأيه بصراحة لكنها تبقى أجواء خبيثة فيها الغش والكذب والخداع والعمالة.. ونحن لا نرى دواء لهذا المرض وغيره إلا أن نعود إلى الله سبحانه وتعالى نخشاه ونتقرب إليه بكل عمل صالح. قد يخدع السلطان شعبه ويضمن أن القانون سيكون بجانبه لاسيما أنه الذي صنعه. لكن المؤمن الذي يخشى ربـه ويتقيه، لأنه مطلع عليه في السر والعلانية: هذا المؤمن لا يظلم أحدًا ولا يعتدي على أحد ولا يسرق أموال أحد، ولا يستعين بأعداء الإسلام على بني قومه، لا خوفًا من القانون أو الشعب بل خوفًا من ربه ورب الشعب، خوفًا من النار وطمعًا بالجنة.. إنه يخشى أن يسأله الله عن ظلم لحق بأفراد رعيته وهو لا يعلم. وهو بهذا الإيمان يستعلي على شهوات الدنيا وأطماعها، ولا يخاف من شعبه، بل ينام قرير العين مطمئن النفس، لأنه لم يفرط فيما ائتمنه الله عليه.  إن العودة إلى حكم الله وتقواه.. طريق معبد، جربته أمتنا من قبل فكانت خير أمة أخرجت للناس، وجربت غيره فجنت الذل والفرقة والهوان، وسلط الله عليها أذل أمم الأرض. والفضيحة التي يجب أن نخشاها يوم تعرض أعمالنا في ذلك الموقف العظيم، يوم لا ينفع مال ولا جاه إلا من أتى الله بقلب سليم، وليست الفضيحة أن تكشف ملفاتنا في الدنيا فنسارع في إرسال الوساطات، أو تدبير الخصم؛ تارة بقتله وأخرى بالاستجابة لما يريد، بل الفضيحة للذين يحشرون في جهنم. ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (القصص:83).
الرابط المختصر :